الحياة تأكل نفسها – بقلم: أحمد عيد

الحياة تأكل نفسها – بقلم: أحمد عيد

الحياة منذ ولادتها وهي تستمتع بلذة التقلب والتغير ، فإن لكل مرحلة زمنية من الحياة مقوماتها واتجاهاتها وطابعها المختلف عن الفترات السابقة من عمر الحياة .

فإن كانت الحياة علي الصعيد الإلهي ثابتة لا تتغير ، وهي تسير في نظام فلكي ثابت ومحدد منذ بدايتها وحتي يأذن لها الله بالفناء ، فالشمس لها نظامها الثابت والمتزن في الدوران ، وأيضاً كل الكواكب من حولها ، وتركيب الماء ثابت حتي قيام الساعة فهي مكونة من عنصرين ثابتين منذ ان عرفها الإنسان وحتي الآن ، والإنسان له هيئته الثابتة والتي خلقه الله عليها منذ آلاف السنين وسيستمر عليها حتي يزول عن هذه الأرض ، وعلي نفس هذا المنوال باقي الآيات والمعجزات الإلهية الثابتة والمتزنة والدالة علي وجوده سبحانه وتعالي .

ولكن إن كانت الحياة ثابتة متزنة علي الصعيد الإلهي ، فإنها مستمرة في التغير والتقلب والاختلاف علي الصعيد البشري .
فإن لكل مرحلة من الحياة اتجاهاتها وأولوياتها ومقوماتها ، فالحياة منذ ١٠٠ عام لا تشبه الحياة الآن من حيث المقومات المادية والفكرية وحتي العاطفية علي حد سواء .

الإنسان يشكل حياته ومجتمعه ونظامه الذي يسير عليه ، ثم ينعكس هذا النظام عليه فيشكل الإنسان نفسه ، فالمجتمع الذي شكله الإنسان منذ ٢٠٠ عام يختلف عن المجتمع الذي شكله الإنسان منذ ٥٠ عام يختلف عن المجتمع الذي يشكله الإنسان الآن ، لذا العنصر البشري المتواجد في كل من هذه المجتمعات يختلف عن الآخر .

فمع الثورة العلمية الحالية واتساع الإدراك والمفهوم البشري لماهية الحياة من حوله ، وتأثره بظروف الحياة الجديدة ومقوماتها يجعله ينفر من أي مفاهيم وأساسيات قديمة لا تتماشي مع الإنتشار البشري الحالي .

فعلي سبيل المثال الأساسيات والمفاهيم الفكرية والفلسفية التي توصل إليها الإنسان منذ مئات السنين ، أصبح من الصعب تقبلها الآن وسط هذه التغيرات الحياتية ، ومع أن هذه الأساسيات والمفاهيم ثابتة وتستطيع إحتواء الحياة مهما كانت ظروفها ومقوماتها ، فإن الطريقة التي تقدم بها هذه الأساسيات والمفاهيم إلي المجتمع البشري الحالي لا تتماشي مع مستوي إدراكة وطابع حياته الإنفتاحي التطوري .

وإذا اتجهنا إلي الدين ، فسنجد أن القرآن قد تبني هذه النظرية وأكد عليها منذ عشرات القرون ، فالقرأن الذي عرفه البشر عندما كانت حياتهم بدائية لا تحتوي علي أي من المظاهر التكنولوجية الحديثة ، يحتوي علي قوانين ومعلومات جوهرية ما زال العلم الحديث يتوصل لها حتي هذه اللحظة وسيستمر في البحث عن الجديد منها مهما بلغ من تقدم وإزدهار ، وهذا ما يضمن له حيويته وتماشيه مع جميع العصور ، وإن كان هناك خلل حالي في المنتسبين لهذا الدين وعدم فهمهم لهذا الأمر ومحاولة تطبيق الدين وجعله يتماشي مع الواقع الحالي ، ويستمروا في تضييق منظور الدين للحياة بحجة الإلتزام به ، وهذا هو السبب الرئيسي لنفور الناس من الدين حالياً ، فهو لا يتماشي مع طابع حياتهم الحالي .

وعلي نفس المنوال كل العلوم الروحية والفكرية والنفسية ، كعلم الاجتماع والفلسفة والميتافيزيقيا والقانون .. الخ ، يجب أن تتماشي مع التقدم الجنوني الحالي للعلوم التطبيقية كالفيزياء والتكنولوجيا وغيرها ، وإلا فإنها ستموت عن قريب وتصبح جزءاً من التاريخ .

للحياة وجهٌ جديد ، لقد تغيرت قواعد اللعبة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك