خمرة المفكرين وأسرارها – بقلم: خيال بعيد

خمرة المفكرين وأسرارها – بقلم: خيال بعيد

وهل هناك خمرة للمفكرين ؟؟!!–اقول نعم بل هي من اشد انواع الخمور اثارة لحالة الاسكار التي تكلمنا عنها وليس أي اسكار بل اقوى اسكار واعنف اسكار وأطول اسكار ولا عجب في ذلك لو تأملت فيما ذكرناه في السابق ان حالة الاسكار لا معنى لها الا انشغال العقل بمدركاته التي توافقه بالطبع مثل ان يدرك تماثلا او تباينا او تكرارا او تلازما او تعاندا او تجانسا او تشاكلا او وحدة او كثرة فكل هذه الادراكات هي مقتضى العقل بالطبع فلا عجب بعد ذلك لو التذ بها وانشغل بها وغفل عن كل شئ سواها من محسوس ومتخيل ولا عجب بعد ذلك ان يتوحد العقل توحدا كاملا مع هذه المدركات فيسهو عن مدركات الحواس والخيال ويغفل عن النفس واحوالها وتقلباتها فهو مشغول بمحبوبه وهل احب عنده من ادراك التماثلات والتباينات والتوافق والتناغم سواء أكان في الفاظ او في معاني او في حركات او في صور ورسومات ولا عجب بعد ذلك ان ينتهز الخيال الفرصة فيقوم بمحاكاة كل ما ادركه العقل من معاني وعلوم بصور متخيلة فتنفعل النفس لهذه الصور المتخيلة وتتقلب في الاحوال بسبب انفعالها عنها ولا عجب بعد ذلك لو قلنا ان للمفكرين خمرة مسكرة وكما ان شارب الخمر المحسوسة ينسى شواغل الحياة ومألوفاتها عند شربه للخمر فينتبه عقله للتناسب والتماثل والتباين الموجود في المحسوسات فيلتذ بهذه المدركات ويستغرق عقله فيها بكل كيانه فكذلك المفكرون يشربون خمرة الفكر فتنتبه عقولهم لما في المحسوسات من تماثل وتباين وتعاند وتضاد وتكرار ووجود وعدم فتنشغل عقولهم بهذه المدركات ويستغرقون فيها بكل كيانهم ويدركون لذات عجيبة تجعلهم لا ينتبهون لما حولهم من محسوسات ولما يقوم به الخيال الانتهازي من تصوير لهذه المدركات العقلية المحضة بصور متخيلة تنفعل لها نفوسهم فتتقلب في الاحوال

خمرة نادرة
اما السبب في ندرة خمرة المفكرين فلأن الناس لا يشربون هذه الخمرة وذلك لأنهم لا يفكرون اعني لا يفكرون في المعقولات بل تفكيرهم منحصر في المال والجاه والعيال والطعام والشراب وموالاة الاصدقاء ومعاندة الاعداء فكل اوقاتهم تمر وهم مستغرقون بالتفكر في هذه الاشياء فمتى يتفكرون في المعقولات ومتى ينظرون لهذا الكون الساحر العجيب ويتأملون في دقائق الابداع والدقة والنظام والتناسب والاتساق في موجوداته وحركاته فمابالك لو اضفنا لذلك أنهم قد ألفوا هذا الكون وتكررت مشاهدتهم له فسقط من قلوبهم التعجب منه او ادراك ابداع او اتساق او تناسب وهنا سر ندرة هذه الخمرة وذلك لندرة من يفكر او يتفكر من اجل معرفة هذا العالم وأسراره ومتى يتفكرون فيه وهم مشغولون بالبطن والفرج والمال والجاه ومحاباة الاصدقاء والتربص بالاعداء ومتى يتفرغ القلب للتفكير في الجمال الكوني وهو مكبل بشهوات تستجره في اودية الافكار والأماني ولكن هناك حالات نادرة جدا من الكائنات البشرية هي مفكرة بالطبع اي في نفوسهم ميل طبيعي قهري للفكر من أجل المعرفة لا من أجل جلب المنافع ودفع المضار وهذا الميل الطبيعي يجعلهم يمارسون التفكير بكثرة فيدركون تماثلا وتباينا وتكرار وتضادا وتعاندا وتناسبا واتساقا فتنبهر عقولهم بهذه المدركات وتلتذ بها لأنها مقتضى العقل بالطبع فتبعثهم هذه اللذة العقلية على مزيد من الفكر ومزيد ومزيد ولا شبع ولا قناعة في هذا الطريق بل ظمأ لا يرتوي

ظواهر خمرة المفكرين
هناك ظواهر عجيبة عند المفكرين هي توابع لتعاطي خمرة الفكر ربما يستغربها من لم يعرف سببها وأصلها ولذلك تجد الناس يصفون المفكرين بأنهم (غريبو الاطوار) وذلك لأنهم يرون منهم سلوكيات غريبة عجيبة غير مفهومة لهم ولا يعرفون لها سببا معتادا معقولا ومن أمثلة هذه الظواهر حب العزلة وسرعة الانتقال من فرح لحزن ومن بكاء لضحك وكذلك (الكلام مع النفس ) وكذلك الغفلة الدائمة عن المحسوسات مثل الاصطدام بالجدران او الوقوع في حفرة او الاستمرار في المشي في طريق بلا هدف او ربما هناك هدف ولكن ينسونه وكذلك ردود الافعال الغريبة تجاه الاحداث وكذلك الشعور بالغربة بين الناس وعدم الانس بهم فكل هذه ظواهر سلوكية للمفكرين تثير التعجب والدهشة عند الناس وذلك لأنهم يرونها شذوذا وخروجا عن الفطرة والطبيعة وهي ليست كذلك بل لها اسباب طبيعية ولكن هذه الاسباب نادرة الوجود وندرتها تجعل الناس يظنون انها خروج عن مقتضى الطبيعة والفطرة ولو أنك تأملت في مفهوم (خمرة المفكرين ) كما شرحناه لما استغربت من هذه الظواهر بل وجدتها منطقية جدا وطبيعية بل تجد ان عدم حصولها هو الغير طبيعي والغير منطقي ولكن كما قلنا فإن جهل الناس بالسبب النادر يجعلهم يظنون ما يترتب عليه شذوذ وخروج عن الفطرة ولكن من عرف السبب فسوف يرى الأمر طبيعيا جدا

تعليل هذه الظواهر
أما حب العزلة عند المفكرين فله سببان اما الاول فهو انهم يلتذون بالفكر ولا يمكن ممارسة الفكر الا بالعزلة ولذلك فهم يحبون العزلة وأما السبب الثاني فهو أن ممارسة التفكير تجعل وعيهم بالحياة والكون يزداد عمقا فتتسع المسافة بين وعيهم وبين وعي الناس فيحدث تنافر بين القلوب لتباين وعيها ولذلك تجد المفكرين لا يألفون الناس ولا يأنسون بهم وكذلك الناس تجدهم لا يألفون المفكرين ولا يأنسون بهم فيحدث تواحش بين قلوبهم فتكون النتيجة هي تجنب معاشرتهم ولا عجب بعد ذلك لو وجدنا أن اغلب المفكرين اكثروا من التفكير حول الناس وكيفية التعامل معهم فهي مشكلة جوهرية عند اي مفكر بسبب ادراكه لعدم قدرته على التعامل مع الناس وذلك لأن هناك تضاد دائم وتنافر بين وعيه بالعالم ووعي الناس بالعالم فلا عجب بعد ذلك ان يميل المفكر للعزلة وان يميل لتجنب معاشرة الناس او مخالطتهم ويتحصن بسجن الانفراد فكل مفكر هو (رهين المحبسين ) وليس المعري وحده — اما بالنسبة لسرعة التقلب من حزن لفرح ومن فرح لحزن وهو ما يسميه الناس (بدوات او تقلب الاطوار) فسببه هو ان المفكر يمارس الفكر كثيرا فلحظة تقوده الافكار الى معاني مفرحة وفي اللحظة التي تليها تقوده الى معاني مؤلمة ومحزنة فلا غرابة بعد ذلك ان تجد المفكر يضحك في لحظة ثم يبكي في اللحظة التي تليها ولا غرابة ان تجده منقبض واجم في لحظة ثم تجده منبسط منشرح الصدر في اللحظة التي تليها –واما بالنسبة للكلام مع النفس فسببه هو ان المفكر يدرك معاني معقولة ويستغرق فيها فيقوم الخيال بمحاكاة هذه المعاني المعقولة بصور متخيلة تماما مثل السكران فتجده يكلم نفسه او يكلم شخص اخر غير موجود اصلا بل هو يتخيله فقط واحيانا يكون هناك حوار فلسفي عميق مع هذه الشخصيات المتخيلة وكل هذا بسبب الخيال الذي لا يتوقف عن التصوير والتجسيم للمعاني المتفكر فيها فتنفعل النفس عن هذه الصور

المفكرون والتناقض
كما ان المفكر يدرك تماثل وتباين واتساق وتناسب فيسكر فكذلك هو يدرك تناقض والتناقض هو بمثابة الوحش المرعب للعقل وعندما يدركه العقل فأنه يصاب بالحيرة وهذه الحيرة مؤلمة وذلك لأن التناقض بين المعاني والتصورات غير موافق لمقتضى طبيعة العقل بل هو يكرهه ويحاول ان يتخلص منه بكل الطرق لأن ادراكه مؤلم اي ادراك العقل للتناقض يثمر الما في النفس واحيانا تصل حدة التناقضات بالمفكر الى السقوط في هاوية سحيقة هي (هاوية الشك ) وذلك لأن العقل لا يتناقض مع ذاته الا إن كان هناك خطأ في مقدماته ومسلماته ومعتقداته او كان هناك خطأ في كيفية التفكير الصحيح وهذا معناه ان التناقض باعث قوى على الانجرار الذهني للشك ثم هذا الشك قد يبدأ خافتا ثم يزداد تدريجيا حتى يصل الى مراحله القصوى حيث الشك في حواسك وعقلك وشكك نفسه وهذه الحالة من الشك العنيف هي من اقسى الحالات التي يمكن ان تمر على العقل وربما تدفع البعض منهم للانتحار او الجنون او الهرب لعالم اللذات الحسية او تعاطي المخدرات من اجل النسيان فكما ان التناسب والاتساق نعيم لا نهاية له فكذلك التناقض عذاب لا نهاية له ولا يساوية الحرق بالنار في شدة الألم ولذلك فليس من المستبعد ان يكون (التناقض ) هو اعظم انواع العذاب في الاخرة ولن يفهم هذه الجملة حق الفهم الا مفكر او صوفي او من جرب التناقض

اسرار خمرة المفكرين
نعم هي اسرار واسرار واسرار بعضها يمكن ان تشرحه الالفاظ والعبارات وبعضها لا يمكن ان تحيط به العبارات بل يجب ان تجربه بنفسك حتى تدركه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك