معلومات ربما لا تعرفها عن الدكتور مصطفى محمود

معلومات ربما لا تعرفها عن الدكتور مصطفى محمود – بقلم: ساكري البشير

لم يسبق لي أن كتبت عن المفكر المسلم الكبير “مصطفى محمود” ذلك أني لم أنته بعد من قراءة جميع مؤلفاته الأدبية والفكرية، ولكن نوره الذي إقتبسته منه، جعلني أضع ولو لمسة خفيفة، عسى أن تكون عند من لا يعرفه قبسا آخر..
مصطفى محمود ( 27 ديسمبر 1921 – 31 أكتوبر 2009 ) ، مفكر و طبيب و كاتب و أديب ومفكر وفيلسوف مصري عربي مسلم .
هو مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ ، من الأشراف و ينتهي نسبه إلى علي زين العابدين .. و كان توأماً لأخ توفي في نفس عام مولده . توفي والده عام 1939 بعد سنوات من الشلل ، درس الطب و تخرج عام 1953 و تخصَّص في الأمراض الصدرية ، و لكنه تفرغ للكتابة و البحث عام 1960 ، تزوج عام 1961 و انتهى الزواج بالطلاق عام 1973 رزق بولدين “أمل” و”أدهم”. تزوج ثانية عام 1983 من السيدة زينب حمدي و انتهى هذا الزواج أيضاً بالطلاق عام 1987
كثيراً من الناس لا يعلم عن الدكتور مصطفى محمود أكثر من كونه مقدم لبرنامج العلم و الإيمان و لم يصلهم بعد كمية الإبداع التي تركها الدكتور مصطفى محمود في أكثر من 80 مؤلف أدبي و إسلامي و علمي كانت الأكثر رواجاً و ما زالت إلى الآن بين نظيرتها .. إن الدكتور مصطفى محمود يعتبر أحد أكبر مؤلفي القرن الماضي و لم يكن مجرد مقدم لبرنامج العلم والإيمان ، و إن كان برنامج العلم و الإيمان نفسه عملاً ضخماً يصعب تكراره .. و قدم منه حوالي 400 حلقة .
ألف 89 كتاباً منها الكتب العلمية و الدينية و الفلسفية و الإجتماعية و السياسية إضافة إلى الحكايات و المسرحيات و قصص الرحلات ، و تميز أسلوبه بالجاذبية مع العمق و البساطة
و أنشأ عام 1979 مسجده في القاهرة و المعروف بـ “مسجد مصطفى محمود” و يتبع له ثلاثة مراكز طبية تهتم بعلاج ذوي الدخل المحدود و يقصدها الكثير من أبناء مصر نظراً لسمعتها الطبية ، و شكل قوافل للرحمة من ستة عشر طبيباً ، و يضم المركز أربعة مراصد فلكية ، و متحفا للجيولوجيا ، يقوم عليه أساتذة متخصصون .. و يضم المتحف مجموعة من الصخور الجرانيتية ، و الفراشات المحنطة بأشكالها المتنوعة و بعض الكائنات البحرية ، والاسم الصحيح للمسجد هو “محمود” و قد سماه باسم والده .
حازت روايته “رجل تحت الصفر” على جائزة الدولة لعام 1970و تم اختياره في عام 2001 ضمن أكثر مائة شخصية مؤثرة في القرن العشرين .
قبسات من فكره… “نار تحت الرماد”!
يعتبر كتاب “نار تحت الرماد” من الكتب الثمينة التي تحمل بين طياتها عدة مقالات جمعها مؤلفها الفيلسوف العربي مصطفى محمود، يتناول فيها أكثر القضايا حساسية في زمننا هذا، فهو يرينا آخر الطريق للتقليد الأعمى، والإتباع دون حجة وبرهان، ويفصل بين أهل الهوى وأهل الحق، ثم ينطلق داخل أعماق الإسلام كرسالة وحكم، ثم يختم كتابه بالكوارث التي تحدث في عصرها، منطلقا في تعرية أسبابها، وآثارها، وطرح الحلول اللازمة التي يجب أن نتبعها قبل أن نسقط دون رجعة..
يقول عن العصر الذي نعيشه أنه فوضوي، وهو بحاجة إلى عقلاء لتنظيمه، وأن الفوضى لم تكن لتحدث لو قمنا بترشيد بعض النخب كحصن منيع، ولم تكن لتذهب كل هذه الأرواح من لا شيء سوى إعتقاد خاطئ ناجم عن الفراغ الروحي، والظمأ الديني في ضمير كل شاب مسلم، ولكنها الأقدار شاءت أن يحدث ما يحدث نتيجة الضعف المملكة الذاتية من جهة، وضعف رجال الدين من جهة أخرى..يقول الحكيم مصطفى محمود: “وإني لأشعر أحيانا أن تحت أٌقدامنا فتيل قنبلة دينية زمنية، وأن النار تسرح في الفتيل، وأن القنبلة وشيكة الإنفجار..وأننا في أشد الحاجة إلى طلائع لترشيد هذا الحماس الديني وتنويره حتى يأتي التحول بإصلاح وليس بموجات جديدة من الجرائم، والخيط دائما رفيع جداً بين أهل الله وأهل الشيطان، خاصة إذا تلثم أهل الشيطان باللثام الديني واتخذوا المصاحف والأناجيل شعاراً ودعوا إلى الله وإلى الفضيلة والتقوى، والفارق دائما هو تلك النبرة الحادة وذلك الميل إلى التعصب”.
” والمتعصبون من جميع الأديان ليسوا في الواقع على دين سوى دين نفوسهم..فهم عابدون لذواتهم ولتصوراتهم الشخصية وليس لله الواحد الداعي إلى التواضع..”
وأن كل ما يدعون إليه المتعصبون ما هي ” إلا محاولات لترويج مصاحف بديلة وإعلان آلهة بديلة وجر الاتباع إلى ولاء أعمى وإيمان أعمى ودعوة إلى حماس ديني تختلف فيه الرايات أحيانا وتتفق، ولكنها تسير في نفس الإتجاه وتأخذ الشباب من نفس نقطة الضعف..نقطة الفراغ الديني والتعطش إلى الهدف والمثال والحق والخير.. إنها جميعا تحاول أن تقدم له همزة الوصل.. وهي همزة الوصل بين شباب مثالي مندفع وبين أهداف يزوقها كل فريق على هواه ويدعي أنها الحق..ولكن الحق هو الله سبحانه وتعالى، والله هو المنبع الوحيد للأخلاق وللكمال كما قال برغسون وكما نقول نحن في القرآن، وكما يقول كل دين..”
“والخواء والفراغ والخراب النفسي الذي يعيش فيه شباب العالم الآن هو بسبب إفتقاد همزة الوصل تلك..إن همزة الوصل الناقصة هي التي أودت بالشباب إلى هذه الإنفجارات الإنتحارية..وهي وراء كل تطرف إجرامي أو عدواني وهي وراء إدمان المخدرات وحالة الهروب والإغتراب وجماعة الهيبز..إنه دائما شباب يفتقد الهدف والغاية..”
“ولمواجهة هذه الإنفجارات التي تحدث في كل مكان لم تعد تجدي العقاقير المسكنة والعلاجات الجزئية ولم تعد تنفع الجراحات الوقتية..وإنما أصبح واجبا أن تواجه جميعها بمواجهة أسبابها وعلاجها كلها بإصلاح جذري.. ولن يتحقق ذلك إلا بأن نقدم للشباب ما ينقصه بالفعل؛ بهمزة الوصل الحقيقية التي تملأ خرابة النفس وتعمر خواء الشباب وتنور باطنه..وذلك بالدين الحقيقي والإيمان السويُّ والصلة المثلى بينه وبين ربه…بهذا وحده سوف تهدأ نفسه ويسكن وجدانه وتستعيد فطرته توازنها ويتحول قلبه المريض المنعزل العدواني إلى قلب محب مشارك مسارع إلى الخير والبذل والعطاء”.
“هناك ضرورة في العالم كله لإحياء ديني يرفع راية حق بين كل الرايات المضللة الموجودة، والإحتياج عالمي، لأن النقص عالمي والمرض عالمي والأعراض المنذرة تشهد في كل مكان على صدق التشخيص، ولبلوغ مثل هذا الهدف لا بد من إعادة تقديم الدين في أصوله النقية وبلغة عالمية عصرية تخاطب الكل في كل مكان وليس بلغة طائفية منغلقة متعصبة…لا بد من تقديم الدين في روحه وجوهريته وليس في شكلياته..الدين كتوحيد وخلق ومسؤولية وعمل بالدرجة الأولى، الدين كحب ووعي كوني وعلم وتقديس للخير والجمال”.
يقول في أحوال الإسلام والمسلمين
إن أحول العالم الإسلامي في عصره كانت تعيش مأساة كبيرة، خصوصا تبني السياسة الأنظمة العربية النهج الإشتراكي، وتقديس الساسة مثل جمال عبد الناصر في مصر، إلاّ أن هذا لم يكن ليضر لولا أنهم كانوا متحدين، فالإسلام في ظل هذا التشتت قد تم تغييبه تماما، فهو يتأسف لهذا الحال، حيث يقول: “لم يضر الإسلام شيء مثلما ضرته الإنقسامات والإختلافات حول الشكليات والمظاهر، والإستغراق في هذه التفاصيل إلى درجة نسيان لب الموضوع..” من جهة ومن جهة نجد من يعتبرون بالسنة وينسون القرآن مما أدى إلى فهم خاطئ لسنة الرسول صلى اله عليه وسلم، فالسنّة في نظره ” هي اتباع الرسول فيما تميز به من خلق وإيمان وعقيدة وصفاء نفسي وليس فيما كان يتسوك به أو يكتحل أو يلبس أو يأكل…ولقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يركب البغلة فلماذا لا يتخذها أصحابنا سنة ويتركون ركوب الطائرات والقطر ويعودون إلى البغال..لماذا يتهاونون في هذه الحكاية ويتعاركون حول الذقن واللحية؟…وكان عليه الصلاة والسلام يأكل بأصابعه..وكان يذهب إلى الخلاء لقضاء الحاجة..فهل نتخذ هذه الأمور سُنّة كما يطالب بها بعض الغلاة؟…بل هي مسائل شكلية كانت مرتبطة بالعصر فلما تغير العصر تغيرت هي أيضا..يستوي في ذلك ركوب البغلة أو استعمال السواك..فالعصر في الحالتين قدم لنا بدائل أفضل، فعندنا الطائرة والقطار وعندنا الفرشاة ومعجون الأسنان؛ إنما الدين هو الأمور الثوابت وليس المتغيرات… وإنما السنة هي اتباع الرسول فيما تميز به وتفوق على أٌقرانه..”
” السنة النبوية هي السلوك المرتبط بالرتبة النبوية وليس السلوك المرتبط بالصفة البشرية العادية…وإن الله سبحاه وتعالى قد قال في كتابه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وبهذا قطع ربنا بأن في الدين قضية جوهرية هي روح الأمر وماهيته، تلك هي التوحيد وما دون ذلك أمور ثانوية يمكن أن تكون محل مغفرة”.
وبعد كل هذا الفساد العقائدي، يطرح لنا المفكر مصطفى محمود حلولا وإصلاحات، وذلك في قوله: ” وفي عالم إرتد إلى جاهلية شرسة وعاد ملحداً كافراً مادياً علينا أن نبدأ معه من البداية.. من الأبجدية الدينية.. من القضية الجوهرية وليس من الشكليات والثانويات…وأن الدعوة المطلوبة إذن هي دعوة توقظ النفوس على جوهر القضية وروح الأمر..دعوة تتكلم بلغة العصر وتخاطب الكل دون تعصب ودون تطرف وتحاول أن تمس في قلب المواطن ذلك الفراغ والخواء والهمزة المفقودة بينه وبين أصله وتحاول أن تعيده في رفق إلى أيام وصله بأسلوب سوى لا عدوانية فيه ولا تشنج ولا إحتفال فيه بالتفاصيل والأمور الثانوية..العودة إلى الدين كما هو وليس كما أنزله الله، الدين الذي يحب العلم والفن ويدعو إلى التقدم والتطور ويشجع التكنولوجيا والإبداع الخصب”.
وبالتالي يُرجع هذا الإنحلال والبعد عن الدين ما هو في نظره إلا خطأ، وحين يستدرك صاحبه ذلك الخطأ – الذنب – يرجع بقلب حنون إلى خالقه، يلتمس منه المغفرة، هذا “الإحساس الديني لا يبرح الإنسان حتى في ذروة إنحلاله..وهذا هو الحال دائما في هذه البلاد التي عرفت الله وبنت له المعابد منذ سبعة آلاف سنة؛ لا تجد فيها كافراً واحداً حقيقيا.. وإنما تجد فيها أهل غفلة وأهل هوى وأهل دنيا”.
ثم يوجه تساؤلاته للذين يصرخون في الليل والنهار، يلومون الناس والعصرعلى تلك الذنوب والفوضى قائلا: “أتظن أنه يمكن أن يقوم حكم إسلامي في هذه الظروف التي نعيش فيها..حكم مثل حكم عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز؟..وهذه التساؤلات كلها عميقة وفي محلها ولا أظن أن التدين يمكن أن يأخذ الشكل القديم بتفاصيله في عصر تغير تماماً…ومن يريد أن يعيش كأبي بكر ليس أمامه سوى أن يغلق بابه عليه أو ينزوي في مسجد ويقطع صلته بالدنيا حوله تماما..وهو لن يخرج من خلوته إلا أن يخرج في حرب يخوضها ثم يعود مهرولا إلى خلوته من جديد”.
فالدين بالنسبة له ” لا يمكن غرسه بالإكراه، والفضائل لا تولد عنوة.. إن الصيحة التي يمكن أن يطلقها الدعاة اليوم هي: أصلح نفسك..وإن تغيير القلوب عمل إلهي وليس عملا بشريا والله يقول لرسوله الكامل ( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)..إن الوحدة وتأليف القلوب عمل فريد لا يقدر عليه العسكر ..بل ولا النبي دون مشيئة وتيسير وتمكين إلهي، ولا وصول للحكم الإسلامي إلا على مراحل..مرحلة أولى من التوعية والدعوة ونشر القدوة ثم تظهر طلائع من أهل التقوى والورع ثم يظهر رجل طاهر على قدم النبوة..يجمع الناس حوله بالمحبة ثم بتيسير الله يتحرك المجتمع كله وراءه اختيارا ودون إكراه ودون قتل ودون قهر..وإن الفقهاء الأفاضل الذين يفتون كل يوم بأن السينما حرام والموسيقى حرام والتليفزيون حرام والغناء حرام والبنوك حرام ويجعلون حياتنا كلها كفراً صراحا فلا يبقى لنا إلا أن نهاجر إلى قمم الجبال إن كان عندنا إيمان..وذلك هو نفس مبدأ شباب التكفير والهجرة وهو نفس مبدأ القس المسيحي جيم جونز الذي هاجر مع أتباعه إلى أطراف الغابة وأقام مستعمرة ثم حكم في النهاية بالموت والقتل على نفسه وعلى أتباعه فتجرعوا جميعاً السم أطفالا وشباباً وشيوخا وماتوا عملا بآية الإنجيل (من أهلك نفسه من أجلى وجدها)…”
أما عن الفوضى التي أخذت مستقرها في نفوسنا من جهة وفي عالمنا من جهة أخرى فهي كما يقول: ” إن ما يجري داخل الأسرة وداخل الوطن من مظالم يظهر مكبراً على مساحة العالم كله ثم يعود فيظهر مترجما في أحداث وأزمات وحروب ومحن وأوبئة ومجاعات…بل إن ما يجري في ضمير الفرد من صراع وما تسكن رأسه من خواطر وما تتنازعه من رغبات هو المفتاح للمشكلة كلها..وإذا كان البحر تلوث .. فقد تلوث بنا نحن وبما أفرزناه فيه؛ إن فضلات أفكارنا ورغباتنا هي التي صنعت كل هذا”، وبالتالي نجده يضع لنا نموذجا بسيط لإصلاح المجتمع من خلال ترتيب تلك الفوضى في قوله : ” إن بنية المجتمع مثل بنية الجسم هي في نماء وازدهار طالما غلبت فيها عوامل الإنسجام والنظام والصحة فإذا غلب الإضطراب والفوضى والمرض تداعت إلى تراب…فلا تلوموا القدر ولا تحتجوا على السماء ولا تقولوا ظلمنا ربنا بهذه الكوارث..بل قولوا ربنا ظلمنا أنفسنا..”
وفي شأن لغز العلم والدين…
“ليس العلم إذن هو مفتاح الشخصية..لأنه يمكن أن يكون عندك علم آينشتين ولا ينفعك علمك بل تكون أدنى الناس أخلاقاً وأرذلهم معاشرة..وما اختلفت منازل الناس الخلقية بسبب تفاوتهم في العلم ..بل سبب تفاوتهم في شيء آخر..وهو الهمة والعزم..فعلمك بضرر التدخين لا يكفي لأن تتجنبه وإنما الأمر يحتاج إلى شيء آخر هو الهمة والعزم..وهذا أمر لا يتحقق إلا إذا تحول العلم في داخلك إلى شعور ومازج القلب فأثمر النفور والكراهية للأمر الضار واستنهض الهمة إلى رفضه… وبالمثل لا يردع الدين صاحبه إلا إذا تحول العلم الديني فيه إلى تمثل وشخوص وحضور للجلال الإلهي فأصبح يعبد ربه وكأنه يراه فتوقظ فيه تلك الرؤية من الخوف والحب وتستنهض ما تراخى فيه من عزم وهمة..وبدون هذه الهمة لا يثمر العلم أخلاقاً ولا يثمر حكمة..بل ينقلب العلم إلى النقيض ويتحول إلى أداة بطش وظلم؛ وتلك هي جاهلية العلم التي نراها اليوم..فالأجهزة الإلكترونية تستخدم في السرقة..والذرة في الهدم..والكيمياء في ابتكار المخدرات..والتكنولوجيا في الحروب..والطب في منع الحمل وإطالة اللذة..والأقمار الصناعية في التجسس..وعلوم الفضاء في وضع القنابل المدارية حول الأرض وتهديد الناس..والمتفجرات في تعبئة الرسائل الملغومة…”
“…نفهم من آيات الله في كتابه ومن آيات الله في كونه أن الفن والجمال كالعلم والفكر نشاط إنساني محمود وعظيم وأنه من آثار نفخة الله الربانية في آدم ونسله، وهي النفخة الروحية التي استوجبت سجود الملائكة وتسخير الكون لهذا المخلوق من طين (إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).. أما الغلاة والمتطرفون الذين يريدون تحريم كل الفنون على إطلاقها فهم من الذين يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم…ويأبى الله إلا أن يتم نوره…”
وفي شأن العارفين بالله…
يطرح الدكتور مصطفى محمود تساؤلا: من هو العارف بالله؟
ثم يجيبنا عليه في قوله: ” معرفة الله خشيته، وخشيته طاعته، ومن لم يطع ربه فما عرفه ولو كتب المجلدات ودبج المقالات وألف النظريات في المعرفة الإلهية…ولقد كان إبليس فيلسوفا وعالما ومجادلا وكان يبهر الملائكة بعلمه وفلسفته حتى لقد سموه طاووس العابدين لفرط زهوه بعلمه وعبادته، وقد ظل سبعين ألف سنة يعبد ويتفلسف ويجادل، والملائكة يتحلقون حوله يستمعون ويعجبون..ولكن الله كان يعلم أن هذا المخلوق المختال المزهو المتكبر الذي يحاضر في المعرفة الإلهية هو أقل مخلوقاته معرفة به وأن كلامه لا يدل على قلبه…وإنما سيد الأدلة على المعرفة وعدمها هو السلوك عند الأمر والنهي (ساعة يتصادم الأمر مع الطبع والهوى ويجد المخلوق نفسه أمام الإختيار الصعب) … وهذا هو ما حدث حينما جاء أمر الله، لإبليس بالسجود لآدم فشق ذلك على كبريائه واستعلائه وزهوه وساعتها نسي ما كان يحاضر فيه منذ لحظات..نسي مقام ربه العظيم وجلاله وعظمته ولم يذكر إلا أنه مأمور بالسجود؛ ولمن؟ لبشر من طين وهو المخلوق من نار..فرد الأمر على الآمر وجادل ربه؛ كأنه رب مثله ..(قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) – ص: الآية 76 – (قال أأسجد لمن خلقت طينا) – الإسراء: الآية 61 – … ولم تُغني الشيطان تلك النظريات التي كان يدبجها ولا الحذلقات التي كان يبهر بها الملائكة والتي كان يصور بها لنفسه أنه سيد العارفين…”
ختاما، أقول إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء ولقد عانوا جميعهم المرض والفقر واليتم والإضطهاد والقتل والنفي والتشريد والتكذيب ومثلهم الأولياء والمصلحون والحكماء والقادة الشرفاء وأصحاب كلمة الحق في كل عصر.
كلهم كابدوا وتألق نورهم بالمكابدة…وما كانت معاناة المفكر مصطفى محمود قليلة ولا هي هينة، حين إعتزل العالم طيلة 20 سنة ماكثا في بيته بعد ملاحقته ومطاردته ومساومته من قبل بعض الإخوان والسلفيين…ولاقى من التكفير ما لاقاه، ولكن شاء الله أن ينتصر لعبده، وها نحن اليوم نتلقى من فكره ونقتبس من نور علمه، فوالله لقد ضيعت الأمة رجلا كان عالم عصره…رحمك الله وأسكنك فسيح جناته.

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك