فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال

فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال – بقلم: سامح عبد الله

عنوان كتاب مثل هذا في بداية القرن الخامس عشر الميلادي كان كفيلا بأن يزج بصاحبه إلي صفوف الكافرين المارقين الخارجين عن السلطة الدينية..!
عنوان كتاب لا تمتلئ صفحاته بالخرافات وتمجيد رجال الدين المسيحيين والمسلمين كان كافيا لأن تعقد محاكمة علنية تحرق فيها مؤلفات صاحبه أمام عينه.

لقد واجه هذا الفيلسوف ظرفا إستثنائيا فريدا في تاريخ محاربة العلماء والفلاسفة.. فقد حاربته الكنيسة ووقف المسجد له بالمرصاد.. لا فارق بين شيخ وكاهن.
كانت الفكرة هى الخطر الأكبر علي سلطان رجل الدين..
وكان العقل هو الأداة التي تبعث صاحبها إلي الجحيم..

هكذا نشأ إبن رشد في قرطبة إحدى المدن الأندلسية العتيقة التي كانت يوم ما ضمن إمبراطورية تسمي الأندلس..!

نشأ الرجل يتحدث بالعقل دون أن ينسي الضمير ودون أن يتحلل من إيمانه كما أتهم بذلك..
نشأ الرجل يطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة.. ” إن المرأة كفء لأن تمارس أعمال الحرب وأعمال السلم معا وأن المجتمع العربي لن يرقي إلا إذا كف الرجل عن إستعمال المرأة لمتعته وقصر نشاطها علي البيت “

وقال في شأن الحكمة.. ” إن الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ماتقتضي طبيعة البرهان “

وقال.. ” إن أكبر عدو للإسلام جاهل يكفر الناس ”
وأنه ” إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني ”
وأن ” التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل “

ثم صرخ صرخته الشهيرة في وجه المتشددين والمنافقين من رجال الدين ” الله لا يمكن أن يعطينا عقولنا ويهدينا شرائع مخالفة لها ”
وكانت تلك هي القشة التى قسمت ظهر البعير..!
كفر إبن رشد وطرد من رحمة الله إلي جحيم أبدي حتي وهو علي قيد الحياة..
وصفه أحد رجال الكنيسة( بترارك ) ” بالكلب الذي ينبح علي سيده مولاه المسيح والديانة الكاثوليكية ”
بينما إكتفي شاعر عصر النهضة دانتي بأن يشير إليه في الكوميديا الإلهية بأنه الرجل الذي يتبوأ مقعده في الجحيم جراء كفره وإعتزاله “

وكان طبيعي أن يكون للخليفة أبي يعقوب يوسف موقفا إزاء إبن رشد وكان قد عقد أغرب محاكمة علنية في التاريخ..
كانت محاكمة للكلمة وللفكر وللعقل ومن قبل كل هذا كانت محاكمة للضمير..

جاء الناس إلي ساحة إشبيلية.. تلك المدينة التي كان قاضيها هو إبن رشد نفسه ووضعت كل مؤلفاته وغيرها من كتب إبن سينا والفرابى وابن الهيثم في حلقة واحدة ثم سكب فوقها الزيت.. وثيقاب من نار وسط تكبير وتهليل رجال الدين..
وأحرقت كتب الرجل أمام عينه..
أحرقت كتب رجل قال في وضوح أن الله خلق لنا العقل لنفكر وأنه ليس معقول أن يفرض لنا شرائع تناقض العقل..
أحرقت كتب الفيلسوف والقاضي والطبيب والفلكي والكيمائى والفيزائى..
أحرقت كتب الرجل الذي ترجم مؤلفات أرسطو بإسلوب سهل مرتب مازالت تدرس في جامعات أوربا حتي اليوم..
أحرقت كتب هذا الفيلسوف وتصاعد دخان الحكمة منها فكان أن التقطته أوربا وراحت تستنشقه حتي صنعت منه عصر من أزهي عصورها هو عصر النهضة..

تموت الكلمة.. جائز.. تحرق الحروف.. جائز..
ينفي الرجل.. جائز.. يسدل الستار علي سيرته حقبة من الزمن.. جائز..
لكن بعد أكثر من خمسة قرون علي حرق كتب إبن رشد
يقام له هذا التمثال في قرطبة البلد الذي ولد به
ومازال قائما يذكر الأجيال بأن الفكرة الصالحة أبدا لا تموت.
وللحديث بقية.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك