كل ما تريد معرفته عن نظرية “العقد الاجتماعي”

كل ما تريد معرفته عن نظرية “العقد الاجتماعي” – د. محمد عجلان

مفهوم العقد الاجتماعي :

     يعنى ” العقد الاجتماعى ” Social Contract أن ثمة تعاقداً تم بين مجموعة من الأفراد من أجل نشأة الدولة ، سواء كان هذا التعاقد بين الحكام والمحكومين ، كما هو الحال عند لوك ، أو بين المحكومين وبعضهم البعض ، عند هوبز . ويبدو أن نظرية العقد الاجتماعى ليست جديدة كل الجدة ، بل إنها ذات تاريخ بعيد فى الفكر  السياسى ، فلقد ناقش الأبيقوريون هذه النظرية ، وكذلك بعض آباء الكنيسة الأوائل، ثم وجدت النظرية تدعيماً لها فى القانون الرومانى الذى اعتبر الشعب هو مصدر السلطة السياسية . ويرى البعض أن المجتمع الإقطاعى يقوم على أساس التعاقد الذى يتمثل فى يمين الولاء والخضوع بين السادة والعبيد ([1]) . إلا أن الفضل يرجع إلى أوربا العصر الحديث وفلاسفتها السياسيين – ليس فقط فى إلقاء الضوء على فكرة العقد الاجتماعى من جديد – وإنما فى تناول هذه الفكرة من منطلق جديد ، حيث إبراز الفردية Individualism والارتكاز على الفرد كفرد وليس على المجموع أو الناس بالمعنى الغامض لهذه الكلمة ، فاعتبار الفرد وحدة قائمة بذاتها لها كيانها هو تصور طرحه العقد الاجتماعى بشكله الجديد ، فهذا الطرح الفردى ، إلى جانب كونه جديداً ، فإنه أحد ركائز الفكر الليبرالى .

ومن الجدير بالذكر أن العقد ليس سوى افتراض خيالى بمعنى عدم وجود سابقة تاريخية له ، حيث التجأ إليه المنادون به كتبرير ميتافيزيقى لنشأة الدولة ، مما جعل كانط يصفه بالخرافة المنهجية ([2]) . ولقد ساعدت نظرية العقد الاجتماعى على القضاء على نظرية الحق الإلهى المقدس للملوك والتى ظلت راسخة لفترة طويلة ، بما يحمله هذا القضاء على الحق المقدس للملوك من تحقيق لعلمانية  السلطة ، أى نقل مصدر السلطة من السماء إلى الأرض ، فلم يعد الله هو واهب السلطة لفرد معين أو أسرة معينة ، وإنما الأفراد المشاركون فى هذا العقد هم مصدر هذه  السلطة .

     وانطلاقاً من كون الأفراد هم مصدر السلطة ، فإن الباحث سيحاول أن يعرض لفكرة العقد الاجتماعى وما تحمله من تأكيد للحرية الفردية لدى أبرز فلاسفة العقد الاجتماعى ( هوبز ، لوك ، وروسو ) .

1- العقد الاجتماعي عند توماس هوبز :

يعد توماس هوبز Thomas Hobbes (1588 – 1679 )([3]) إلى جانب كل من لوك وروسو من بين الذين ساهموا في وضع النظريات السياسية للدولة الحديثة في بريطانيا وفي أوروبا ([4]) . فلكى نفهم الطبيعة الفكرية لـ ” هوبز ” علينا أن نستقرئ العصر الذى عاش فيه من ناحية الظروف الاجتماعية والسياسية ، وكذلك التوجه الفكرى السائد الذى كان نتاجاً لهذا العصر ، فليس من المبالغة القول بأن أصالة هوبز نابعة من وعيه بطبيعة عصره ([5]) . فلقد تأثر بالأحداث السياسية التى مرت بها إنجلترا إبان حياته ، لقد أرجعت أمه ولادته المبتسرة قبل الأوان لخوفها من وصول الأسطول الأسبانى إلى إنجلترا ، كما دفعه الصراع بين الملك شارل الأول والبرلمان والذى انتهى بالحرب الأهلية فيما بين عامى 1642 – 1647 إلى كتابة رسالة بعنوان ” مبادئ القانون الطبيعى والسياسى ” دافع فيها عن السلطة المطلقة للملك ، بوصفها أمراً لا غنى عنه للنظام الاجتماعى والوحدة الوطنية ([6]) .

أما على صعيد الفكر ، فلقد تأثر هوبز كثيراً برجال العلم والفكر الذين التقاهم فى حياته ، فلقد اجتاحت أوربا رياح جديدة من النهضة العلمية والثقافية مع مطلع القرن السابع عشر ، لتقيم العصر على أشلاء الفلسفة المدرسيةScholastic Philosophy السائدة، ولقد التقى هوبز غالبية أعلام زمنه خلال إقاماته المتعددة فى القارة الأوربية بعيداً عن إنجلترا . فحياة هوبز يمكن أن تُختصر فى هذا التنقل المتلاحق بين بلده وبقية بلدان أوربا . فلقد زار فرنسا للمرة الأولى سنة 1610م ، وهناك شهد الصراع الفكرى ضد فلسفة القرون الوسطى وسيطرة أرسطو ، وكان جاليليو Galileo ( 15641642) ([7]) قد استعمل التلسكوب ، فى حين أن كبلر Johannes Kepler (1571 – 1630 ) ([8]) قد ألَّف كتابه حول ” علم الفلك الجديد ” ، إلا أنه من الظاهر أن هوبز لم يع فى تلك الفترة كل ما كان يجرى من جديد فى القارة الأوربية ، إذ كان ما يزال منشغلاً فى دراساته الأدبية . إلا أنه عاد ثانية إلى القارة وهناك اكتشف كتاب ” العناصر ” لإقليدس فأعجب به كثيراً ، إذ اعتقد أنه وجد المنهجية الصالحة لمعالجة كل الأمور بطريقة رياضية . ثم عاد مرة ثالثة إلى فرنسا سنة 1634م ، ومن هناك مضى إلى إيطاليا حيث التقى جاليليو ، وكان لهذا اللقاء التأثير الحاسم على كل فكره ، وهو يخبرنا بأنه أثناء عودته بعد لقاء العالم الإيطالى ، كان الكون مليئاً بالأشياء المتحركة . وفى باريس التقى بمرسين وكسندى وديكارت ، وكانت اجتماعاته بهم أهم – فى نظره – من كل ما درسه فى  الجامعات ([9]) .

وانطلاقاً من استقراء العصر الذى عاشه هوبز اجتماعياً وسياسياً وفكرياً يحاول الباحث التعرض لرؤية هوبز للعقد الاجتماعى ،  حيث حاول مسايرة هذا الحراك الذى عج به عصره .

لقد كانت نقطة البدء فى فلسفة هوبز هى تحليله للطبيعة البشرية فى ضوء سيكولوجية تفترض أن المصلحة الذاتية هى المحرك الأساسى للسلوك الإنسانى . وفى حالة الفطرة كانت دوافع الإنسان تتمثل فى مصالحه الأنانية ، دون أن يأخذ فى اعتباره العقل أو مصالح الآخرين ، وهذا بدوره هو ما يفسر الصراعات التى شهدتها هذه الحقبة من تاريخ البشرية ، طالما أنه لا وجود للقانون أو العدالة . ([10]) .

وبناء على ذلك ، يرى هوبز أن حياة الإنسان تنطلق من منطلق أساسى هو التنافس Competition الذى يدفع الإنسان إلى تحصيل أكبر قدر من اللذة والسعادة للحفاظ على حياته . فغريزة الحفاظ على الحياة هى التى تجعل الإنسان يكافح من أجل تحقيقها حتى الموت متبعاً فى ذلك كل وسيلة يمكن أن تؤدى إلى هذا الهدف ، سواء كانت هذه الوسيلة خلقية أو غير خلقية . فهذه هى حالة الطبيعة الأولى عند هوبز ([11]) .

وتلك الحالة تؤدى حتماً إلى حالة ” حرب الجميع ضد الجميع ” A war of all against all ما دام كل إنسان عدو كل إنسان آخر ، لا يبغى إلا مصلحته الخاصة ، ومنفعته الشخصية وحسب . ولقد امتازت حياة الإنسان فى تلك الحالة الطبيعية بأنها كانت منعزلة وفقيرة ووحشية، فأصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان ([12]).

ويمكن أن نستنتج من هذه الحالة الأولى التى كان عليها الإنسان الخصائص التالية :

1- لم يكن ثمة تمييز بين الصواب والخطأ ؛ لقد كان الإنسان مدفوعاً برغباته وشهواته ونزواته الكامنة فيه ، ولم يكن فى الإمكان أن نقيس بمعيار ما أخلاقية الفعل أو عدم أخلاقيته ؛ لأن ذلك المعيار لم يكن قد وجد بعد .

2- لم يكن ثمة تمييز بين ما هو عادل وبين ما هو ظالم ؛ فما دام القانون لم يوجد بعد ، فلا يمكن أن توجد العدالة ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ليست العدالة أو الظلم من قدرات الإنسان وملكاته ، مثل الإحساس والانفعال ، ومن ثم فليس ثمة عدالة طبيعية توجد فى الفرد . وإنما توجد العدالة متى ارتبط الإنسان بالآخرين عن طريق الدولة المشرعة للقانون .

3-  لم تكن ثمة ملكية محددة تخص فرداً واحداً ؛ لأن كل إنسان كان يحصل على ما يستطيع أن يحصل عليه من ممتلكات ، وتظل هذه الممتلكات له طالما استطاع أن يحتفظ بها ([13]) .

وبما أن الأفراد يقتربون فى قوتهم ، فلن يستطيع أحدهم أن يضع حداً لهذا الصراع ؛ ولذلك فسوف يظلون فى حالة خوف وترقب ، حرصاً على حقوقهم الطبيعية، وفى هذه الحالة يمتنع التعاون ، ولا يمكن قيام أية صناعة أو تجارة أو علم أو فن؛ لأن الخوف الدائم وعدم الثقة وخطر الموت يعوق قيام أى مجتمع أو حضارة .

ولما كان كل إنسان حريصاً على تحقيق مصالحه ، تولدت لدى الجميع ضرورة التعاقد على المصالح المشتركة ، وعدم الصراع إلا فى الحدود المعقولة ، فلولا خوف الناس من بعضهم لما ظهرت فكرة التعاقد ، كأحسن وسيلة لبث الطمأنينة بين النفوس الأنانية فى تصرفاتها . وأصبح الإنسان بمقتضى التعاقد ملزماً بالوفاء ؛ مخافة ألا يحترم الآخرون العقد الذى بينه وبينهم . فالخوف إذن هو أساس التعاقد ، والخضوع للعقد مرده خوف الناس بعضهم من بعض ، والخوف المشترك أيضاً هو أساس القيام بالواجبات والالتزامات ، وتأدية الحقوق المفروضة ([14]) . فيجتمع عدد من الناس ويتفقون على اختيار حاكم أو هيئة حاكمة تمارس سلطتها وتنهى حالة الحرب الشاملة . وبمقتضى هذا العقد يتنازل الجميع عن إرادتهم لإرادة الحاكم ، فيكون له بمقتضى هذا العقد السلطة المطلقة لعمل كل ما يراه صالحاً لرعاياه ([15]) . فالعقد الاجتماعى عند هوبز هو اتفاق الأفراد فيما بينهم على التنازل عن حقوقهم المطلقة لشخص يستطيع أن يتصرف بالإنابة عن كل فرد شارك فى إقامة العقد ، وهو تنازل أبدى لا رجعة فيه . ولا يعتبر الحاكم طرفاً فى العقد ؛ لأنه بين رعايا ورعايا ، وليس بين حاكم ورعايا ، وتبعاً لذلك لا يستطيع الحاكم أن يرتكب أى خرق للعقد ؛ لأنه لم يشارك فى إقامته ([16]) .

إلا أن البعض قد يحاول الفكاك من هذا العقد لاعتقادهم أنهم اضطروا إلى دخوله اضطراراً ، وأنه يناقض طبيعتهم ويحد من حريتهم التى كانوا يتمتعون بها فى حالة الطبيعة الأولى . وفى هذه الحالة يرى هوبز أن العقد لابد له من قوة تلزم الجميع باحترام وتنفيذ بنوده ؛ لأنه إذا لم تتوفر هذه القوة ، فإن العقد لن يكون سوى كلمات جوفاء بدون معنى واقعى ، والشخص الذى تتوفر له هذه القوة هو الدولة التى يسميها هوبز العملاق أو التنين ([17]) .

وقد اعتمد هوبز على نظرية التعاقد الاجتماعى لتبرير السلطة المطلقة ، وتدعيم استبداد حكم الفرد المطلق ، وأراد أن يدافع عن أسرة استيوارت ، وعن حق هذه الأسرة فى العرش الإنجليزى ، منادياً بالثورة على كرومويل الذى اعتبره مغتصباً للعرش من أصحابه .

بيد أنه لا يجب أن يُفهم من ذلك أن هوبز كان من فلاسفة السياسة الدوجماطيقيين أصحاب المعتقدات الفكرية الجامدة . فلقد كانت مبادؤه نسبية تتوقف على براجماتية الحكومة القوية المؤثرة، مما ترتب عليه انعدام فكرة الشرعية عنده . فعلى الرغم من أنه كان من المدافعين عن النظام الملكى طوال عمره ، وأنه عمل على الدفاع عن أسرة استيوارت وحقها فى حكم إنجلترا ، إلا أنه كان على استعداد لأن ينحاز إلى كرومويل ؛ لأنه كان على رأس الحكومة التى أعادت النظام والقانون لإنجلترا . وما أن عاد تشارلز الثانى إلى الحكم مرة أخرى ، حتى عاد هوبز إلى خدمة هذه الملكية والترويج لحكمها . من منطلق أن الإنسان على استعداد دائم لطاعة من يحافظ على الأرواح والممتلكات ([18]) .

ولإبراز دوافع هوبز فى تأكيد السلطة المطلقة ، فإن ذلك يتضح من خلال إبراز فرديته ، وتوجهه الليبرالى ، ويتوقف ذلك على الإجابة على ثلاثة تساؤلات ربما تساعد فى إيضاح ذلك ، وهى من أين يستمد الحاكم حقه فى ممارسة السلطة المطلقة ؟ ما الذى يبرر قيام مثل هذه السلطة المطلقة ؟  وأخيراً : أليس لهذه السلطة المطلقة من حدود ؟

(أ) مصدر حق ممارسة الحاكم للسلطة المطلقة : لقد استبعد هوبز المصادر المطلقة للحكم التى كانت سائدة فى عصره ، والتى كانت تعتبر أن الحاكم هو ظل الله فى الأرض والمنفذ لمشيئته ، لكن هوبز رأى أن مثل هذا الحق لا يستند إلى أى منطق عقلى ، وليس هناك ما يبرره حين ننظر إلى منفعة الأفراد . وكذلك نستطيع القول نفسه بالنسبة لحق الوراثة ، إذ ليست هناك أية ضرورة عقلانية تبرر حق ابن الحاكم أن يرث أباه ، فالملكية الوراثية لا تقوم إذن على أى أساس طبيعى تستمد منه شرعيتها . إنما يستمد الحاكم حقه فى ممارسة السلطة من ذلك الاتفاق الاختيارى الملزم الذى يقيمه الأفراد فيما بينهم ليضعوا حداً لصراعات الحق الطبيعى ، وذلك بإقامة سلطة القانون الذى يؤمِّن لكل فرد الأمن الداخلى والسلام الخارجى ، وإذا كانت مثل هذه السلطة مطلقة ؛ فلإنه بدون مثل هذه القوة غير المحدودة لا يمكن أن يُقام عدل ([19]) أو يتحقق أمن الفرد .

(ب) ما الذى يبرر قيام السلطة المطلقة : إن مثل هذا السؤال مرتبط بنظرة هوبز إلى الطبيعة البشرية ، فلقد كانت المشكلة الرئيسية التى تشغله هى مشكلة العواطف البشرية وكيفية السيطرة عليها ، فالطبيعة البشرية تتحكم فيها الأهواء ، وإن تُرك الإنسان على طبيعته ، لأصبح كل إنسان ذئباً لأخيه الإنسان ، ولقامت حرب الجميع ضد الجميع . فالعقل يقرر أن المصلحة الحقيقية للفرد – أمام مثل هذا الواقع – هى مصلحة البقاء . وهذه المصلحة الأنانية يُجمع عليها جميع الناس ؛ لأن حب البقاء والاستمرار فى حياة هادئة هو المطمح الأخير لكل فرد . ولما كان الإنسان آلة طبيعية تتحرك ، كان لابد من آلة اصطناعية تتحرك هى السلطة المطلقة للدولة ، الكفيلة وحدها بتحقيق الغاية الأفضل التى ارتآها العقل ، وهى وضع حد لحرب الجميع ضد الجميع ، وتأمين الأمن للجميع ([20]) .

(جـ) حدود السلطة المطلقة : إن العلاقة القائمة بين الأفراد الذين ارتضوا إقامة ليفياثان ([21]) Leviathan ( التنين ) ، أى الدولة الحديثة التى يتولى فيها السلطة فرد واحد أو مؤسسة واحدة ، هى علاقة عقد أو اتفاق أو معاهدة لتأمين الحماية لكل فرد ولما يملك . إن مثل هذه المعاهدة تُنقض ، لا حين تكون المجموعة فى خطر ، ولكن حين تتعرض حياة الفرد للخطر ، ذلك أن هوبز نظر باستمرار إلى المجتمع كمجموعة من الأفراد اختاروا طواعية العيش معاً فى ظل قانون العقل ، وظل همه الأول هو حماية الفرد لا المجموع ، وإذا كان العقد الاجتماعى يعنى تخلى كل فرد عن حقه فى استخدام عنفه للوصول إلى غاياته الأنانية لإقامة العدل القائم على تأمين الحماية لكل فرد ، فالقبول بالسلطة المطلقة ينتهى حين يُهدَد الفرد فى حياته وسلامته ، وهذا هو الحد الأول للسلطة المطلقة للحاكم ، أما الحد الثانى فيقوم حين لا يعود الحاكم قادراً على حماية الفرد ، فحدود السلطة المطلقة هى حدود أمن  الفرد ([22]) .

ومن خلال ما سبق يمكن القول بأنه إذا كان لهوبز دور فى دعم التوجه الليبرالى ، وإن لم يكن هو ذاته ليبرالياً ، فإنه يبدو أكثر ما يبدو فى إزاحة المعوقات التى تحول دون قيام الليبرالية ممثلة فى القضاء على حق الملوك المقدس وحق الوراثة، بالإضافة إلى ترسيخ دور الفرد واعتباره كياناً له حضوره ، على أساس ما للفرد من مكانة فى الفكر الليبرالى .

2- العقد الاجتماعي عند جون لوك:

سبقت الإشارة إلى أن العقد الاجتماعى ما هو إلا خرافة ليس لها سند تاريخى ، إنما اتخذها القائلون بها كأساس لتفسير نشأة الدولة ([23]) ، وكذلك اتُخذ كآلية عمل يؤصلون من خلالها لوضع جديد يريدون له الغلبة والانتشار . ويعتبر جون لوك John Locke ([24]) فيلسوف التجريبية والليبرالية خير معبر عن نظرية العقد الاجتماعى . فلقد اتخذ لوك العقد الاجتماعى كآلية عمل يؤصل من خلالها فكراً جديداً لعصر جديد ، فلقد افترض لوك حالة فطرة ساد فيها السلام والمساواة والحرية ، فيرى أنه قد ساد خلال حالة الفطرة قانون طبيعى  يحكمها ، ويُلزم كل شخص ، ويُعلم الناس المساواة والاستقلال والحرية . فلم يك عهد الفطرة الأولى تحكمه نزعات الأنانية والمصلحة الذاتية – كما ذهب هوبز – ولكنه محكوم بالعقل والمعونة المتبادلة ، فلقد كانت القوة موزعة بين الأفراد ، ولم يكن ثمة أحد يملك أكثر من الآخر ، بل أفراد من نفس النوع والرتبة ، قد ولدوا شركاء فى كل مميزات الطبيعة ([25]) . ولكن أحس الناس بضرورة تنظيم حياة الفطرة هذه ، إذ لا يوجد تحديد واضح متميز للقانون الطبيعى ، وليست هناك هيئات منظمة تباشر تنفيذ هذا القانون وتتخذ القرارات اللازمة لذلك ([26]) . فقرروا بكامل حريتهم أن يتنازلوا عن بعض من حقوقهم بالقدر الذى يتيح للسلطة أن تقوم بواجباتها فى الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم ( الحياة Life –الحرية Liberty –الملكية Property ) ولا يجوز هذا الانتقال إلى الحالة السياسية إلا برضاء الأفراد ، حيث أن رضاءهم هو أساس قيام الحكومة وليست أية سلطة أخرى ([27]) .

ويبدو أن ثمة جانبين جسَّدهما العقد الاجتماعى عند لوك ، أحدهما  سلبى : وهو الذى حاول من خلاله القضاء على المعوقات التى تعوق ممارسة الإنسان لحريته بشكل كامل – كما سلف ذكرها – وهى الحق المقدس للملوك وحق الوراثة، فلقد سفَّه لوك هذه النظرية ؛ لأنها كانت عقبة كئوداً فى سبيل ممارسة الأفراد لحرياتهم ، واعتبرها منافية للعقل والمنطق . أما الجانب الآخر فهو الجانب الإيجابى : حيث اعتبر أن ثمة حقوقاً طبيعية فى حالة الفطرة لا يمكن التنازل عنها، وعلى رأسها حق الحياة والحرية والملكية .

ومن أكثر الحقوق التى تناولها لوك بالبحث والتمحيص حق الملكية Property فهو يرى أن الأرض فى حالة الطبيعة كانت مشاعاً بين الجميع ، فهى هبة الله للإنسان ، لكنها تحولت إلى الملكيات الخاصة حين عمل الإنسان وأضاف إليها مجهوده ؛ ولذلك قرر لوك أن حق الملكية سابق ليس فقط على وجود المجتمع، وإنما أيضاً سابق على وجود العصر البدائى نفسه . ومن ثم فالمجتمع لا يخلق  الحق ، ولا يستطيع تنظيمه إلا فى حدود معينة ، فالمجتمع والحكم قائمان لحماية حق الملكية السابق لوجودهما ، فحق الملكية حق طبيعى لا يُستمد ولا يُسلب من قِبل أى حكومة أو سلطة زمنية ، فينبغى ٍقيام سلطة زمنية لحماية الملكية الخاصة من اعتداء الآخرين غير المنتجين الذين يضيعون على المنتجين حقوقهم ، ولهذا يتحتم وجود حكومة تأخذ على عاتقها حماية الأفراد وملكيتهم من عدوان الآخرين ([28]) . لذا اعتبر لوك أن العامل الأساسى فى انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدنى هو عامل الملكية ([29]) .

وانطلاقاً من كون الملكية عند لوك هى أساس قيام الحكومة والمجتمع المدنى يرى البعض أن فلسفة لوك السياسية دعمت النظم الرأسمالية التى تحمى تضخم رؤوس الأموال ، وتترك موارد الإنتاج مِلْكاً خاصاً للأفراد دون تركيزها فى يد الدولة ؛ مما يعمل على تضخمها بشكل لم يتصوره لوك ، خاصة بعد تضخم الصناعة وقيام الاحتكارات الصناعية والتجارية الحديثة التى تطورت إلى الرأسمالية الإمبريالية والتى تمثلت فى الاستعمار الحديث ([30]) .

فإذا كان لوك قد ساند البرجوازية الناشئة ، فأمدها بأيديولوجية بقائها ، من خلال القضاء على منافسيها وتأصيل وضعها بالقانون الطبيعى والحقوق الطبيعية ، إلا أن ما ينطبق على الرأسمالية الإمبريالية فى القرنين التاسع عشر والعشرين لا ينطبق تماماً على فلسفة لوك الاقتصادية ، فحرية الملكية عنده مهما تضخمت فإنها كانت محدودة دائماً بحدود طبيعية ومعقولة لا تصل إلى حد التضخم غير الطبيعى التى يمكن أن يترتب عليه آثار فاسدة . فيرى أن قانون الطبيعة الذى يجيز لنا الملكية إنما يحدد أيضاً هذه الملكية ، يحددها بقدر ما يستطيع الإنسان أن يستخدمها فيما يعود عليه بالفائدة فى حياته قبل أن  تفسد ، وهذا القدر هو ما يحق له أن يثبت فيه ملكيته ، وكل ما هو أكثر من ذلك يُعد فوق نصيبه ، وبالتالى فهو ملك  للآخرين … ([31]) .

وإذا كان لوك يبحث عن حرية البرجوازية الناشئة أو الطبقة الوسطى ، فإن هذه الطبقة الناشئة كانت تعبر عن قطاع عريض محروم من تلك الحرية وغيرها من الحقوق ، فبدفاع لوك عن حريتها وحقوقها فإنه يدافع بذلك عن حرية وحقوق الغالبية العظمى من المجتمع .

3- العقد الاجتماعى عند جان جاك روسو :

أ- حالة الطبيعة :

يرى روسو Jean Jacques Rousseau (1712 -1778 ) ([32]) أن حياة الإنسان فى حالة الطبيعة The State of Nature الأولى لم تكن قاتمة بالشكل الذى تصوره هوبز ، ولا مغرقة فى التفاؤل كالتى تخيلها لوك ، فكلاهما متطرفان من وجهة نظر روسو، فالفرد لم يكن عدوانياً ولا ذئباً لأخيه الإنسان كما يتصوره هوبز ، ولم يكن اجتماعياً رشيداً بالدرجة التى وضعها لوك ([33]). فلقد تميزت حالة الطبيعة بالفضيلة ، فالفضيلة مطبوعة فى كل القلوب ، ولم يكن امتهان الفضيلة موجوداً فى حالة الطبيعة   الأولى ، وإنما ظهر بظهور المجتمع المدنى Civil Society ([34]) . ومن امتهان الفضائل ، وتقدير المواهب وُلد التفاوت بين الناس . وقد بحث روسو ” أصل التفاوت بين الناس ” فى مقال خاص أوضح فى مقدمته أن حل هذه المشكلة يشترط البدء بتمييز حالة الطبيعة عن الحالة الاجتماعية ، وأوضح أنه من العسير التفرقة فى طبيعة الإنسان بين ما هو طبيعى وما هو غير طبيعى ، فحالة الطبيعة عند روسو ليست إلا مجرد افتراض افترضه لكى يستطيع التوصل إلى الحكم على حالة المجتمع المدنى . وأوضح أن هناك علاقة مباشرة بين الترف والمطالب المتزايدة وازدهار العلوم والفنون من ناحية ، وبين اضمحلال الأخلاق من ناحية أخرى ([35]) .

ولقد تغنى روسو بالإنسان الطبيعى الماهر ، وبالحرية والمساواة التى كان يعيشها هذا الإنسان فى الحالة الفطرية الأولى ، وقرر أن تصرفات الأفراد فى هذه الحالة لم تكن تستند إلى العقل ، وإنما إلى مجموعة من المشاعر الفطرية ، وإلى حافز من المصلحة الذاتية ثم تطورت الحياة وبدأت المدنية فى التقدم ، وقد ظهرت المساوئ بظهور المدنية ، فظهر نظام تقسيم العمل نتيجة لتطور الصناعة ، وظهرت الملكية الخاصة فميزت بين الغنى والفقير ([36]) .

ولقد ساهمت عوامل عدة فى تحول الإنسان إلى حياة المجتمع ، منها الظروف البيئية القاسية ، وغيرها من العوامل التى احتاج فيها الإنسان إلى بنى جنسه وعلى رأسها اكتشاف الزراعة والتعدين . فالاجتماع شر ، فلم يكن ثمة وجود للأنانية والفنون والحرب والرق والرذيلة ، إلا فى حال اجتماع الناس مع بعضهم البعض فى مجموعات صغيرة أو كبيرة . ويرى روسو ضرورة العودة إلى الطبيعة Back to Nature كى ينعم الإنسان بحالة السكينة والهدوء التى عاشها من قبل . إلا أنه يرى أن ذلك لا يعنى هدم المجتمع المدنى ، وإنما يتم ذلك باعتبار حالة الطبيعة معياراً نُصحح على أساسه حالة المجتمع المتحضر ، وننطلق منه نحو بناء اجتماعى أقرب ما يكون إلى السلامة ([37]) .

ب- العقد الاجتماعى :

وبوصول الناس إلى ذلك الحد الذى تغلبت فيه العقبات التى تضر ببقائهم فى حالة الطبيعة ، على القوى التى يستطيع كل فرد استعمالها من أجل استمراره فى تلك الحالة . عندئذ لم يعد فى مكنة تلك الحالة البدائية أن تدوم ، وكان الجنس البشرى سيهلك لو لم يغير طريقة وجوده ([38]) . فكان لابد من البحث عن شكل للوحدة أو الاجتماع من شأنه أن يحمى ويقى شخص كل عضو وأمواله ، شكل للوحدة يكون فيه كل عضو وقد اتحد مع الأعضاء الآخرين غير خاضع مع ذلك إلا لنفسه ، ويظل متمتعاً بالحرية التى كان يتمتع بها من قبل . تلك هى المشكلة الحقيقية والرئيسية التى يبحث العقد الاجتماعى عن الحل الصحيح لها ([39]) .

والعقد الاجتماعى عند روسو هو ميثاق يتنازل بموجبه الأفراد كلٌ عن نفسه للجماعة ، والفرد جزء من هذه الجماعة ، وبذلك ينهى العقد عهد الفطرة ، ويعمل على إنشاء المجتمع ، حيث تصبح السيادة والسلطان من حق المجموع ككل لا من حق فرد واحد ، إذ يتنازل كل فرد عن حقوقه للمجتمع كله حينما ينطق بالصيغة التالية ([40]) ” يُسهم كل منا بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة الإرادة العامة العليا ، ونلتقى على شكل هيئة كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل ” ([41]) .

فالعقد الاجتماعى عند روسو يفترض إذن من طرف كل فرد تنازلاً حقيقياً حراً بين يدى الجماعة ، ولا غنى عن هذا التنازل ؛ لأنه هو وحده الذى ينقذ مساواة المواطنين وحريتهم . فعندما يتنازل كل شخص عن شخصه تنازلاً كلياً ، فإن الوضع يكون متساوياً بالنسبة للجميع ، وعندما يقرر كل فرد نهائياً وبشكل حر ، أن يريد ما تريد المشيئة العامة، فإنه لا يفعل فى طاعته لها سوى ما يريد هو نفسه ([42]).

ويتفق روسو مع هوبز فى افتراضه تنازل الفرد عن كامل حقوقه ، إلا أنه يختلف معه فى أنه لا يتنازل عنها لفرد بل للمجتمع كله . حتى أنه ليصدق قول روسو : كل فرد يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأى أحد ، إلا أن هذا الكلام ينطوى على مغالطة ؛ لأن روسو ينتهى إلى ما انتهى إليه هوبز من افتراض ليفياثان آخر غير ليفياثان هوبز ، هو ليفياثان المجتمع كله فى حين أن ليفياثان هوبز هو فرد ، ولكن فى حين يجمع ليفياثان هوبز بين سلطات التشريع والتنفيذ ، فإن المجتمع عند روسو يقتصر على التشريع . وتنشأ الحكومة Government كواسطة لتنفيذ القوانين، ولا يتطلب قيام الحكومة عقداً، إذ العقد عنده أساس لقيام المجتمع ([43]).

كما أنه يسلك مسلكاً مخالفاً للوك ، ففى حين يتنازل الأفراد عند لوك عن القدر اللازم لإقامة السلطة والمحافظة على حقوق الجميع ، فالسلطة عند روسو لابد أن تكون مقيدة ، فروسو يرى أن الأفراد يتنازلون كلية ودون تحفظ عن جميع حقوقهم للمجموع ، إلا أن هذا النزول لا يُفقد الأفراد حرياتهم وحقوقهم نهائياً ؛ لأنهم سيستعيضون عنها بحريات وحقوق مدنية تقررها لهم الجماعة المدنية التى أقاموها ، بل إن وجود هذه الجماعة يفترض وجود هذه الحقوق والحريات المدنية ؛ لأنها ما قامت إلا لحمايتها ([44]) . وصيغة العقد التى افترضها روسو وطبيعته تحمل فى ثناياها إلى جانب الحرية ، المساواة التامة ؛ لأن الأفراد بردهم أنفسهم إلى المجتمع ، يعودون إلى نقطة الصفر ، فتتحقق المساواة التامة بينهم ، كما أن اتحادهم يكون كاملاً بالإطلاق لا يسمح بأية أفضلية لأى فرد ([45]) .

جـ- الإرادة العامة :

يُعرِّف روسو الإرادة العامة General Will فى كتابه الاقتصاد السياسى Political Economy بقوله : أن للمجتمع السياسى شخصية معنوية ذات إرادة هى الإرادة العامة ، التى تنحو دائماً نحو تحقيق وصيانة الرفاهية للمجتمع ، وهى مصدر القوانين ، وتتكون من كل الأفراد فى علاقتهم بعضهم ببعض وحكمها عادل غير جائر ([46]) .

ولقد ميز روسو بين الإرادة العامة وبين كل من إرادة الفرد وإرادة  المجموع ؛ فاعتبر إرادة الفرد أنانية لأنها انعكاس لمصالح الفرد الشخصية . وبالنسبة لإرادة المجموع فإن روسو يعتبرها أيضاً أنانية لأنها تَجمُّع لإرادات  الأفراد ، أى للمصالح الأنانية الفردية . أما الإرادة العامة فهى إرادة الأغلبية ، وهى تمثل إرادة الجماعة ككل كشخصية اعتبارية ينصهر فيها الأفراد وإراداتهم ، وهى مستقلة عن إرادة الفرد أو إرادة المجموع ، بل إنها تصبح بدلاً من الشخصية الخاصة لكل متعاقد ([47]) .

ولقد جمع روسو فى نظريته عن الإرادة العامة بين الجانب الدقيق الذى حدده هوبز عن السيادة Sovereignty وبين مشاعر لوك المؤيدة للحرية ، وحاول إيجاد مفهوم جديد للسيادة تمتزج فيه الحرية بالسلطة امتزاجاً غريباً . إذ يرى روسو أن الشعب هو السيد بالتعريف ، وأن سيادته لا تُباع ولا  تُشترى ، وغير قابلة للتحويل أو التصرف فيها ، وليس فى وسع الشعب أن يتنازل عن السيادة ، وهى وحدة لا تتجزأ وكلٌ لا تنفصم عراه ؛ ولذا فهى غير قابلة للتقسيم Indivisible . ويرى روسو أن الإرادة إما أن تكون عامة أو لا تكون ، أى أنها إما أن تكون إرادة الشعب ، أو إرادة جزء منه ، فى الحالة الأولى تكون الإرادة عملاً من أعمال السيادة ويتكون عنها القانون ، وفى الحالة الثانية لا تكون سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الحكم . فالسيادة إذن تعبير عن الإرادة الكلية العامة للشعب ، وهى تتميز بالإضافة إلى كونها لا تُباع ولا تُشترى ، وكونها غير قابلة للتقسيم ، فإنها لا تُخطئ ، إذ أنها معصومة من الخطأ . ولا يحد السيادة العامة إلا حد وحيد هو الذى يرسمه العقد الاجتماعى نفسه ، ونعنى به حقوق الفرد فى التملك وفى الحرية ([48]) .

ويرى روسو أن أساس الإرادة بصفة عامة هو المنفعة ، ومن ثم ترتبط إرادات الأفراد بمنافعهم التى قد تتعارض فيما بينها فى كثير من النقاط ، أما الإرادة الكلية العامة فتوضح أن المنفعة بين الجميع واحدة ، ومن هنا فهى تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة لا منفعة كل فرد على حدة . وهذه المنفعة العامة هى التى تجعل فى الإمكان قيام الدولة . ومعنى هذا أنه إذا لم تنصهر الإرادات الفردية فى إرادة واحدة هى الإرادة الكلية العامة استحال أن يقوم المجتمع ([49]) .

وبناءً على ما تقدم من إطلاق روسو ليد الإرادة العامة بشخصيتها  الاعتبارية ، والتى اعتبرها كلية لا تقبل التجزئة ، واعتبر طاعتها واجبة ، يبدو وكأنه قد وضع سلاحاً فى يد بعض الداعمين للفكر المطلق ([50]) . فيرى الباحث أن ثمة التقاءاً بين هوبز وروسو فى مطلقية السيادة ، وإن اختلفا فى تحديد صاحب السيادة ، إلا أن الإطلاق فى حد ذاته يحمل بذور إساءة الفهم والاستخدام ، فقد يُتخذ كذريعة لأهداف لا يقصد إليها صاحب الفكرة نفسه . كما أن السياسة لا تعرف لغة المطلق ، فالسياسة فى أحد أبسط معانيها هى فن الممكن ، فبالتالى فإن المطلق ضد طبيعة السياسة ، سواء كانت فى السيادة أو فى غيرها .

ومن العرض السابق لفلاسفة العقد الاجتماعى نجد أن ثلاثتهم كان لساناً صادقاً فى التعبير عن طبيعة عصره واحتياجاته ، كما أنهم دفعوا الفكر التحررى خطوات هامة نحو الأمام ، وتمثلت تلك الخطوات على النحو التالى :

– مرحلة التحالف مع السلطة الزمنية ؛ من أجل القضاء على سلطة الكنيسة التى كانت إحدى المعوقات الأساسية فى إرساء دعائم النظام الجديد ، فتطلبت طبيعة هذه المرحلة القضاء على هذه السلطة المعوقة . ولقد عبر عن طبيعة هذه المرحلة الأولى من تاريخ الليبرالية ” هوبز ” وذلك من خلال تأييده لسلطة الملك فى مقابل القضاء على سلطة الكنيسة التى رأى أنه لابد أن تخضع لسلطة الحاكم ، فوجود سلطتين حاكمتين يؤدى إلى القضاء على السلطة كلية وانتشار الفوضى .

– مرحلة الحد من السلطة الزمنية ؛ لصالح البرجوازية الناشئة ، أو الطبقة الوسطى Middle Class ، ولقد عبر ” لوك ” عن هذه المرحلة ودافع عن مطالب أصحابها من خلال كتاباته حول النظام الدستورى والحياة النيابية ، التى تُقلص سلطة الحاكم وتُقلل من صلاحياته المطلقة ، وذلك لصالح الطبقة الناشئة وهى الطبقة الوسطى .

– مرحلة التحول إلى الشعب ، ولقد عبر عن هذه المرحلة ” روسو ” من خلال نظريته عن الإرادة العامة ، حيث لا سلطة عنده تعلو على سلطة الإرادة العامة ، فهى لا تُباع ولا تُشترى ، وغير قابلة  للتقسيم ، كما أنها لا تُخطئ ، إذ أنها معصومة من الخطأ . كما أنه يرى أن القانون ما هو إلا فعل الإرادة العامة .

والواقع أن كل فيلسوف من فلاسفة العقد الاجتماعى ، إلى جانب كونه عبر عن طبيعة عصره وحاجاته خير تعبير ، فإن كلاً منهم أيضاً قد ساهم بنصيب فى بلورة ملامح الفكر التحررى ، بما يحمله من دفاع عن الحرية الفردية .

الهوامش:

(1) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق ، ص : 277 – 278 .

(2) عبد الرحمن خليفة : مقالات سياسية ( الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية، 1985 ) ص : 204 .

(3) توماس هوبز ( 15881679) عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي ، ويعد أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصاً في المجال القانوني ، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ ، فقيهاً قانونياً ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي . كما عُرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً ليس فقط على مستوى النظرية السياسية ، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي . من أشهر مؤلفاته كتابه ” التنين ” Leviathan .

(4) انظر فى ذلك :

– Keith . Thomas : Great Political Thinkers (Oxford : Oxford University Press , 1992 ) P: 161 .

(5) ياسر قنصوة ، مرجع سابق ، ص : 46 .

(6) ول ديورانت : قصة الحضارة ، عصر لويس الرابع عشر ، المجلد السابع عشر ، ترجمة فؤاد أندراوس ومحمد على أبودرة ( القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001 ) ص: 3 . وانظر فى ذلك أيضاً :

– Woolhouse . R . S : A History of Western Philosophy : 5 , The Empiricists ( Oxford : Oxford University Press , 1988 ) P : 27 .

(7) جاليليو جاليلي Galilei   Galileo عالم فلك وفيلسوف وفيزيائي إيطالي ، ولد في بيزا  بإيطاليا . نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية ، فقام أولاً بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة ، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة . اخترع التلسكوب وحسنه وتمكن من إثبات النظرية الفلكية التي أعلنها كوبرنيكوس عام 1543 أن الأرض ليست هي محور الكون ، بل إن الشمس هي المركز للمجموعة الشمسية .

(8) جوان كبلر Johannes Kepler  فلكى وفيزيائى ألمانى ، اشتهر بوضعه وتحققه من القوانين الثلاثة التي تحكم حركة الأرض والتي تُعرف اليوم بقوانين كبلر ، من مؤلفاته اللغز الكوني سنة 1596 ، سيمفونية العالم سنة 1619 ، ملخص علم الفلك الكوبرنيكى سنة 1618-1621 .

(9) جورج زيناتى : رحلات داخل الفلسفة الغربية ، ط 1 ( بيروت : دار المنتخب العربى للدراسات والنشر والتوزيع ، 1993 ) ص : 138 – 139 .

(10) Russel . Bertrand : A History of Western Philosophy ( London : Unwin Paperbacks , 1984 ) P: 607 .

(11) عبد الرحمن خليفة ، مقالات سياسية ، مرجع سابق ، ص : 208 .

(12) محمد على محمد وعلى عبد المعطى محمد : السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق، ص : 128 .

(13) محمد على محمد وعلى عبد المعطى محمد : السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق، ص : 129 .

(14) عبد الفتاح غنيمة : نحو فلسفة السياسة ، النظم والنظريات والمذاهب السياسية ، أصولها وتطورها التاريخى ( الإسكندرية : دار الفنون العلمية ، 1986 ) ، ص : 183 .

(15) أميرة حلمى مطر ، مرجع سابق ، ص : 89 .

(16) أمين حافظ السعدنى : أيديولوجية السلطة السياسية … ، مرجع سابق ، ص : 145 .

(17) نفس المرجع ، ص : 145 ، 146 .

(18) عبد الرحمن خليفة : مقالات سياسية ، مرجع سابق ، ص : 211 .

(19) جورج زيناتى ، مرجع سابق ، ص : 141 .

(20) جورج زيناتى ، مرجع سابق ، ص : 144 .

(21) التنين أو الليفياثان هو وحش بحرى منقرض ، ورد ذكره فى الكتب المقدسة رمزاً للشر ، وكان هوبز يقصد من وراء هذه التسمية وصف الدولة ، للدلالة على اتساع سلطتها وخضوع الكل لها .

(22) جورج زيناتى ، المرجع السابق ، ص : 144 – 145 .

(23) وفى أحيان أخرى لتفسير نشأة السلطة السياسية فيها ، انطلاقاً من أنه لا دولة بلا سلطة .

(24) جون لوك ( 1632 – 1704 ) فيلسوف وسياسى إنجليزى ، انتهج التجريبية فى الفلسفة والليبرالية فى السياسة ، وهو رائد ثورة 1688 التى تُعتبر من أكثر الثورات نجاحاً واعتدالاً . له مؤلفات عديدة منها  ” مقال فى الفهم الإنسانى ” Eassy Concerning Human Understanding الذى نشره فى عام 1690 ، و” مقالتان عن الحكومة المدنية ” Two Treatises on The Civil Government ولقد أُجيز طبعها فى 1689 . انظر فى ذلك :

– Cummins Robert and Owen . David: Central Readings in the History of Modern Philosophy , Descartes to Kant ( California : Wadsworth Publishing Company , 1992 ) PP : 91 – 92 .

– Russel . Bertrand, op .cit , P: 584 .

– Spellman . W . M : John Locke ( London : Macmillan Press , 1997 ) P : 9 .

– Woolhouse . R . S ., op . cit , P : 74 .

(25) Locke . John: the second Treatise of Government, edited, with an introduction, by Thomas P. Peardon, Twenty-third Printing ( U S A : Bobbs-Merril Educational Publishing Indianapolis , 1983 ) P : 4 .

(26) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، مرجع سابق ، ص : 279 .

(27) أميرة حلمى مطر : الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس ، مرجع سابق ، ص : 99 .

(28) أمين حافظ السعدنى : الأيديولوجيا وشرعية السلطة فى الفكر السياسى الأوربى الحديث ، مرجع سابق ، ص : 280 ، 281 .

(29) أميرة حلمى مطر ، المرجع السابق ، ص : 102 .

(30) نفس المرجع ، نفس المكان .

(31) أميرة حلمى مطر ، مرجع سابق ، ص : 102 ، 103 .

(32) جان جاك روسو (1712 – 1778 ) فيلسوف فرنسى ، ساعدت فلسفته فى تشكيل الأحداث السياسية التى أدت إلى قيام الثورة الفرنسية ، ومن أهم مؤلفاته  ” العقد الاجتماعى “Social Contract ، والذى يوصف بأنه إنجيل الثورة الفرنسية .

(33) أمين حافظ السعدنى ، الأيديولوجيا وشرعية السلطة فى الفكر السياسى الأوربى الحديث ، مرجع سابق ، ص : 307 .

(34) عبد الفتاح مصطفى غنيمة : نحو فلسفة السياسة … ، مرجع سابق ، ص : 179 .

(35) عبد الفتاح مصطفى غنيمة : نحو فلسفة السياسة … ، مرجع سابق ، ص : 217 ، 218 .

(36) أمين حافظ السعدنى : الأيديولوجيا وشرعية السلطة .. ، مرجع سابق ، ص : 308 .

(37) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، مرجع سابق ، ص : 164 ، 165 .

(38) جان جاك روسو ، مرجع سابق ، ص : 48 .

(39) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، مرجع سابق ، ص : 166 .

(40) أمين حافظ السعدنى ، الأيديولوجيا وشرعية السلطة فى الفكر السياسى الأوربى الحديث ، مرجع سابق ، ص : 311 .

(41) العقد الاجتماعى ، مرجع سابق  ، ص : 50 .

(42) أندريه كريسون : تيارات الفكر الفلسفى من القرون الوسطى حتى العصر الحديث ، ترجمة نهاد رضا ، ط2 ( بيروت : منشورات بحر المتوسط ، 1982 ) ص : 246 .

(43) أميرة حلمى مطر ، مرجع سابق ، ص : 108 .

(44) فضل الله محمد إسماعيل : من أصول الفكر السياسى ( الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية، 2000 ) ص : 333 .

(45) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق ، ص : 167 .

(46) فضل الله محمد إسماعيل : من أصول الفكر السياسى ، مرجع سابق ، ص : 335 .

(47) أمين حافظ السعدنى ، الأيديولوجيا وشرعية السلطة … ، مرجع سابق ، ص : 316 .

(48) محمد على محمد وعلى عبدالمعطى محمد ، السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق ، ص : 171 .

(49) محمد على محمد وعلى عبد المعطى محمد ، السياسة بين النظرية والتطبيق ، مرجع سابق، ص : 172.

(50) أمين حافظ السعدنى ، الأيديولوجيا وشرعية السلطة … ، مرجع سابق ، ص : 318 .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك