عن التاريخ والفكر والإنسان – بقلم: عادل أحمد

عن التاريخ والفكر والإنسان – بقلم: عادل أحمد

1/    ا لحياة الإنسانية هي وعي التاريخ ، الذي هو حركة الزمن ، أو حركة في الزمن . وإذ تنبثق الأفكار من العقل ، من الوعي ، فان الفكر والحالة هذه هو محصلة لحركة التاريخ وصيرورته ،حركة التاريخ المتضمنة حركة الزمن وحركة الناس . فالتاريخ ، الذي هو صيرورة دائمة للإنسان واللغة والفكر ، هو بنفس الوقت ، سيرورة للأحداث ، وتعاقب للزمن .
التاريخ تقدم نحو الأمام ، ليس تقدما خطيا صاعدا ولا دائريا ، إنما هو تقدم حلزوني حسب مفكرنا الياس مرقص والذي يعيده إلى الماركسية . وفي كل تقدم هناك جديد ، هذا الجديد إنما يولد في رحم القديم وعبر الصراع معه . فالتاريخ لا يعرف الانقطاع .. وفي صيرورته التراكمية والصاعدة ، نتلمس التناقضات والصراعات التي تلد لنا لحظة تاريخية نوعية جديدة . لكل لحظة من هذه اللحظات لغتها وفكرها ، معطياتها وثوابتها .
إذ نزعم أنه ليس في التاريخ لحظتان متماثلتان ، نؤكد في الآن نفسه على إمكانية وجود تشابه ما بين لحظة تاريخية وأخرى . وفي كل مرة يقفز فيها التاريخ نحو الأمام ، تقفز معه وبه طبقة اجتماعية جديدة ، كما يقفز معها وبها ، ثم تحمله على أكتافها رزحا من الزمن تشيخ فيه ، في حين تكون قد تكونت خلال ذلك طبقة جديدة أخذ ساعدها يشتد وشبابها يزداد نضارة .
من الحق القول أن هذه الفكرة لا تشكل قانونا ينطبق على كل اللحظات التاريخية ، فلكل قانون استثناء ، ومن الممكن لهذا الاستثناء أن يحدث في مجرى التطور التاريخي هنا أو هناك ،وعليه فان المنطق يفرض علينا أن نحدد القانون ، وأن نتعرف على الاستثناء حين يحدث .

2/   إن الدارس لتاريخ المنطقة يمكنه أن يتعرف بسهولة ويسر على أنها لم تكن الموطن الأول للإنسان فحسب ، بل كانت أيضا الموطن الأول لنشوء الحضارة . وحين نقول الحضارة نعني الزراعة ، الثقافة > Culture< . كما كان لها الفضل الأول على البشرية بإعطائها الكتابة التي تحولت لتصبح أداة تخزين الذاكرة الإنسانية والتاريخ معا .
ومع كل حركة انتقال / من تشكيلة اقتصادية إلى أخرى / كانت تحصل حركة تجدد اجتماعي . بمعنى أن الحامل الاجتماعي للشكل الاقتصادي الجديد ينشئ علاقات جديدة وعادات جديدة كما يضع قوانين جديدة وأخلاقا جديدة وعقائد جديدة ، ولكي يتم كل هذا كان لا بد من سلطة تتبنى هذا الشكل الاقتصادي وتتفاعل معه وتدعم كل ما يترتب عليه .
هذه الانتقالات العديدة التي عرفتها شعوب هذه المنطقة من العالم ، ونعني الانتقال من التقاط الثمار إلى الصيد إلى تدجين الحيوان إلى الزراعة والرعي إلى نشوء الحرف اليدوية مرورا بالتبادل والتجارة ، كل هذه الانتقالات وما رافقها هي التي قدمت لنا ذلك التراث الهائل من العقائد والعبادات والأخلاق والقوانين والأديان التوحيدية وغيرها ، وبالتالي ولدت دولا وممالك عديدة منها ما اتخذ شكل إمبراطوريات كبيرة ، ومنها ما ظل ضمن إطار الدولة – المدينة .
في سيرورة هذا التطور الطويل والبطيء في آن معا تلفت نظرنا ظاهرة هامة تكاد تشكل ناظما عاما لهذه السيرورة . تتمثل هذه الظاهرة في أن هذه الجماعة البشرية أو تلك كانت تعيش حياتها وتبني عالمها الجديد وأنظارها دائما متجهة ، بل ومشدودة ، نحو الأجداد، نحو السلف العظيم . ومع أن هذا لم يمنعها من أن تؤثر في غيرها من الجماعات وتتأثر بهم ، إلا أن هذا الانشداد نحو الماضي ، كان يشكل كابحا أمام عملية التطور التاريخي المفتوحة أمامها . وبدلا من أن تتضافر جهود الجماعات وتتوحد لتحسين شروط حياتها ، كان الشعور الجمعي بالانتماء إلى الماضي يولد فيما بينها صراعا على المصالح الضيقة ومن أجل إعلاء شكلي لاســـم هؤلاء

– 2 –

الأجداد أو الآباء – الآلهة ، وتمجيدهم ، فتحدث الحروب التي ترافقت في أغلب الأحيان مع إنهاء دول بأكملها ، وزوال شعوب وإفنائها أحيانا . أدت هذه الظاهرة ، ليس فقط إلى بطء عملية التطور الحضاري للإنسان في هذه المنطقة ، بل والى تشوهات في التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي .
إن تخريب وإفناء مدنية كاملة كانت تمثلها هذه الدولة أو تلك ، وإزالة وإتلاف كل إنجازاتها الحضارية وآثارها العمرانية والعلمية وغيرها ، لا يشكل فقط حالة وحشية أخلاقيا ، بل كان يحرم أيضا المنتصر نفسه من الاستفادة من هذه الإنجازات . إذ بدلا من أن يكمل وينمي ويطور ما بدأه الآخرون نراه يعمد إلى البدء من جديد ، وبالطبع ، فان هذا لا يعني أن المنتصر لم يأخذ عن / أو يتأثر ب / المهزوم إطلاقا ، بل إن  هذا الذي كان يأخذه لا يمثل سوى القليل القليل ، حارما نفسه بذلك من الكثير الكثير مما كان من شأنه أن يوفر عليه أمدا طويلا وتضحيات شاقة احتاجها للوصول إلى ما وصل إليه .
3/   من الممكن ن بالطبع ، ملاحظة – وبإعجاب يثير الدهشة – كيف أن الصيرورة التاريخية والفكرية والحضارية لهذه المنطقة لم تعرف الانقطاع ، فمن السهل تتبع قصة الطوفان الواردة في القرآن بشكل نعود معه إلى التوراة العبرانية ، والى الأسطورة البابلية ومن قبلها السومرية . كما هو من السهل العودة بكثير من العقائد والعبادات والأفكار الدينية وتصور الآلهة والعادات والتقاليد إلى أيام فجر التاريخ في سوريا وبلاد الرافدين ، في أوروك وسومر ونينوى وبابل وايبلا وغيرها وغيرها . ولطالما أجمع المؤرخون والبحاثة وعلماء الأديان على أن الإسلامي ، الرحمن ، الرحيم ، الغفور،  القوي ، القادر ، القاهر ، القدوس ، التواب ، هو العبراني الذي مركبته السحاب وصوته الرعد ، انه المنتقم ، الجبار ، العظيم كسلفه حدد العظيم  السومري ومردوخ البابلي . ( لمزيد من الإطلاع ، يرجى العودة إلى : فراس السوّاح –
لغز عشتا ر ) .
وليس التقارب بل والتشابه بين اللغات السامية من كنعانية وآرامية وعبرية وعربية وغيرها إلى حد تصنيفها في عائلة واحدة ، إلا شكلا آخر من أشكال عملية التفاعل والتلاقح الحضاري الذي عرفته المنطقة في عملية تطورها التاريخي .
والى جانب ظاهرة الانشداد نحو الآباء والأجداد التي قصرت تطلع الإنسان نحو الماضي وحدت من تطلعه نحو المستقبل إلى حد كبير ، تدهشنا ظاهرة أخرى ، فريدة ، بل واستثنائية ، وهي أن الديانات التوحيدية الثلاث التي عرفتها البشرية ، قد ولدت في هذه المنطقة ، ومنها انطلقت لتنتشر في أنحاء الكوكب .
استثنائية هذه الظاهرة ، فرادتها ، لا تكمن في وحدة الموطن فحسب ، وإنما تتأتى من أن هذه الأديان – متميزة عن العقائد الأخرى – لم تنشأ نتيجة ل / وعبر الانشداد نحو الماضي والتطلع إلى الأجداد فقط ، بل إنها إضافة إلى أن كل منها كمل الآخر وأضاف إليه وطوره ، وضعت هذا الماضي دعامة لها وركيزة . لقد تطلعت ليس إلى الماضي فقط ، بل إلى الأمام ، إلى المستقبل ، إلى الكلية والشمولية واللانهائية ، وبالتالي ، كانت تعبيرا منسجما عن قانون التطور التاريخي وتأكيدا عليه .
4/  إننا  حين نوافق على القول أن التوحيد كان تعبيرا عن الحاجة إلى كيان اقتصادي واجتماعي وسياسي كبير وموحد ، يخدم المصالح الطبقية والسياسية لفئة أو طبقة أو مجموعة من البشر ، ندرك في نفس الوقت أنه كان تعبيرا – بهذه الدرجة أو تلك – عن طموح وتوق لتحقيق العدالة ،، وقفزة نوعية على صعيد الأخلاق ، وهو كذلك تعبير عن رغبة البشر الدفينة في تحقيق الكمال ، وتأكيد على نمو وتطور الحالة الفكرية والروحية والنفسية للإنسان . وعن اكتسابه ميزة جديدة ،

– 3 –

هي النظر إلى الكون والطبيعة والإنسان في إطار وحدة جدلية لا تنفصم عراها  ، وهي التي عبر عنها الفكر الإسلامي بتعبير “” وحدة الوجود “” .
ولنا كل الحق أن نعجب وباندهاش لقول النبي محمد (ص) : ” لا نبي بعدي ” . ترى هل كان يؤكد على أزلية الفكر والطبيعة كما رآها وصورها من خلال الوحي الإلهي عبر القرآن ؛ أم أنه كان يدرك أن الصيرورة والتقدم – اللذين لا يتوقفا إطلاقا – ستخلقان حالة اجتماعية واقتصادية وسياسية وروحية جديدة تمنع حدوث – بالأصح – تقبل نبوة جديدة .؟
المهم في الأمر ، أن هذا الذي تم يدفعنا إلى طرح التساؤل التالي : لماذا ؟ وكيف ؟ وتحت أية ظروف ، تحولت رسالة التوحيد إلى كابح للتطور ؟ مع أنها في الأصل ، هي التي فتحت طريقا بلا نهاية نحو تطور موصول ودائم ، ليس على صعيد الحياة الدينية فحسب ، بل وعلى صعيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية .
وقبل أن نتابع ، لا بد من التأكيد أننا بهذا التساؤل لا نحمل فكرة التوحيد وبالتالي الدين بشكل كامل ، مسؤولية إعاقة تطورنا وركود مجتمعاتنا ، وإنما نقصد أنه تهيأت ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية قادت إلى تربع شرائح وفئات اجتماعية معينة على سدة السلطة في لحظة – بل لحظات – تاريخية محددة ، فاستفادت من ذلك وصادرت فكرة التوحيد وشوهتها ، ثم حنطتها في إطار جامد ، وحولتها إلى قدوس مقدس ، موظفة إياه لخدمة مصالحها واستمرار سلطتها ، لاغية بذلك دور البشر في صنع تاريخهم .
إن تلك الظروف ، وما رافقها ونتج عنها ،حولت دور فكر التوحيد من أن يكون عامل تطور وتقدم ، وجوهر رقي وتسام ، وحولته ليكون سيف ديموقليس المعطل لكل تطور وتجديد ورقي ، وخاصة في ميدان الفكر الذي ألقى بظلاله الكئيبة على كل الميادين الأخرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

5/     تغيير الواقع – شأنه شأن أي موضوع آخر – يفترض إعادة النظر فيه ، كما يفترض تغييرا في التعامل معه . إن علم التاريخ وحده هو الذي يمكن من اكتشاف حركة هذا الواقع وقواه وقوانينه ، ويتنبأ بلحظاته المحتملة القادمة . انه ليس تنبؤا يقينيا ، بل هو تنبؤ يعتمد الاحتمالية المتوقفة على ظروفها وشروطها الموضوعية والذاتية .
والعلم ، منهج ، وهو على تناقض مع الأيدولوجيا ، لأنها تكبحه وتحوله إلى مفاهيم جامدة وقوانين ميتة لا حياة فيها وغير صالحة لمعالجة حركة التاريخ وصيرورته والتفاعل معهما .
ومع أن الذاكرة لا تسعفني باسم صاحب القول التالي إلا أني سأستعين به : ” لا يجب النظر إلى التاريخ كحلم سرمدي تتعاقب فصولح وحوادثه المقررة منذ الأزل . والا لالتقينا مع اللاهوتي المسيحي ليون بلوا حين يقول : ( إن التاريخ أشبه بالحلم لأنه يشاد على الزمان والزمان وهم ) . ودراستنا للتاريخ لا تتطلب أن نتحرى عن الله فيه ، وتبحث عن يده في جميع حوادثه..فتاريخ الإنسان إنما يصنعه الإنسان وحده ” .
فهل تدفعنا اللحظات الراهنة ، والتحولات التاريخية الكبرى التي تحدث أمام أعيننا ، إلى إعادة النظر في تاريخنا البعيد والقريب ، علنا نكتشف كيف يتحول ، وحركة هذا التحول وقواه وقوانينه ، وكيف نستطيع التأثير فيه لنجعله ينسجم ، ويخدم ، قدر الامكان ، تطلعاتنا ومصالح أوطاننا وشعوبنا ؟

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك