الإله بين الحقيقة والوهم – بقلم: محمد عبدالله إبراهيم

الإله بين الحقيقة والوهم – بقلم: محمد عبدالله إبراهيم

الأسئلة الوجودية الكبرى تعود اليها وتُرسم من عندها إبتداء جميع خطوط الإتجاهات الآيديولوجية المختلفة بفرضياتها وحيثياتها التي تبين رجحانها نسبياً، كونها طُرحت في سالف العصر منذ ابتداء ظهور الإنسان الذي ارتبط بـ الميثولوجيا كمصدر بديل للمعرفة الصحيحة إلى عصر الوضعية المنطقية الحالي الذي أقام صروح المنهجية العلمية مع ردم الميثولوجيا من قبل الأطروحات التي تحتكم للمناهج الإمبريقية في تفسير الظواهر الطبيعية، وكما ذهب پارتيلمي سانت هيلير في وصف التأثير السيكولوجي للفلسفة الوجودية في رسم الفلسفات البدائية أنه لا توجد أمة ولا شعب ولا مجتمع الا وضع لتلك الأسئلة حلولاً جيدةً، أو رديئة، مقبولة أو سخيفة تعكس في مضمونها مدى الوعي العلمي والتطور المعرفي لذلك المجتمع. وما سنناقشه اليوم في هذا المقال يتحدد بفرضية الإله ومناقشة خط التطورات الزمنية والمأزق والإستشكالات الإپيستمولوجية (المعرفية) التي تصطنعها من دون تقديم حلول ناجحة إذ هي دائماً تعيق التقدم العلمي وتصنع البلادة الفكرية من مقابل وضع لبنات لنموذج يؤدي للتقدم المجتمعي، وسنقوم بقياس مدى قدرتها على صياغة قوانين طبيعية أو پارادايم ناجح يحقق لها العلمية، ويصونها من الإزاحة المعرفية. وبدايةً هناك اتجاهات رئيسية متباينة ومختلفة من فرضية الإله سنعرض لها في مقالنا هذا ونبرهن على رجحان الإتجاه الإمبريقي، محاولةً مني لرسم رسالة إجتماعية حديثة في ضوء الوضعية المنطقية الحديثة. إن من يمتهن التجديف في الأدبيات الثيولوجية (الدينية) يرى نوع من حالة إنقلاب في الجهاز المفاهيمي الثيولوجي أبلغ ما يمكننا وصفه بـ (الغثاء الفكري) وانبنى على هذا أن الفرضية حلَّت محل النظرية والنظرية باتت فرضية وكأننا بتنا نشاهد إعادة تقييم جذرية وشاملة تمس العناصر الأساسية للرؤية الفكرية عند الثيولوجيين، وما أقصده هنا أن التغييب المنهجي للمعطيات يُحدث نوع من الإرتجاج في الجهاز المفاهيمي بل هو الذي برأيي أفقد إبرة البوصلة الفكرية الثيولوجية قوتها المغناطيسية تماماً وكأن دخان الدوغمائية قد مد ذراعه الينا وقلب ساعة الرمل ليعيد دبيب الثيولوجيين للوراء في عصور الجهل الأولى للإنسان القديم الذي إعتمد الأسطورة كمصدر للمعرفة عند غياب الأدوات العلمية الصحيحة كما يحدثنا فراس السواح في كتابه “مغامرة العقل الأولى” حين انتصب ذلك الإنسان على قائمتين ورفع رأسه إلى السماء ورأى النجوم وحركة الكواكب وأدار رأسه فيما حوله ورأى الأرض وتضاريسها وحياتها ونباتها. أرعبته الصواعق وخلبت له الرعود والبروق داهمته الأعاصير والزلازل ولاحقته الضواري رأى الموت وعاين الحياة، ألغاز في الخارج والداخل غموض أينما توجه وكيفما وأسند رأسه للنوم، داهمته الأسئلة لماذا نعيش ؟ لماذا نموت ؟ لماذا خلق الكون وكيف ؟ من أين تأتي الأمراض ؟ إلى آخر ما طرحت نفسه الأسئلة عليه، كان العقل حينها مجرد صفحة بيضاء لم ينقش عليها شيء، عضلة لم تَأْلف الحركة خارج نطاق الغريزة وبعد حدود رد الفعل ومن أدواته المتواضعة هذه كان عليه فما كان الا أن يبدأ مغامرة أولى مع الكون و قفزة أولى من المعرفة فكانت الأسطورة ومن تلك الأسطورة اخترع الإله.
فالغريزة الإنسانية بطبيعتها باحثة للأسئلة الوجودية الكبرى كما يؤكد آرثر شوپنهاور وكما يؤكد پارتيلمي سانت هيلير.
ويحدثنا عالم الإنثروپولوجيا الكبير سير جيمس فريزر James Frazer في كتاب “the golden bough” عن طبيعة الإنسان بحيث أنه جَهد دائماً في معرفة كنه العالم وأسراره وكيف بدأ والى أين يمضي ؟! ومتى سيفنى ؟! وماذا يوجد بعد هذه الحياة ؟! وارتبط دوماً بالنهايات والغايات، وكانت وسيلته في ذلك مرتبطة دوماً بالمرحلة التاريخية لتطوره نفسياً وعقلياً بحيث استخدم الإنسان البدائي الأسطورة كأداة للمعرفة والفهم كما قلنا سابقاً وتكوين التصورات الميتافيزيقية حول الطبيعة.
لكن انعدام الأدوات المناسبة للبحث الصحيح انتهى بأجدادنا لنتائج مغلوطة هي في الأصل من نتاج مخيلته الحرة التي يلجأ لقوى فوق طبيعية “ميتافيزيقية Metaphysical” ليفسر بها الأحداث التي يراها مدهشةً ومعبِّرة لذلك لجأ لهذا الإختراع الذي اسماه (اله) مستعيناً بأداة الأسطورة كمصدر بديل للمعرفة العلمية الصحيحة فكل ما لم يستطع تفسيره نسبه الى الإله واضعاً إيمانه بذلك الإله الأسطوري في الفجوات العلمية، فمثلاً كان الإنسان القديم نتيجة ثقافته البدائية ينسب غروب الشمس للغول الذي يبتلعها وقت غروبها، ويلفظها مرةً أخرى وقت شروقها ثم نتيجة التلقين الآيديولوجي استمر هذا الإعتقاد حتى أصبح لعنة دوغمائية عانى منها المجتمع البدائي إلى أن جاء معول العلم الذي يهدم دائماً التصورات الميتافيزيقية للأديان حول الطبيعة وعملها كما انتصر لهذا القول عالم الفيزياء الأمريكي Victor J. Stenger في كتابه «God: the failed hypothesis how science shows that does not exist»
إذن : أثبت العلم أن الشمس تغيب وتشرق بالنسبة لنا نتيجة دوران الكرة الأرضية حول نفسها و ليس لأن الغول يبتلعها وقت غروبها ومن ثم يلفظها وقت شروقها وبذلك أسقط معول العلم وهدم القول بخرافة وميثولوجية الغول، وقس على هذا جميع التصورات الميثولوجية الأساسية للأديان حول الأحداث الطبيعية.
ولو عدنا قليلاً للوراء لمحاولة قراءة نقدية تحت العدسة التحليلية الفاحصة للخط الزمني لبداية التصورات الإنسانية التي تعكس الوعي العلمي للإنسان في ذلك المجتمع سنصل لثلاث مراحل رئيسية كما يقسمها الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت في نظرية التقدم الإجتماعي «theory of social progress» التي تتحدد بثلاثة قوانين تشكل ركيزة أساسية تحكم التطور الفكري النفسي لدى المجتمعات.
(Auguste Comte – Law of three stages)

الأولى : المرحلة اللاهوتية (Theological stage)
وهي التي تم تفسير الأحداث فيها باسم الإله وهي المرحلة التي إعتمد فيها الإنسان الميثولوجيا كمصدر للمعرفة بديل عن العلم وآلياته وهي نقطة الإنطلاق الضرورية للعقل البشري.

الثانية : المرحلة الميتافيزيقية و هي التي تم تفسير الأحداث فيها من دون ذكر الإله ، و تشكل هذه المرحلة مرحلة إنتقالية بين المرحلة الأولى والأخيرة.

الثالثة : المرحلة الوضعية (positive stage) أو الإيجابية التي أخذ الإنسان يفسر فيها الأحداث باعتبارها خاضعة لقوانين عامة يمكن إدراكها بالمطالعة، أو بالمشاهدة العلمية. وفي هذه المرحلة لا تذكر “الأرواح والآلهة والقوى المطلقة” وبناء على هذا نحن نعيش في الحركة الأخيرة التي تسمى بالوضعية المنطقية (logical positivism) وقديماً قال نيتشه “لقد مات الإله”.
ومن خلال هذه القوانين الثلاثة يمكن إستخلاص موقفنا من الأديان من وجهة النظر السيكولوجية فالجواب هو نعم نحتاج نظام مجتمعي مترابط يحكم النظم والعلاقات الإجتماعية وفي البداية علينا فهم نوعية الدين الذي نحتاجه. في الواقع إن عرضنا مفهوم الدين على العدسة الإنثروپولوجية الفاحصة فيمكن تأطيره في مجرد اعتباره ليس سوى نشاط عقلي «Mental activity» على السطح الشعري للاشعور فهو لا يتضمن أي قيمة إذا نظرنا اليه من زواية حيث أنه دين الهي، أما إذا أكسبناه لغة المجاز فقد يصبح ذات معنى شعري أدبي.
كما يرى جوليان هكسلي أن التشكيك المطلق complete scepticism غير مفيد – رفض مفهوم الدين برمّته – حيث أنه يجب على الإنسان الإيمان بقدر معين من «العقيدة» يكاد يكون ضرورياً لأن ديناً من نوع ما يكون ضرورياً. «religion of some sort is probably necessary»
Hindustan times, october 1961.
ولكن يجب أن يكون هذا الدين بدون وحي، وإذا أشرنا إلى الدين فإننا لا نقصده بالمفهوم الديني الشائع، فالدين ليس حقيقة يُعرف بالوحي والإلهام بل هو مجرد فن عقلي (intellectual art) وهذا الدين الجديد هو دين الإنسانية أو المذهب الإنساني (Humanism).
وكتاب الكتور آلكسيس كاريل (Man, The Unknown (1935 كما أشار المفكر وحيد الدين خان هو جهد علمي لإنشاء هذا المذهب الإنساني، وهذا هو الذي نحتاجه الآن، تشريع القوانين ووضع الدساتير العلمانية تتكفل بها خصوصاً الذرائعية النفعية حيث نستحدث القوانين الملائمة لكل عصر من حاجة الإنسان والمجتمع نفسه وليس دساتير جامدة كتبت قبل 1400 سنة لا تناسب عصرنا الحالي، فلا يمكنك تطبيق قوانين القرن السابع الميلادي من تشريع أسواق النخاسة وفرض الجزية إلى آخره في عصر التكنولوجيا.
نستنتج إذن : من خلال إستقراء الخطوط الإنثروپولوجية والميثولوجية والسيكولوجية التي تشابكت مع فرضية الإله والأديان لإكسابها نوع من الإكسيولوجية المزيفة، وبصراحة أنا لا أداوي جرح مضرّج بموقف شخصي وليس المقام مقام تحليلات فكرية باردة بل هذه خلاصة بحثي من أن فرضية الإله في صورتها النهائية صورة ممجوجة بالتناقض والإستشكالات الإپيستمولوجية ففرضية الإله تعاني من عقدة نقص تاريخية قديمة أمام المناهج الإپيستمولوجية المعرفية الحديثة التي تفرض احترامها المعرفي بسبب ما تحمله من القوانين الاپيستمولوجية المنظمة، وهي مجرد ثقافة بدائية نتيجة الجهل العلمي الذي انتهت بأجدادنا لمعلومات ونتائج مغلوطة نتيجة غياب الأدوات العلمية الصحيحة آنذاك، ولذلك اتخذوها كمصدر بديل للمعرفة وكونها مجرد قضية ميتافيزيقية خرافية خارجة عن إطار المنهج العلمي، وهذا بحد ذاته يحكم عليها بالفشل المطلق كون المنهج العلمي يسقط الفرضية ويحكم عليها بالفشل في حال كونها غير قابلة للإختبار ولا تقوم بتنبؤات يمكن إثباتها ولا تقوم برصد أي ملاحظات على العالم الحقيقي كما شرح معنى الفرضية ومدى إمكانية توظيفها في نموذج النظرية وكيف يمكن دحضها أستاذ علم الأحیاء التطوري بجامعة شیكاجو Jerry A Coyne في كتابه «Why evolution is true» حيث يقول :
”لكي يعتبر الفرضية نظرية علمية، فلابد أن تكون قابلة للاختبار وتقوم بتنبؤات يمكن إثباتها بما يعني، يجب أن نكون قادرين على عمل ملاحظات على العالم الحقيقي والتي إما تثبتها أو تدحضها“.
بناء على التحليل العلمي السابق فرضية الإله غير قابلة للإختبار الإمبريقي ولا تقع ضمن إطار الپارادايم المنهجي العلمي التجريبي، بالأحرى فهي فرضية فاشلة لم ترقى بعد لمستوى الإثبات العلمي، ولن ترقى أبداً فهي في صورتها النهائية مجرد ثقافة الإنسان القديم الذي اتخذ الأسطورة عند فقدانه وسائل المعرفة الصحيحة كمصدر للمعرفة كما قلنا سابقاً لكن ومع توسع العلم الذي يقوم دوماً بردم تلك الفجوات العلمية ليخرج منها الإله باحثاً ولاهثاً عن فجوات علمية أخرى يضع نفسه فيها وبالتالي يمارس بها المؤمن إيمانه الدوغماتي بسبب ما أحدثته تلك الأطروحات المعرفية من إرتجاجات معرفية أدت أيضاً بالإضافة لإزاحة الإله إلى التقليص من وجود خطابات الأديان الميثولوجية أو هي ساعدت في إنكماش هويتها المعرفية في حفل الداخل. ولذلك كثرت الصيحات مؤخراً بموت فرضية الإله كما أعلن مؤخراً نيتشه وتصاعد نجوم الفلسفات الإپيستمولوجية الإمبريقية المبرهنة، وأن المؤمنين أعادوا تعليبها وتبويبها في حفل الداخل الفكري بمصطلحات مدبجة يراد بها تلميع فرضية الإله لمحاولة جعلها طوبوية مثالية مائلة العنق للخطاب الإمبريقي. وهذا ما أثبته الباحث والخبير في علم الأجناس E.B.Taylor في كتابه “primitive culture” والذي يعتبر مرجعاً لدراسة الأديان وباتت فكرة تقلص الإله من مقابل تنامي الأطروحات الإمبريقية حقيقة علمية تتناغم بدلائل الإنثروپولوجيا والسيكولوجيا ودراسة الميثولوجيا، أما عن آلية فكرة نسف الأديان الميثولوجية، فهو منهج علمي محكم جداً وليس منهج مطاطي استحدثته شخصياً، فالأديان كما يقول عالم الإنثروپولوجيا philip freund في كتابه “myths of creation” أنها باتت مجرد أساطير وخرافات منسوجة على شكل أبهى حلة أدبية ممكنة بشكل قوي ومؤثر في النفوس وليست فقط من نتاج الخيال المجرد بل ترجمة لملاحظات واقعية ورصد لملاحظات تاريخية حول الطبيعة المعرفية للمجتمع البدائي الذي فسرها بالأدوات المعرفية المتاحة في وقته (الأسطورة) بمعنى آخر أن النصوص الميثولوجية (الدينية) مجرد أدبيات تعكس مستوى الوعي والثقافة العلمية والتقدم العلمي لتلك المجتمعات البدائية، فهي كالمرآة تعكس تطورهم العلمي والثقافي في وقتهم وهذه الفائدة الإنثروپولوجية منها حيث تخبرنا كما قلت سابقاً حالتهم العلمية والثقافية وتعكس مستوى الوعي الإجتماعي الذي كان بحاجة وقتها لأساطير تفسر بها الطبيعة بتدخل قوة فوق طبيعية (الإله)، نتيجة الجهل العلمي لذلك مكان الإله هو فقط في الفجوات العلمية (god of the gaps) والعلم بتقدمه يردم تلك الفجوات التي استحدثتها الأديان نتيجة جهلها أما الآن فلم نعد بحاجتها لأن العلم في ذروته.
كذلك يؤكد علم النفس (psychology) أن الدين ليس سوى نتاج اللاشعور الإنساني وليس كشف لحقائق مستقلة في الطبيعة كما قال عالم من علماء النفس :
“God is not only a reflection of the human personality on a cosmic screen – الإله ليس سوى انعكاس للشخصية الإنسانية على شاشة الكون”
ولن تكون لأفكار الدين سطوتها المفاهيمية في المجتمع الإنساني إذا ما لم يتم اتباع استراتيجية التلقين المباشر لعقول الأطفال لمحاولة تقوقع الميتافيزيقية في منطقة اللاوعي في مرحلة مبكرة من حياتهم و من ثم تلازمهم لعنة الدوغمائية، لذلك قال يونغ صاحب (Man and his symbols)
محدثاً عن نظرية اللاوعي في مناهج المستشرقين “الأساطير الدينية هي إنبثاق اللاوعي على الوعي”

كذلك مالوحي والإلهام إلا إظهار غير عادي لأساطير الأطفال المكبوتة (Childhood Repression) في صورة حقائق مزيفة تخدِّر الشعوب كما قال گارل ماركس مقولته الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”.
——————————
الهوامش :
– «الإسلام يتحدى» و «الدين في مواجهة العلم» لـ وحيد الدين خان

– «مغامرة العقل الأولى» لـ فراس السواح

– law of three stage – Auguste Comte
http://plato.stanford.edu/entries/comte/#LawThrSta

– Victor J. Stenger «God: the failed hypothesis how science shows that does not exist»
https://www.pdf-archive.com/2014/10/19/victor-j-stenger-god-the-failed-hypothesis/

– Books by Jerry A. Coyne
http://jerrycoyne.uchicago.edu

– Jerry A Coyne, Why Evolution Is True?
http://vk.com/doc-74127311_314675287

– هنا عالم الفيزياء الفلكية “Astrophysics” نيل ديغراس تايسون Neil deGrasse Tyson
يشرح تقلص اله الفجوات (God of the gaps).
http://thesciencenetwork.org/programs/beyond-belief-science-religion-reason-and-survival/session-2-4

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك