اللغة والعقل والواقع – بقلم: ابن قرزبيل

اللغة والعقل والواقع – بقلم: ابن قرزبيل

بداية نود القول أننا نعتمد أن الوجود له قسمان ، الوجود الموضوعي الماثل أمامنا ونستشعره بحواسنا ، والوجود الذهني الموجود داخل الدماغ الانساني حيث نعتقد أن الانسان يملك بدماغه جميع الاشياء الموجودة في الكون لكن بصورة مجردة ، ويختلف الوجود الموضوعي عن الوجود الذهني في أن الموضوعي محسوسا نعرفه بالحواس وأن الذهني مجردا نستشعره بالعقل ، ونقول لو لم يكن هناك وجود ذهني مجرد لما كانت هناك امكانية خيال انساني _حيث لا تملك الحيوانات خيالا كما الانسان_ ولقد جاء العلم حديثا بأن كل ما يمكن تخيله يمكن تحقيقه تماما يوما ما ، ومن ثم نقول أن اللغة هي الأداة الواصلة بين الوجودين المذكورين وأنها أساس الفكر والعلوم .

فعندما تتحدث اللغة عن مفهوم معين فإن ذلك يعني أن هذا المفهوم كائن خارج الوعي الانساني وما قامت به اللغة عبارة عن تصوير _ربما يكون دقيقا_ لذلك المفهوم لا للاستدلال به او استثارة قضايا به ، انما لاستثارة المخزون الدماغي العلمي لكسبه في معرفة الوجود الموضوعي للمفهوم ، بمعنى أن اللغة في مقامها الأول تقوم بحث خبرات الذهن والوعي للفرد للوصول لمفهوم معين لتطابقه الذهني مع الواقع .

اللغة لا تنتج مفهوما جديدا لكنها تستحث الواقع لإنتاج مدلول معرفي يوازي الوجود الموضوعي لأي مفهوم معين ، من هنا تتأكد عدم اعتباطية اللغة في إنشاء كلمات ومصطلحات ومفاهيم ، فاللغة عبارة عن مجهود ذهني فردي يحاول المطابقة بين وجود موضوعي خارج الوعي وبين وجود تجريدي داخل الدماغ ، ونعني بالوجود التجريدي داخل الدماغ إمكانية الدماغ على التعرف على المفاهيم في صورتها الموضوعية نسبة لوجودها السابق بصورتها المجردة في الدماغ الانساني ، فاللغة تحاول الربط بين وجود موضوعي ماثل أمام الإنسان وبين وجود تجريدي داخل دماغ الانسان وبالتالي اعتبار أي من هذين الوجودين اعتباطيا سيسبب خللا في الوعي ، فاعتبار اعتباطية الكون أو الوجود الموضوعي يسبب الخلل المنهجي العلمي المؤدي الى العدمية وربما الى الالحاد ، واعتباطية الوجود الذهني يسبب خللا منهجيا يؤدي الى القول بصدفة وجودنا الموضوعي على هذا الكون ؛ اذ لو لم نكن قد أتينا الى هنا عن طريق الصدفة فكان من المفترض أن تكون لنا القدرة على معرفة هذا الوجود موضوعيا وذهنيا وإلا فنحن موجودون اعتباطا لا لهدف معين أو خالق معين لأننا لو كنا موجودين لهدف للخالق فكان عليه ان يلهمنا كيفية تحقيق الهدف ولأننا لا نعرف الهدف فوجودنا صدفة .

دور اللغة هنا أنها الطريق الواصل بين هذين الوعيين او الوجودين ، الوجود الموضوعي والوجود الذهني ، فإن أخفقت اللغة في الربط بين الوجودين فإن هذا سيسبب انفصاما عظيما ، حيث الباحثون في الوجود الموضوعي لا يستطيعون التعبير عن أبحاثهم بصورة يفهمها الجميع _مثل الباحثين في مجال العلوم _ ، والباحثون في مجال الوجود الذهني لا يستطيعون كتابة أفكارهم بصورة يفهمها الجميع _مثل الفلاسفة_ فبالتالي تكون هناك أزمة نصف علمية وبالتأكيد سببها اللغة .

الحل يكمن في تمكين الجميع من اللغة بصورة تتيح للجميع امكانية الفهم والتحدث والتعبير الدقيق ، وهذا يستوجب أن اللغة لا تتبع أيا من الوجودين لكنها كما سبق طريق للربط بين الذهن والموضوع بمفهوم واحد ينطقه اللسان ويفهمه العقل ويأخذ موقعه الموضوعي في الكون ، بالتالي ينبغي على اللغة أن توازن بين الوجودين فينبغي صياغتها بحيث تعبر وحداتها البنائية الصوتية (الحروف) عن دلالات ذات وجود موضوعي ، وتصاغ مصطلحاتها ومفاهيمها وفق طريقة علمية بحيث يكون مجموع الوحدات البنائية المستخدمة في المصطلح أو المفهوم تعبر عن ماهية المفهوم الموضوعية ، بهذا يكون المفهوم الذهني مطابقا تماما لماهيته في الوجود الموضوعي الماثل أمامنا ، وبالتالي نضمن عدم حدوث أي انفصام بين الباحثين الموضوعيين والباحثين الذهنيين ، وتكون لغتهم جميعا واحدة ، ولضمان حدوث هذا ينبغي التسليم أولا بعدم اعتباطية الوجود الموضوعي وأيضا عدم اعتباطية الوجود الذهني ، ولنبحث لغة يفهمها الجميع ، لغة ذات مفهوم واضح يعبر تماما وبمنتهى الدقة عن الوجود الموضوعي ليماثل الوجود الذهني .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





-->

تعليقات الفيسبوك