كل ما تريد معرفته عن طبيعة الصراع داخل تركيا !

تركيا .. صراع متعدد الطبقات – د. محمد عجلان 

بعد الحديث الكثير حول الوضع الاقتصادي في تركيا منذ تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة، حاولت أن أتعرف على هذا الملف حتى أستطيع معرفة حقيقة ما يحدث على الأرض التركية، خاصة أن الاقتصاد هو عصب السياسة، ولا يمكن قراءة الخريطة السياسية دون معرفة الحقائق الاقتصادية، وإن كان تأثير التحركات السياسية لا يقل خطورة على الأوضاع الاقتصادية من تأثير الاقتصاد على السياسة. بعد قراءة معقولة لبعض تفاصيل الوضع التركي، يمكن القول: إن متابعة الوضع السابق على وصول الإسلاميين إلى السلطة في تركيا تؤكد بالأرقام أن الحالة الاقتصادية كانت بائسة قبل عام 2002، وتشير الأرقام أيضاً للطفرة الاقتصادية التي حدثت خلال 10 سنوات من وصول حزب أردوغان للسلطة، وبقليل من المتابعة نجد أن ثمة تخبطات تضرب الاقتصاد التركي منذ عدة سنوات، ربما هي عمر ما يسمى بالربيع العربي.

بالطبع الطفرة التي حدثت في الأوضاع التركية حقيقية وموثقة بالأرقام وليست مجرد تزييف من قبل السلطة، بل كانت واقعاً على الأرض شعر به المواطن التركي، والذي ارتفع دخله على مدار عقد من الزمان بشكل ملحوظ. وأبرز ما يلفت النظر في الفترة التي تولى فيه حزب العدالة والتنمية للسلطة هو الاهتمام الكبير بأهم قطاعين وهما التعليم والصحة، وهذا سوف يكون له دور بالطبع في تحديد الانحيازات الشعبية لصف أردوغان على المدى القريب على الأقل، خاصة أننا لا يمكننا الحكم على الانحيازات الشعبية في حال ضعف الاقتصاد عن الوفاء بالتزامات النظام السياسي الاجتماعية. إلا أن الاقتصاد التركي منذ حوالي 4 سنوات تقريباً بدأت تظهر به عدة تخبطات، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن كل الاقتصادات العالمية تعاني من وقت لآخر من فترات ركود، يمكن أن تصيب أي اقتصاد في أي مكان بالعالم مهما كانت قوته، فإمكانية الخروج من الأزمات الاقتصادية أمر وارد ولا يعني أن الاقتصاد التركي سقط أو مهدد بالسقوط.

لكن يجب أن نعي تماماً أن ثمة تخوفاً من الأوضاع السياسية غير المستقرة في تركيا، ليس فقط منذ فشل انقلاب 15 يوليو، ولكن التخوف سابق على الانقلاب، فقد كانت لسياسات أردوغان الداخلية وتوجهاته للتمدد في محيطه الإقليمي، آثار سلبية على الوضع الاقتصادي، حيث أثّر ذلك على حالة الاستقرار السياسي الجاذبة للاستثمار الخارجي، مما أدى إلى تراجع حجم هذا الاستثمار، بل وأثر على فرص انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن جزءاً من التوجه الإصلاحي في تركيا كان أحد حوافزه هو تقديم شهادة قبول من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي، وهذا بالطبع ليس أمراً مستهجناً، بل بالعكس هو أحد الفرص التي سيبحث عنها أي بلد في مكان تركيا، فهو يُحسب للنظام التركي ولا يُحسب عليه.

لكن السؤال المطروح الآن، إذا كانت تحركات أردوغان السياسية قبل الانقلاب قد أثارت حفيظة الاستثمار الخارجي، والذي أثر بدوره سلباً على الاقتصاد، فهل مرحلة ما بعد الانقلاب والتي شهدت تحركات شديدة القسوة لتصفية الخصماء السياسيين خاصة امتدادات فتح الله غولن داخل تركيا، هل هذه الخطوات سوف تمثل ضغطاً مضافاً على الوضع الاقتصادي التركي؟ ناهيك عن الأوضاع السياسية والتي ربما أدت إلى خلق حالة من الاحتقان بعد تحركات أردوغان المحمومة ضد خصومه بعد الانقلاب الفاشل، سواء داخل المنطقة المعروفة بـ “روملي” أي المنطقة الأوروبية في تركيا، خاصة أن البعض يرى أن الصراع الحادث في تركيا منذ سنوات طويلة هو بين منطقة الأناضول بثقافتها الإسلامية، ومنطقة الروملي بثقافتها الأقرب إلى الغرب، ومن ناحية أخرى داخل المنطقة ذات الصبغة الإسلامية ذاتها، خاصة في ظل حصار تيار غولن.

لذا يجب أن نعترف أن الصراع في تركيا أعقد من مجرد صراع مع عسكريين بالمعنى المتعارف عليه في الشرق، بل هو صراع بين نموذجين ثقافيين، فالعسكريون في المنطقة العربية لا يمثلون بنية ثقافية مناوئة لبنية ثقافية إسلامية، بل هو نموذج لا جذور ثقافية له، بل هو مجرد صراع على السلطة مع أي تيار آخر مناوئ، سواء كان إسلامياً أو ليبرالياً أو اشتراكياً، بل ويمكن القول: إن النموذج العسكري في الشرق العربي يمكن أن يلبس أي عباءة تسهّل عليه أمر استمراره في السلطة. لكن الوضع في تركيا مختلف عن ذلك تماماً، والصراعات أعقد بكثير، حيث يمثل الجيش قيّماً على أمر علمانية الدولة، ويعتبر نفسه المدافع الشرعي عن أي محاولة للمساس بها، وله أنصار على الأرض من مؤيدي هذه العلمانية. فإذا كان من الممكن إسقاط الحكم العسكري في الشرق بثورة شعبية أو ما شابه، لكن الأمر في تركيا شديد التعقيد؛ بسبب جذوره الثقافية من ناحية، وما يتعلق بذلك من تأثيرات على المصالح الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية للطرف المنتصر من ناحية أخرى، ففي حال سيطرة العسكريين يكون التهميش من نصيب الطرف الإسلامي، سواء كان تهميشاً سلطوياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، ويبدو أن سيطرة الإسلاميين تتحرك في نفس مخطط تهميش الطرف الآخر بل والقضاء عليه.

ومما يزيد الصراع التركي تعقيداً، فإنه إلى جانب الصراع التقليدي ما بين النموذجين الثقافيين الإسلامي والعلماني، بما يمثله كل منهما من قواعد بشرية وقوى اقتصادية وسياسية على الأرض، فإن ثمة بعداً آخر للصراع داخل المعسكر الإسلامي ذاته، بل ربما كان هو الأبرز في مرحلة ما بعد الانقلاب، حيث يقوم أردوغان حاليا بعملية تصفية لتيار فتح الله غولن، وكأن أردوغان يدخل في أكثر من معركة على الأرض التركية، معركته التقليدية مع الخصماء القدامى من العسكريين، ومعركته المتوقعة بالطبع مع فصيل رغم إسلاميته إلا أنه يمثل قوة على الأرض، وهو تيار فتح الله غولن. الصراع لم يتوقف في تركيا منذ إعلان دولة أتاتورك العلمانية، ويبدو أنه سوف يستمر لفترة قادمة، بل سيأخذ أبعاداً جديداً بدخول التيار الإسلامي على خريطة الصراعات البينية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك