حالة السُكْر ما بين الخمر المعنوي والخمر المحسوس – بقلم: خيال بعيد

حالة السُكْر ما بين الخمر المعنوي والخمر المحسوس – بقلم: خيال بعيد

الجمال خمرة عتيقة من شربها فلابد وأن يسكر تماما مثل الخمرة المحسوسة من شربها فلابد وأن يسكر ،بل أننا لو بحثنا وتفحصنا وتقصينا عن السبب في حالة الإسكار التي تعقب شرب خمرة الجمال لما وجدنا اختلافا عن السبب الذي يوجب حالة الاسكار والانتشاء والطرب التي تعقب شرب الخمرة المحسوسة، ولا يمكن أن نفهم ذلك إلا بشرح حقيقة وأثر كلا الخمرتين، ثم نقوم بعمل موازنة بينهما حتى يظهر لنا بعد الشرح والموازنة سر المناسبة بين الخمرتين. وليس ذلك بمقصود في ذاته وانما مقصودنا هو أن يكون ذلك باب نلج من خلاله الى دهاليز النفس البشرية؛ حتى نسبر اغوارها ونطلع على اسرارها، ونكشف حقائق أحوالها، ليساعدنا ذلك على فهم ظواهر نفسية كثيرة طال فيها بحث ونظر العقول، وجالت وصالت فيها الاذهان والفهوم عندما ننظر في خمرة الجمال عند الاطفال والفنانين والمفكرين والصوفية، فكل هؤلاء هم أنماط من البشر يشربون خمرة الجمال فتعرض لهم حالة الاسكار وما يتبعها من ظواهر عجيبة.

الخمرة المحسوسة

لو أردنا أن نفهم السبب في حالة الإسكار التي تعقب شرب الخمر المحسوسة، لوجدنا بعد البحث المتقصي أن ذلك يرجع الى اثر الخمر على ذاكرة الانسان؛ لأن الخمرة تبطل ذاكرة الأنسان لفترة من الوقت، واذا حدث ذلك فإن شارب الخمر سوف ينسى ما كان يشغله او يهمه في يقظته. وكذلك هو سوف ينسى عاداته ومألوفاته فينظر للمحسوسات وكأنه يراها لأول مرة، وبدون ان تقطع شواغل الحياة وهمومها هذا النظر أو تكدره، واذا حدث ذلك فإن هذا الشخص سوف يطالع ما في المحسوسات من جمال وتناسب وتناسق وابداع منقطع النظير، فإذا أدرك هذا الجمال الموجود في المحسوسات، فإن عقله سوف يسكر بمعنى أن عقله سوف ينشغل بمدركاته فيحصل له غفلة وسهو عن النفس. واذا حدث ذلك فإن الخيال سوف يجدها فرصة سانحة لكي يستولي على النفس تماما ويقوم بمحاكاة ما أدركه العقل بما يناسب هذه المدركات من عالم المتخيلات.

فالسبب في حالة الاسكار والانتشاء والطرب التي تعرض لشارب الخمر، هو أن الخمر تنسيه شواغله وهمومه ومألوفاته وعاداته، وبالتالي يتحرر عقله من أمرين أما الاول فهو الشواغل والهموم، ولا يخفى أن انشغال الانسان بهموم الحياة يلهيه عن النظر العقلي، فمن كان له اّمال ومخاوف فهو لن يرى المحسوسات أصلا، فضلا عن الالتفات لما فيها من جمال وتناسب. ويمكنك أن تعتبر ذلك بحالتك عندما تكون خائفا من شئ او راجيا في أمر، فإنك ربما تمشي في الشارع وقتها ولا ترى الناس ولا تسمع اصواتهم، بل ربما يكلمك الناس فلا تسمعهم؛ وذلك لانك مشغول الباطن بأمر يهمك فبطل ادراك النفس للمحسوسات.

وأما الأمر الثاني فهو تحرر العقل من المألوفات والعادات، وذلك لأن الانسان اذا اعتاد على رؤية شئ فإنه يصير مألوفا له، وبالتالي يبطل ادراكه لما فيه من جمال وتناسب. ويمكنك أن تعتبر ذلك بحالتك عندما ترى حيوانا غريبا تراه لأول مرة فإن لسانك سوف ينطلق بلا اختيار وسوف تقول (سبحان الله ) وانما أنت تسبح الله وقتها لأنك ادركت ما في هذا الحيوان الغريب من جمال وابداع، رغم أنك ترى الحيوانات والنباتات ونجوم السماء وكواكبها في كل وقت ولا تسبح لانها صارت مألوفة لك، فبطل ادراكك لما فيها من معاني الجمال وسمات التناسب. ولذلك فإن الناس يرون المحسوسات ليل نهار ولا يسبحون ولا يدركون جمالا ولا تناسبا وذلك لانهم مشغولون بهموم الحياة ومخاوفها واّمالها من ناحية، كما أنهم قد اعتادوا رؤية هذه المحسوسات وأنسوا بها والفوها فبطل ادراكهم لما فيها من معاني الجمال واّيات الابداع.

وهذا هو السبب في حالة الاسكار التي تعرض لشارب الخمر لانه ينسى هموم وشواغل الحياة من ناحية وينسى مألوفاته وعاداته من ناحية ثانية وبالتالي فإن عقله يصير محررا من الأمرين فلا شواغل تهمه فتجعله يغفل عن رؤية المحسوسات ولا مألوفات متكررة تبطل ادراكه لما في المحسوسات من معاني الجمال واّيات الابداع ولذلك فهو ينظر للمحسوسات وكأنه يراها لأول مرة تماما مثل حالتك أنت عندما تنظر لحيوان غريب تراه لأول مرة وبالتالي فهو سوف يطالع ما في المحسوسات من جمال وتناسب وتناسق وعندئذ فإن عقله سوف ينشغل بما أدركه من تناسب فيسكر لان التناسب هو من مقتضى العقل واذا ادرك العقل مقتضاه فأنه سوف يسكر ومعنى أنه سوف يسكر أي أنه سوف يسهو عن النفس ولا يلتفت لاحوالها وعندئذ فإن الخيال سوف يجد الفرصة سانحة لكي يحاكي مدركات العقل بما يناسبها من الصورة المتخيلة المحفوظة عنده وبالتالي فإن النفس سوف تتأثر بهذه الخيالات لأن العقل غافل عن النفس بمدركاته وبالتالي فهو لن يكذب الخيال وبالتالي تتقلب النفس في الا حوال النفسية تبعا لحركة الخيال والصور التي يعرضها على النفس — ولنضرب مثالا على ذلك بشخص سكران نظر الى زجاجات متراصة على مكتب او منضدة فإن هذا المنظر لن يلفت انتباهك أنت ولكنه حتما سوف يلفت انتباه السكران لأنه سوف يدرك تناسبا بين الزجاجات فهي متراصة والتراص هو نوع تناسب في الاجسام من حيث المكان والوضع وعندما يدرك شارب الخمر هذا التناسب المكاني الموجود بين الزجاجات فإنه سوف يشعر بلذة عظيمة لأنه أدرك مقتضى العقل وهو التناسب وبالتالي فإنه سوف تعرض له حالة الاسكار والتي لا معنى لها الا انشغال العقل بمدركاته واستيلاء الخيال والصور المتخيلة على النفس وأثارتها للاحوال والمشاعر والحالات النفسية بسبب ذلك وبدون ان يقدر العقل على تكذيب الخيال لانه اي العقل مشغول بمدركاته.

سر الخمر

فهذا هو سر حالة الاسكار التي تعرض لشارب الخمر عند شرب الخمر فالخمر لا تفعل الا شئ واحد وهو أنها تنسيك هموم الحياة وشواغلها من ناحية وكذلك تنسيك مألوفاتك ومأنوساتك من ناحية ثانية وبالتالي يتحرر عقلك من العوائق والمعميات التي تمنعه من رؤية التناسب الموجود في المحسوسات فينظر شارب الخمر الى المحسوسات فيراها وكأنه يراها لأول مرة فيدرك ما فيها من تناسب واذا أدرك العقل تناسبا أو تماثلا او تكرارا في الاشياء فإنه يلتذ التذاذا عظيما لأنه أدرك مقتضاه ولا معنى للذة الا ان تدرك الطبيعة مقتضاها واذا حدث ذلك فإن العقل سوف يسكر ويستغرق استغراقا كاملا وتاما في معارفة ولذته وبالتالي فإن الخيال سوف يجدها فرصة سانحة لكي يستولي على النفس تماما ويتحكم فيها وذلك من خلال محاكاته وتمثيله لما أدركه العقل ثم تتأثر النفس بهذه الصور المتخيلة التي يعرضها الخيال فتنفعل النفس بالاحوال والمشاعر والحالات النفسية وكأنها تشاهد حقائق لا خيالات.

الموازنة بين الخمرتين

فهذا هو تفسير الحالة التي تسمى اسكارا وتعرض لشارب الخمر عقب شربه للخمر ولو تأملنا فيها لوجدنا ان السبب في حالة الاسكار التي تعرض لشارب الخمر هو أنه أدرك ما في الاشياء من تناسب وتكرار وتوافق وتناغم وتناسق أي ان حالة الاسكار التي انتابته سببها هو أن عقله ادرك جمالا فإستغرق فيه فغفل عن النفس واحوالها وهذه الحالة هي التي تسمى اسكارا فلا معنى للاسكار الا استيلاء الخيال على النفس بسبب غفلة العقل عنها لاستغرافه في مدركاته من تناسب وتكرار وتوافق وتناغم أي أن حالة الاسكار سببها هو ادراك الجمال وانما دور الخمر هنا هو أنها تنسيك شواغلك وهمومك ومألوفاتك ومأنوساتك حتى ينظر عقلك للمحسوسات وكأنه يراها لأول مرة فيلتفت وقتها لجمالها وابداعها والذي كان عاجزا عن ادراكه وهو مشغول بهموم الحياة ومألوفاتها ومعنى ذلك أن حالة الاسكار سببها هو ادراك الجمال وليس سببها هو شرب الخمر وإنما هي تحدث عند شرب الخمر لان الخمر يزيل الموانع التي كانت تحول بينك وبين ادراك الجمال الموجود في المحسوسات فهي أزالت الاسباب التي كانت تمنع العقل عن ادراك الجمال وبالتالي يدرك العقل وقتها على ادراك الجمال فيسكر فسبب سكره هو ادراكه للجمال وليس شرب الخمر وانما الخمر تزيل موانع الادراك فقط ولا دور لها الا هذا فقط والسبب الحقيقي للاسكار هو ادراك الجمال.

خمرة الاطفال

ذكرنا أن الخمرة المحسوسة ليست هي سبب حالة الاسكار بل السبب فيها هو ادراك الجمال وانما الخمرة تزيل موانع الادراك فقط ولكن ربما يكون هناك اشخاص تزول عنهم موانع ادراك الجمال بدون خمر وذلك مثل الاطفال لان هذه الموانع غير موجودة أصلا عند الاطفال فقد ذكرنا ان المانع هو أمرين وهما شواغل الحياة وهمومها وكذلك مألوفاتها ومأنوساتها ومعتاداتها والاطفال لا شواغل عندهم ولا هموم وكذلك هم لم يألفوا الاشياء بعد ولم يأنسوا بها ولم يعتادوها فموانع ادراك الجمال منتفية عنهم فطرة وطبيعة وبالتالي فأنهم حتما سوف يدركون ما في المحسوسات من تناسب وتكرار وتوافق وتناغم وباالتالي فأنهم سوف يسكرون ويمرحون ويطربون عند ذلك وهذا هو السر في ضحك الاطفال الرضع اذا قمت أمامهم بلعبة اخفاء الوجه أي أنك تخفي عنهم وجهك بكفيك ثم تظهره لهم مرة اخرى فأنهم سوف يضحكون وقتها لأنهم ادركوا تناسبا وتكرارا وتماثلا وتباينا واقل درجات العقل هي ان تدرك هذه الامور وهذه الدرجة من العقل موجودة عند الاطفال الرضع ولذلك فهم يضحكون ضحكا هستيريا عندما تلعب معهم لعبة فيها تكرار مثل لعبة اخفاء الوجه وكذلك هناك لعبة اطفال اسمها (الشخليلة) وهي عبارة عن كرة مفرغة بها جسيمات صغيرة جدا فاذا قمت بتحريك هذه الكرة امام الطفل فأنها يصدر مها صوت وبالتالي سوف تلفت انتباهه لأنه ادرك تكرار سماع صوت عند تحريك الكرة حركة اهتزازية متكررة وبالتالي فأنه سوف يضحك ضحكا هستيريا لأن عقله الصغير أدرك مقتضاه وادراك التكرار هو من مقتضيات العقل.

فهذا هو السر في ضحك الاطفال عندما نلعب معهم لعبة اخفاء الوجه او لعبة تكرار اخراج اللسان من الفم وادخاله بسرعة او لعبة الشخليلة لأن كل هذه الالعاب فيها تكرار وأقل درجات العقل هي ان تدرك تكرارا وهذه الدرجة موجودة في الطفل الرضيع بل والمولود حديثا أيضا ولكن الطفل الرضيع له حواس وليس لديه خيال بعد ولذلك فأنه اذا تشبث بشئ ثمين مثل تليفونك المحمول مثلا وخفت ان يكسره فأخذته منه فأنه سوف يبكي ويصرخ فإذا قمت وقتها بتحريك لعبة الشخليلة أمامه فأنه سوف يلتفت اليها وينسى التليفون أي انك تشغله بمحسوس عن محسوس وذلك لانه لم يخلق له خيال بعد فلم تنبطع صورة التليفون في خياله ولولا ذلك لما توقف عن الصراخ والبكاء ولو جئت له بكل الالعاب ولذلك فأن الطفل الكبير اذا تعلق بشئ وأخذته منه فأنه لا يتوقف عن البكاء مهما حاولت ان تشغله بشئ محسوس اّخر وذلك لان صورة الشئ الذي تعلق به انطبعت في خياله فلم ينسى الشئ ولن يسكت الا اذا حصل على ما يريد — فهذا هو السر في ظواهر الضحك عند الاطفال عند رؤيتهم لامور فيها تكرار وليس كما قال عالم النفس سيجموند فرويد عندما حاول أن يعرف السبب في ضحك الاطفال الرضع عندما نلعب معهم لعبة اخفاء الوجه واظهاره بتكرار فقد ظن سيجموند فرويد ان الطفل يضحك عند ذلك لأن هذه اللعبة هي ا(عادة تمثيل لغياب الام وعودتها ) ولا اعرف ما المضحك في أن تغيب الام وتعود وهل الطفل الرضيع يدرك أصلا معنى العودة ومعنى الغياب والظهور والاخفاء في هذه السن الصغير.

خلاصة

فهذه هي الاصول والمبادئ التي توضح لك وتفسر الحالة التي تسمى اسكارا وأن السبب في طروء هذه الحالة على النفس هو ادراك الجمال لا شرب الخمر فحالة الاسكار تحدث عقب شرب الخمر وليس بسبب شرب الخمر وذلك لأن الخمر تزيل موانع ومعميات تعوق العقل عن ادراك الجمال فدور الخمر هو تحرير العقل من الموانع والمعميات فقط وانما العلة الحقيقية لحالة السكر هي ادراك العقل للجمال ولا معنى للجمال الا ادراك تناسب وتكرار واتفاق في الاشياء لأن هذه الامور هي من مقتضى الغريزة التي تسمى عقلا واذا نالت الغريزة مقتضاها شعرنا باللذة حتما واستغرقنا فيها وبالتالي سكرنا فصارت النفس واقعة بالضروة تحت سلطان الخيال وقهره بما يعرضه عليها من صور متخيلة تحاكي مدركات العقل — وكما أن الخمر سبب لزوال موانع ادراك العقل للجمال فكذلك هناك أسباب اخرى سوى الخمر يمكن أن تزيل هذه الموانع وقد تكلمنا عن أول حالة لهذه الاسباب عند الكلام عن خمرة الاطفال وذلك لأن موانع ادراك الجمال مزالة اصلا عن الاطفال ولم توجد فيهم بعد فكذلك هناك حالات اخرى سوى الاطفال تزال فيها الموانع والمعميات بأسباب سوى الخمرة المحسوسة وسوف نتكلم عن هذه الحالات الاخرى عند الكلام عن خمرة الفن والمفكرين والصوفية في المقال القادم.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك