الرهبنة: خلاصٌ أم خطيئة ؟ – بقلم: أحمد عيد

الرهبنة: خلاصٌ أم خطيئة ؟ – بقلم: أحمد عيد

يستيقظ الإنسان علي أصوات صاخبة ، ليكتشف أن الحياة أصبحت خطرة ، ويجب عليه الآن أن يفر بعيداً !

إنها اللحظة التي ينقطع فيها آخر حبل يربطك بمجتمعك الذي تجاهد لكي تتواصل معه ، كل شئ ٍ أصبح ضدك ، فمبادؤك التي تحارب من أجلها أصبحت عرضةً للخطر ، وإن لم تهرب بها بعيداً ، فإن هذا المجتمع الذي تخلي عن الدين والقيم والمبادئ سيسلبها منك ، لتجد نفسك واحداً منهم ، إنسانٌ بلا دين وبلا فكر وبلا عزيمة ، أنت الآن لا شئ !

لتجد نفسك تلجأ لكهفٍ مظلم في صحراء بعيدة بحثاً عن الخلاص ، تهرب من الحياة التي تطاردك بكل شهواتها وملذاتها ، فلقد لجأت إلي أن تصبح راهباً ، وأن تكون مع الله وفقط ، بعيداً عن كل شئ ، لتسمتع بلذة الإيمان الإلهي المطلق .

وكانت بداية الرهبنة في مصر عن طريق أناسٍ عاديين يعيشون في الزهد وإنكار الذات علي طريقة سيدنا المسيح عليه السلام ، مثل الأنبا أنطونيوس أول راهب مسيحي في العالم والأنبا باخوميوس مؤسس نظام الشركة والرهبنة والأنبا بولا وغيرهم الكثيرون .

ومع مرور الزمن لم تقتصر حياة الرهبنة علي أبناء الدين المسيحي وفقط ، بل أصبحت الملاذ الوحيد لكل من يبحث عن الخلاص والنجاة بدينه وثقافته من أنياب الحياة !

وللإسلام موقف واضح وحاد من حياة الرهبنة ، بل وقد تبرأ منها الدين في قوله تعالي ” وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ” ، فالقرآن ضد الرهبنة ولكنه ليس ضد من سعي للنجاة بنفسه والقرب من الله .

وهناك اختلاف واضح بين حياة الرهبنة المطلقة ، والعزلة المؤقتة عن الناس التي لجأ إليها الرسول محمد عليه أفضل الصلاة في فترة ما قبل نزول الوحي ، عندما كان يتعبد لأيام في غار حراء ، ثم يرجع ليمارس حياته الطبيعية كفرد من المجتمع الذي خلقه الله فيه ، وما فعله سيدنا ذكريا عندما نذر لله البعد لفترة عن الناس والإمتناع عن الكلام معهم ، ثم خرج إليهم بعدها ليستمر في دعوته .

حياة الرهبنة والعزلة المطلقة عن الناس تعطيك القيم والمثل العليا ، وتشعرك بنقاء الروح وبالقرب من الله ، فأنت أقرب للملائكة من البشر ، ولكن كل هذه القيم والأخلاق التي تتحلي بها عندما تكون راهباً منعزلاً هي عبارة عن القيم في صورتها النظرية واللاتطبيقية ، فأنت لا تحتك مع نقائض هذه القيم حتي تختبر مدي قوتها وصدقها ، ومدي ترسخها فيك ، ومدي تمسكك بها وسط كل هذه المغريات من الأمور ، فالله خلقنا مجتمعاتٍ وأمرنا بتقويمها لنواجه ونحارب كل ما يؤثر بالسلب علي قيمنا ومبادئنا ومثلنا العليا ، حتي يكون ثمن هذا الجهاد النعيم الأبدي ، لا أن نهرب بهذه القيم إلي جوف الصحراء !

لكل شئ ثمن ، لذا لا بئس في بعض المقاومة ، فالهروب ليس بحل .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك