5 طرق تؤدي إلى وقوع عقلك الباطن فريسة للإعلام

5 طرق تؤدي إلى وقوع عقلك الباطن فريسة للإعلام 

تروى الأسطورة أن الجيوش الإغريقية حاصرت مدينة طروادة عشر سنوات بغية اقتحامها لكنها مُنيت بالفشل، فلجأ قادة الجيش لحيلة ماكرة، وهى تصنيع حصان خشبى عملاق دسوا فيه جنودهم ثم تظاهروا بالإنسحاب.. فخرج سكان المدينة وقاموا بجر الحصان الجميل إلى الداخل. وتحت جنح الليل خرج الإغريق فاتحين البوابات لأقرانهم الذين نهبوا المدينة ودمروها تماماً. هذه الرواية وإن كان فى حقيقة وقوعها بهذه الصورة شك تاريخى، إلا أن الذى لا شك فيه هو حدوثها كل يوم وكل ساعة لكن بين خصمين مختلفين.. وهما الإعلام وعقلك الباطن. فالإعلام الحديث لم يعد يهاجم عقول الناس بطريقة مباشرة ومكشوفة كما كان الحال فى الماضى، بل يلتف ويتحوّر داساً السم فى العسل ومخبئاً الجنود فى الحصان كى يفتحوا ذهن المشاهد وقلبه لرسالة الإعلام التى تسيطر عليه دونما يدرى. ونستعرض فيما يلى بعضاً من أقوى الحيل المستخدمة لتحقيق ذلك..

1-الذروات العاطفية وقت ضعف:
أفضل طريقة لترويج فكرة هى حقنها فى مخ المشاهد أو المستمع أو القارىء فى وقت يكون عقله مخدّراً فيه.. وتلك الأوقات تتمثل فى الذروات العاطفية سواءاً الحزن الشديد -كرؤية طفل مريض مطلوب تبرع لعلاج أمثاله- أو الفرح الشديد -كصياغة فكرة بطريقة ساخرة وكوميدية- أو التحمس الشديد -من نوعية خطب هتلر وعبد الناصر-، ففى تلك الحالات يكون العقل مغيباً وعلى استعداد لتلقى أى معلومة تقريباً بلا نقاش ولا جدال. والحقيقة أنى من فرط التفكير فى ذلك الموضوع نمت عندى “حساسية” من تلك الحالات.. فإن شاهدت إعلاناً لمستشفى السرطان يُظهر الأطفال يتألمون مثلاً يدق عندى ناقوس الخطر فوراً وينتابنى إحساس بأن هناك من يحاول خداعى والتأثير على مشاعرى، وإن شاهدت أو قرأت خطبة حماسية عن “إعادة المجد للإسلام” دون أن يخوض الخطيب أو الكاتب فى تفاصيل كيفية إعادة هذا المجد ينتابنى التشكك فى كلامه بدلاً من الإنجراف فى التيار العاطفى وهكذا. ويراعَى هنا أن الإعلام الناجح يتجنب الذروات العاطفية التى تقلب أهدافه.. فلا يُظهر أبداً جندى العدو مثلاً وهو جريح ينزف لإلا يتعاطف معه ذوى القلوب الرقيقة، بل يظهره فى أشد حالات البطش والتجبر ويصاحب ذلك مقطع آخر له وهو خائف من مهاجمة الجنود البواسل مثلاً فيجتمع إحساس المشاهِد تجاهه بالكراهية والاحتقار فى آن واحد

2-الشد والإرخاء لقتل العزيمة:
قلما تُفرَض الأوضاع الجديدة السيئة -كضريبة جديدة أو قيام حرب مثلاً- كأمر واقع مفاجىء على الشعوب، بل يسبقها “تسريب” ثم “مناقشة” ثم “تمهيد” ثم “تراجع” ثم “عودة” إلخ، كل ذلك بهدف استنزاف طاقة الشعب النفسية على المقاومة والإعتراض.. فلن يثور أحد إن تسربت شائعة بأن الحكومة ستفرض ضريبة جديدة على االعقارات، ولن يثور أحد إن تم الإعلان بعد ذلك عن مناقشة قانون ضرائب عقارية، ثم لن يثور أحد عند قرار بدء الضرائب الجديدة من العام المقبل بدلاً من العام الحالى، فهم قد تهيأوا نفسياً بالفعل فى كل مرحلة من التدرج السابق. كذلك لو كانت اسرائيل قد قامت فجأة منذ ثلاثين عاماًُ مثلاً بإعلان نيتها لهدم المسجد الأقصى -أو هدمته فجأة دون إعلان- فكان سيقوم العالم الإسلامى عليها ولا يقعد بما فى ذلك دق طبول الحرب جدياً. لكنها إن قامت بحفريات ومطالبات وتهديدات ومحاولات إقتحام كل فترة على مدى عشرات السنين فستقوم الدنيا “بعض الشىء” عند كل استفزاز جديد.. ونتيجة لهذه السياسة التدريجية يصاب المسلمون فى النهاية بحالة من التبلد والتوقع واليأس وهى حالة تسمح للصهاينة بعمل ما يريدونه من هدم كلى دون أن يزيد رد الفعل عن “بعض الشىء” أيضاً لأن الناس قد ملت من الاعتراض والشجب والإدانة وأفرغت شحناتها الغاضبة مرات عديدة حتى استنفدت طاقاتها تماماً

3-تسويق المنتج من خلال الإرتباط:
يعمد مسوقوا المنتجات فى إعلاناتهم المختلفة إلى ربط منتجهم بشىء جالب للسعادة حتى لو لم يكن ذو علاقة بالمنتج. فنجد مثلاً فتاة حسناء فى إعلان للجبنة، ونجد غابة مليئة بالأشجار فى إعلان سيارة، ونجد شوارع نظيفة وغرفة نوم مُرتبة فى إعلان ملابس! ولعل القارىء يظن أن هذا النوع من الربط لا يؤثر عليه لأنه ذكى وعقلانى، لكن هذه التجربة[1] تثبت العكس: فقد تم الإتيان بمجموعتين من المتطوعين لإختبار ذلك التأثير عليهم عند إختيارهم لنوع من الأقلام يشتروه. قيل للمجموعتين أن أحد الأنواع أفضل من الآخر، إلا أن العلماء فعلوا شيئاً بمجموعة لم يفعلوه مع الأخرى: عرضوا أمامهم صوراً تَظهر وتختفى سريعاً للنوع الأسوأ من الأقلام بجانب أشياء أخرى إيجابية (لا تذكر التجربة ما هى تلك الأشياء، لكننا سنفترض أنها من نوعية الفتيات الحسناء والغابات الخضراء). فماذا كانت النتيجة؟ ما بين 70 إلى 80% من أفراد تلك المجموعة إختارت القلم الأسوأ! وذلك رغم علمهم التام بأن خصائصه لا تضاهى القلم الآخر. هذه التجربة مخيفة، وتوضح مدى لاعقلانية الناس فى إختيار المنتجات وقوة تأثير الطريقة التى يتم عرض المنتجات بها.. فما بالك لو تحدثنا عن “تسويق” الآراء السياسية والدينية والأخلاقية والتى يكون تحديد “الأفضل” فيها أكثر صعوبة وتعقيداً من المنتج المادى؟ لا شك أن مجال التلاعب بالعقول هنا أوسع بكثير. ولهذا نجد كثيراً من الإعلانات تقدم المنتَج من خلال ممثل أو رياضى مشهور ومحبوب.. بل ويُصر الإعلام على تقديم وجهة نظر السادة الفنانين السياسية رغم أنه من الناحية العقلانية البحتة لا توجد علاقة بين رأى ممثل فى منتج أو فى حزب وبين شراء الناس لهذا المنتج وتأييدهم لذلك الحزب. لكن لأننا -للأسف- لسنا آلات عقلانية فهذه الطرق مجدية ومؤثرة

4-تسويق الفكرة من خلال الإرتباط:
ومن أقوى الطرق تأثيراً فى عقلية المشاهد أو القارىء هى ربط الأفكار لتكوين صورة نمطية تلتصق فى الذهن. فلو أردت أن أبرهن لك مثلاً على أن الإلحاد والشيوعية يتسببان فى القتل والدمار فلن أذكر كلمة الإلحاد إلا وأنا أذكِّرك بما فعله ستالين و مَوتسى تُنج حتى تنطبع فى ذهنك صورة معينة عن الملحد بأنه شخص قاس بلا ضمير ولا يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم، كما لن أبرح عن تذكيرك بمناقب الأديان التى تدعو للرحمة والصدقة والأخلاق الخ. والعكس صحيح فإن أردت أن “أعقِّدك” من فكرة الدين فسأذكر لك أحداث الفتنة الكبرى والحملات الصليبية وما ارتكبه جورج بُش باسم الدين وصورة لقاتل ملتحى إلخ كى أرسم فى بالك فكرة عن الشخص المتدين (أو الشخص المسلم فقط.. حسب المطلوب) أنه سفاح متخلف منغلق العقل ولا يفكر فى أى شىء سوى إراقة الدماء ظناً منه أنها أوامر الله. وإن أردت أن أكرّهك فى الأوربيين فسأذَكّرك بأحداث التاريخ التى تصرفوا فيها بوحشية كإبادة سكان الأمريكتين وأستراليا وما فعله ليوبلد ملك بلجيكا بالأفارقة من قتل وعاهات وما فعله تشرشل فى العشرينات من هجوم على العراقيين بالغاز السام الخ.. فبمشاهدة فلم تسجيلى بعد آخر وقراءة مقالة بعد أخرى عن تلك الفظائع ترتسم فى ذهنك صورة معينة عن الرجل الأبيض مثل صورة الشيوعى الملحد فى مثالنا الأول. وبالمقابل فيمكن إعداد مقالة أو برنامج تسجيلى عن الأدوية والإختراعات الحديثة التى ابتكرها الأوربيون وكيف سهَّلت حياتنا كثيراً الخ فترتسم فى ذهنك فكرة معاكسة تماماً عندما تسمع كلمة “أوربى” وهى صورة عالِم ذو شعر رمادى وملامح إنسانية حنونة يرتدى بالطو أبيض ويقبع فى معمل يجرى التجارب المختلفة لإنقاذ البشرية من الأمراض والأوبئة! ولإدراك مدى التأثير العملى لتلك الممارسات تأمل كيف تم استخدامها ضدنا.. فبتكرار نماذج سلبية عن العرب والمسلمين تمكنت هوليود من رسم صورة نمطية عنهم كهمج متخلفين يأمرهم دينهم بقتل الآخرين ويسيئون معاملة المرأة[2] حتى أن أحد الإحصائيات تقدر أنه مِن بين ألف فلم أظهر عرباً ومسلمين مِن سنة 1896 حتى سنة 2000 لم يظهروا بصورة إيجابية سوى 12 مرة وصورة محايدة 52 مرة والباقى صوراً سلبية! وعلى مر السنين تراكمت تلك الصورة بشكل مستحكم حتى اذا ما جاء اليوم الذى تُقرر فيه الحكومة الأمريكية ضرب أو احتلال بلد مسلم تجد المعارضة لمثل هذا الفعل شبه منعدمة.. فمن الذى سيرفض قصف همج متوحشين يريدون القضاء على أمريكا و هم -فوق ذلك- يسيئون معاملة المرأة؟

5-إقناعك بما يجب أن يسعدك وما يجب أن يتعسك:
وعن طريق الإعلام وغسيل المخ أيضاً يمكن جعل الناس تشعر بالسعادة والرضى إزاء وضع معين أو الشعور بأنه جحيم لا يطاق تبعاً للجانب الذى يبرز منه. فمثلاً عن طريق ملصقات تدعو لنبذ الإنجاب بها صورة رجل وامرأة شباب يملأهم الجمال والحيوية وهم سعداء لكونهم بلا أطفال وتكرار تلك الصورة وتذكير الجمهور بمصائب الأطفال ومصاريفهم وضررهم على كوكب الأرض وويلات الزيادة السكانية وما تتسبب فيه من زحام وحروب وصراعات على الموارد المحدودة إلخ تنطبع فى الذهن فكرة شديدة السلبية عن الإنجاب وأنه ضار فى مجمله وأقرب للحيوانية. وهذه السياسة (الى جانب عوامل أخرى مساعدة) لاقت نجاحاً كبيراً فى بعض الدول الغربية لدرجة أنه لا يَمنع تعداد السكان من الإنخفاض بها اليوم سوى موجات المهاجرين الذين ينجبون مثل الأرانب.. وتتنبأ الأمم المتحدة أن يقل تعداد سكان أوربا بمقدار 75 مليون نسمة بحلول عام 2050 وأن يقل سكان اليابان 16 مليون نسمة بحلول نفس العام. وعلى الجانب الآخر فيمكننا تخيل مدى تأثير حملة معاكسة تُظهر الأب والأم سعداء والأبناء من حولهم وتخوّف من عدم الإنجاب بتصوير شيوخ كُهّل يشعرون بالوحدة ولا يسأل عنهم أحد الخ. أذكر أيضاً إعلاناً ضد عمالة الأطفال كان يذاع منذ سنوات طويلة فى مصر -وبصراحة لا أذكر أن شيئاً كان يحرق دمى أكثر منه وأنا صغير- كان يُظهر الطفل العامل مثل صبى الميكانيكى وهو ينظر إلى الأطفال الذاهبون للمدرسة سعداء فرحون، بينما تملأ عينيه نظرات الحسرة والتعاسة لعدم قدرته على التمتع بتلك “النعمة” كالمحظوظين الذين يقضون يومهم فى المتعة والنشوة الدراسية (لكن للإنصاف فهناك جزء حقيقى من ذلك الإعلان.. فالذى يتخرج من المدرسة ثم الجامعة يقضى عدة سنوات وهو عاطل فى سعادة وهناء على القهاوى والنوادى وهذا بالتأكيد أفضل من شغل ميكانيكى أو غيره). وهكذا يتمكن صانع السياسة من الإمساك بدفة مشاعر الجماهير فيحولها للقبلة التى يريدها حسب متطلبات البلد أو -فى أغلب الأحوال- حسب قناعاته الشخصية بما يجب أن تسير عليه الأمور

وكما اعتدنا فى هذا الباب يا عزيزى القارىء فسننهى المقال بطرق مضادة للتغلب على الحيل المذكورة. فإن رأيت أى شكل من أشكال التوجيه الإعلامى المقروء أو المسموع أو المشاهَد فعليك -قبل الإنجرار فى فحوى الرسالة وتفاصيلها- أن تسأل نفسك ماذا يريد منى هذا الإعلان أو هذا البرنامج؟ وما مصلحة من بذل مالاً وجهداً فى إنتاجه؟ وما الذى سيعود علىّ إن اتبعت وجهة نظره وما الذى سأخسره؟ وهل هناك وجهة نظر مضادة يتبناها صديق مثلاً أو يمكن البحث عنها على الإنترنت كى أكون ملماً بالصورة كاملة؟ وباختصار.. فعليك بالتساؤل عما بداخل الحصان قبل إدخاله للمدينة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]http://www.psychologytoday.com/blog/ulterior-motives/201008/what-does-advertising-do
[2]ونتيجة سيطرة المنظمات النسوية على الإعلام الغربى صار الغربيون يعتبرون إساءة معاملة المرأة أسوأ من السرقة والقتل، كما يعتبرون المعاملة العادية للمرأة إساءة لها.

المصدر: مدونة أبصر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك