عمر بن الخطاب من الشك إلي اليقين – بقلم: سامح عبد الله

عمر بن الخطاب من الشك إلي اليقين – بقلم: سامح عبد الله

“وتحدث الناس عن اسراء النبى ليلا من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي وكان عمر حديث العهد بالإسلام وقد أخذه بعض الشك من هذه الحادثة “

عمر من الشك.. إلى اليقين.

( إحدى وستين )

يقول توفيق الحكيم في مؤلفه الأحاديث الأربعة أن “علاقة العقل بالدين خطيرة… فالدين عقيدة ثابتة… والعقل أفكار متحركة… وهذه الأفكار تلازمها أدوات التحليل… وهذا التحليل إذا مس العقيدة الدينية فتت أجزاءها، فاهتزت وذهب ثباتها وأصبحت ككل وجود عقلي يتعرض للمطالبة بالدليل والبرهان… وعندئذ يظهر الشك “

لعل عمر بن الخطاب من هؤلاء القلائل الذين يمتلكون التحكم في المعادلة الصعبة بين إعمال العقل الذي له أدواته المنطقية الحسابية وبين إعمال الضمير والذي مقومات غير مادية. تلك الشخصية الفريدة التى تركت آثارها علي طريقة حكمه علي الأشياء ثم بعد ذلك علي ادارته حكمه لأمبراطورية عظمي مترامية الأطراف ومتعددة الثقافات.

لو عدنا إلي ما قبل إسلام عمر لن نستطيع أن نتصور بيسر أن هذا الرجل الذي كان أحد وزراء الرسول الكريم الذي لم تحل حادثة إلا وكان له رأيا صائبا فيها هو ذات الرجل الذي أشهر سيفه سائرا بطرقات مكة يصيح بغضب.. “أين هذا الصابئ الذي فرق قريش” وكان عمر يقصد محمدا ذاته حيث ينتوي قتله لولا حادثة إسلامية التى لم تغيره هو فقط بل لو شئنا القول غيرت خارطة هذا الدين الوليد بأكملها.

كان إسلام عمر فريدا أيضا.. كان بالعقل أكثر مما كان بالعاطفة وكان مترويا بل وظل فترة حتى بعد إسلامه يعيش مرحلة الشك التى هي أصدق المراحل لإدراك اليقين.
استمع القرآن وهو يهم بقتل أخته فاطمه وحين سالت الدماء من وجهها علي أثر لطمة قوية من يده تمسكت أكثر بالصحيفة التى بيدها وكانت بضع آيات من القرآن الكريم وعندما قالت له نفسي من دون هذه الصحيفة التى لا يمسها غير الأطهار
وقف ابن الخطاب يتأمل بنت الخطاب.. أي عقيدة هذه التى تجعل امرأة في مثل هذه القوة حتى أنها لا تخشي رجل قوي مهاب في قومه مثله.
هنا فكر الرجل وأعمل عقله وأسلم.

ربما كانت طريقة إسلامه هذه بها العلامة الكبري التى تقول أن رجلا في هذه الأمة قد ولد مرة أخري بعد ميلاده الأول وربما كانت فيها أيضا علامات من عبقرية رجل لم يكن من هؤلاء الذين يخشون التفكير حتى ولو تطرق تفكيره يوما إلي شك في أصل أو ثابت.

عند حادث الإسراء انصرف كثيرون عن الرسول وقالوا كيف لرجل أن يسري به في ليلة بين مكة وفلسطين والمسافة بينهما لا يمكن أن تقطع في ليلة..!
هنا الاحتكام إلي البرهان والدليل يضل أثره بالطبع فلا محل لهما أمام قضية تتجلي فيها المعجزة بالإيمان.
لكن عمر أخذه الشك وأظن أنه لم يكن مبعثه هذه المعادلة الحسابية التى احتج بها من أنكروا اسراء الرسول لأنه ببساطة يصدقه في وحي ينزل عليه من السماء لكن ربما كان مبعث هذا الشك هو طبيعية عمر وطريقته في الوصول إلي حقيقية الأشياء. ربما كان منهاجه الذي يطمئن إليه أن الوصول إلي الحقيقة يمر عبر الشك.
وبالفعل شك عمر في الحادث وكاد أن يأخذه هذا إلي أبعد من ذلك إلا أنه سرعان ما تبدل هذا الشك إلي إيمان وصل إليه الرجل بعقله قبل أن يحدث أبو بكر الصديق مؤكدا له أن الإسراء قد حدث بالفعل.

بعد ذلك انطلق عمر إنسان جديد وعند الهجرة كان الكل متخفيا تحت جنح الليل إلا هو أشهر سيفه في وضح النهار وأطلق صيحة مدوية سمعها كل سادة مكة.. من أراد أن تضرب عنقه فليتبعنى خلف هذا الجبل ووقف السادة عاجزون حتى عن النطق.. كان إيمان الرجل هو الذي يتحدث وليس السيف.

إنما نقول ذلك وتشير إلي تلك الحادثة وغيرها ونتكلم عن الشك عند عمر ليس من قبيل السرد أو التكرار بل لنبرز أن شك الرجل لم يكن أكثر من كتلة من الإيمان تتكون لديه فتملأ صدره وقلبه وتستحيل إلي إيمان راسخ رسوخ الجبال.
وأظن أن أصدق الحقائق هي التى تأتى بعد فترة شك وأن الأيمان الحقيقي لا يتكون إلا عندما يمر الإنسان بمرحلة الظن التى يعمل فيها فكره ويتحول عقله خلالها إلي بوتقة يولد منها اليقين.

هكذا فعل الرجل مع الحجر الأسود.. لم يخش أن يقول أنه حجر لا ينفع ولا يضر وأنه لولا أنه رأي الرسول يقبله ما قبله. لم يقدس إذن الحجر هذا التقديس الأعمي بل وضع حقيقة كبري هي أنه حجر أصم لكن إيمانه هو الذي حمله علي أن يعطيه هذا القيمة الاستثنائية التى هي أيضا نتاج أعمال عقله.

وعندما أصبح أميرا للمؤمنين تجرأ الرجل وأعطي بعض النصوص معنا آخر لم يكن يجرؤ غيره علي أن يفعل.
هو ذات الرجل الذي فهم روح النص في حد السرقة وعطله عام الرمادة رغم قطعية المعنى الذي حمله وحجب أموال الزكاة عن المؤلفة قلوبهم رغم أيضا قطعية النص وهكذا كان يتخذ عمر دائما قراراته علي نحو ما أشرنا في مواضع عدة سابقة.

والحقيقة أن طريقة الرجل الفريدة في الحكم كانت نتاج أعمال العقل حتى مع ما يبدو للوهلة الأولي أو فوق التفكير. إن الرجل الذي تمهل علي نفسه حتى يسلم ثم أخذه بعض الشك حتى يؤمن هو الرجل الذي يعرف جيدا قيمة العقل وأثره ولعل أكثر الناس الذين توصلوا إلي حقيقة الإيمان كانوا هم أيضا الذين تجرعوا مرارة الشك.

لم تكن الصلة منقطعة بين عقل الرجل وعاطفته وبين منطقه وإيمانه بل استطاع أن يصهر كل هذه الملكات في بوتقة واحدة ليصنع منها إيمان العقل وليس الخرافة وعاطفة مستمدة من الضمير وليس من التدليس كما حدث بعده وكما يحدث اليوم
فقد خلص الرجل إلي الإيمان المستقل عن القدرة البشرية والمتصل بالقدرة الإلهية بتعبير توفيق الحكيم في المؤلف السابق.
ومن أجل ذلك كان العصر “العمري” عصرا فريدا في التاريخ الإسلامي عصرا خاليا من الخرافة ومن رجال أطلق عليهم بعد ذلك رجال الدين..استطاع الرجل أن يمزج العقل بالإيمان بلا تنافر ولا تناقض ودون أن نشعر نحن بثمة ما يحول أن يتشكلا معا وأن ينصهرا معا ولعل تلك هي العبقرية التى جعلت التاريخ يؤرخ ويفرق بين عصر عمر وعصر ما بعد عمر.
#_عمر_بن_الخطاب_رؤية_معاصرة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك