التعايش مع القبح – بقلم: سامح عبد الله

التعايش مع القبح – بقلم: سامح عبد الله

في ظني أن القبح ليس هو أخطر الأشياء التى تواجه مجتمعا. فما من مجتمع في هذا الكون إلا وهو يواجه درجة من درجات القبح تختلف بطبيعة الحال بين مجتمع وآخر وبحسب ثقافته ومدي تقدمه وتحضره.. هذا طبيعي ويتفق مع المكون البشري الذي تتكون منه المجتمعات.

لكن الأخطر كما قلت هو أن يتعايش مجتمع مع القبح بمعناه الواسع بحيث يصبح جزء في تكوينه وسمة في شخصيته وبحيث لم يعد مزعجا أو مقلقا بالنسبة له.

هنا نكون في مواجهة شيء أخطر من القبح..
التعايش معه !
تخيل معي مجتمع تتعرض لغته التى تعبر عن كيانه وسط هذا المجتمع الكبير الذي يسمي بالعالم ولهجته التى تعبر عن تراثه إلي هذا الكم الهائل من التشويه وبدلا من أن يقاوم يتعايش معه ثم يصبح هذا التشويه شيء معتاد لا يزعجه أو يكون مصدر قلق عنده..

تخيل أن مجتمع أصبح الفن عنده بهذه الحالة المزرية وبدلا من أن ينتفض للدفاع عن أحد أهم مكوناته الثقافية يتعايش مع هذه الحالة ثم يصبح الأمر وكأنه معتاد..!

تخيل أن مجتمعا ورث مخزونا ثقافيا هائلا من أدب وموسيقى يصبح هذا هو الأدب الذي يقدم له وتلك هي الموسيقي التى تقدم له وبدلا من أن يلفظ مثل هذا القبح، يتعايش معه وكأن شيء لم يحدث وكأن مسخا وتشويها لم ينالان منه

تخيل مجتمع كان في وقت ما يقرأ للعقاد والمازني وطه حسين والحكيم وغيرهم من الأدباء العظام أصبح يسلم عقله كل ليلة لعشرات الذين يلقون به كل هذا الكم من البذاءات والخرافات والتفاهات وبدلا من أن يقاوم هذا القبح، يستسلم له ثم يتعايش معه وأخيرا يدمنه مثل السموم..

تخيل هذا المجتمع الذي حافظ علي هويته خلال ثماني عقود من الإحتلال الإنجليزي و وثلاث عقود أخري من الإحتلال الفرنسي بكل أدواته الثقافية الرهيبة هو نفس المجتمع الذي يتخلي طوعا عن هويته مقابل هذا المسخ الذين يسمونه إعلاما..!

تخيل هذا المجتمع الذي شغلته في وقت ما قضية مثل التى أثارها طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي تشغله اليوم الخرافة والكذبة والفضيحة أكثر من أي شيء

تخيل هذا المجتمع الذي عرف معني الجمال في أبسط الأشياء هو نفس المجتمع الذي فقد الإحساس بالجمال وبتذوق الجمال رغم ما يحيط به الآن من وسائل لم تكن متاحة له من قبل.

تخيل هذا المجتمع الذي كانت مبانيه قمة في الذوق المعماري والهندسي يتعايش اليوم مع قطع خرسانية صماء تسمي عقارات وأبراج..!

لم يعد يغضبنا القبح وتعايشنا معه والنتيجة أننا أضحينا أضعف من مجرد التفكير في مقاومته..
أنا أكتب شخصيا هذه الكلمات و أعلم أنها لن تكون أكثر من صرخات في البرية..
لكن كل ما أملك أن أقوله ورغم اي شيء.. قاوموا القبح.. فربما يأتي يوم نتذكر فيه كم كنا أجمل بكثير في ماض كان بسيطا وكم صرنا مشوهون وسط حاضر صاخب يسمونه كذبا تقدم..
قاوموا فنحن المعادلة… عقدتها… وحلها.

سامح عبد الله.





تعليقات الفيسبوك