تنظيم داعش .. هل هو صناعة غربية أم ابن شرعي للإسلام ؟!

تنظيم داعش .. هل هو صناعة غربية أم ابن شرعي للإسلام ؟! – د. محمد عجلان

ظهور الكيانات أيا كانت أشكالها أو أهدافها لا يأتي بين عشية وضحاها، وإنما يتم عبر تراكم ربما يمتد لسنوات وعقود طويلة، فظهور تنظيم داعش فى الشهور الأخيرة ليحتل ساحات الإعلام والسياسة لابد أن يطرح سؤال كيف ظهر ومن أين جاء. تنظيم بهذه الدموية والهمجية يذكرنا بالتتار حين دخلوا بغداد، وكأن العراق على موعد مع الهمجيين الذين يهدمون حضاراته ويحوّلون حياة أهله إلى جحيم، كيف هجم كالوحش على بلاد الشام والعراق بهذا الشكل ؟

ربما يحلو للبعض أن يختزل الظهور المفاجئ لهذا التنظيم الإرهابي فى اعتباره صنيعة غربية لضرب العرب، وإن كنت لا أستبعد أن تكون ثمة أصابع غربية تساهم فى نشر مثل هذه الجماعات لتحقيق مصالحها، فقد كان تنظيم القاعدة فكرة أمريكية بأيدي إسلامية. لكن لماذا لا يصنع هذا الغرب مثل هذه الجماعات فى روسيا أو فى فنزويلا أو كوبا ؟ .. لماذا لم يحرك مثل هذه التنظيمات فى الصين أو الهند أو أي مكان آخر خارج المحيط العربي بالأساس والإسلامي بصفة عامة ؟

ويحلو لآخرين أن يعتبروا أن تنظيم داعش هو الابن الشرعي للإسلام، وأنه نتاج فتاوى تاريخية ينفذها هؤلاء الأتباع لا أكثر ولا أقل، ولو أتيحت الفرصة لأنظمة الحكم ذات الشعارات الدينية أن تصل للسلطة لن تفعل شيئاً مختلفاً. وبالتالي فإن هؤلاء يعتبرون المشكلة في الإسلام ذاته، أو في الفكر الإسلامي في أحسن الأحوال. وهذا التيار أيضاً يبدو أنه لا يريد أن يبحث في الأسباب المباشرة للأزمة فيحلو له أن يغوص بعيداً بعيداً في التاريخ. ولا يعني ذلك أننا نرفض موقفه كاملاً، ولكن فقط نريد أن نقول أنه لا يمكن اختزال القضية في بعد واحد وتجاهل أبعاد أخرى لا تقل عنه أهمية وتأثيراً. لذا لابد أن نبحث في تلك الأبعاد الأخرى حتى نقف على حقيقة ظهور هذا التنظيم الإرهابي.

يبدو أن ثمة ظروفا مرتبطة بالواقع العربي الإسلامي سهّلت على من يحركون تلك التنظيمات ويتلاعبون بها، وهذا يدفعنا إلى النظر فى الواقع العربي بصفة خاصة، على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما هي مساحة الحرية التي ينالها المواطن العربي، ما هو مستوى معيشة هذا المواطن، وهل لديه مقومات الحياة الكريمة التي تكفيه ذل السؤال أو شبح البطالة ؟ .. هل هناك تعليم جيد يساهم فى إخراج مواطن لديه الوعي الكافي بحقيقة ما يجري فى العالم ؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير يحتاج أن نجيب عليه بداية قبل أن نتورط فى إلقاء التهم جزافا شرقا أو غربا، وبينما نحن نحاول الإجابة على مثل هذه الأسئلة، فعلينا أن نستحضر نماذج للشباب فى بيئات مختلفة خارج الحيز العربي، ولماذا لا يكون من السهولة بمكان أن يتم توظيفهم فى مثل هذه الأعمال الإرهابية، لماذا أصبح شبابنا بالذات هم المادة الخام الصالحة لمثل هذه الممارسات البربرية فى القرن الحادي والعشرين، وربما يرد البعض بوجود نماذج لإرهاب وانعدام إنسانية فى أماكن أخرى من العالم، لكن هل هناك من يقتلون أبناء جلدتهم بدون سبب واضح .. لا لشيء سوى لعدة أفكار وهمية تم زرعها فى عقول هؤلاء الشباب ؟

هل لو كانت هناك حياة سياسية حقيقية، أساسها الديمقراطية وجوهرها الحرية واحترام حقوق الإنسان، هل كان هذا الشباب سيبحث عن متنفس تفجيري كي يعبر عن رأيه ؟ .. هل لو كانت ثمة حياة اقتصادية كريمة تمنح هؤلاء فرصة العيش والاستمتاع بالحياة، هل كانوا سيفجرون أنفسهم ويقتلون غيرهم من أجل أن يحصلوا على الحور العين فى جنة الخلد ؟ .. هل لو كانت لدينا أنظمة تعليمية تساهم فى خلق وعي حقيقي لدى هؤلاء، هل كان من السهل التلاعب بهم سواء من الداخل أو الخارج باسم الدين أو باسم أي شيء آخر ؟

لابد لنا من إعادة النظر فى البيئة التي أخرجت أمثال هؤلاء كي يكونوا فريسة سهلة فى أيدي كل من يريد التلاعب بهم، سواء كان هذا التلاعب لأسباب داخلية أو لأسباب خارجية، يجب أن نعرف أن بيئة القمع السياسي والفقر الاقتصادي والتجهيل الديني والتغييب الثقافي، لن تنتج فى النهاية سوى هؤلاء المشوهين، فقبل أن ندين الشرق أو الغرب، وقبل أن نضغط على زر”نظرية المؤامرة” لابد أن نبحث فى عيوب أنظمتنا السياسية والتعليمية التي كانت هي الأساس لكل ما نشاهده الآن من فظائع داعش الحالية أو القادمة بأشكال أخرى مادمنا لم نجرؤ على مواجهة أنفسنا.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك