دراسة في كتاب «الحقيقة الغائبة» للدكتور فرج فودة – بقلم: ريمون منير

دراسة في كتاب «الحقيقة الغائبة» للدكتور فرج فودة – بقلم: ريمون منير

حينما أقرأ كتابا قيما يزيدني معرفة، ويطلعني على أمور كنت أجهلها، حينها أعتبر نفسي عثرت علي كنز يجب علي مشاركته مع غيري لتعم الفائدة. فما بالكم بكتاب لشهيد الفكر، العظيم فرج فودة، حيث يقدم لنا فيه دراسة مبسطة في الأسلوب، مرتبةً من حيث السرد، أعلى درجات الوضوح في الشرح، مستنداً على أهم مراجع تاريخ تلك الأحداث التي اختار أن يناقشها !

فدعوني أذن اصطحبكم إلى ما قاله لنا الدكتور فرج فودة في كتابه ” الحقيقة الغائبة “

مقدمة الكتاب:

-هذا حديث سوف ينكره الكثيرون، لأنهم يودون أن يسمعوا ما يحبون، فالنفس تأنس لما تهواه، وتتعشق ما استقرت عليه، ويصعب عليها أن تستوعب غيره، حتى لو تبينت أنه الحق، أو توسمت أنه الحقيقة، وأسوأ ما يحدث لقارئ هذا الحديث، أن يبدأه ونفسه مسبقة بالعداء، أو متوقعة للتجني، وأسوأ منه موقف الرفض مع سبق الإصرار للتفكير واستعمال العقل.
-هذا حديث تاريخ لا يزعم صاحبه أنه متخصص فيه، أو فارس في ميدانه، لكنه يزعم أنه قارئ له في أناة، محلل له في صبر، موثق له في دقة، ناقد له في منطق، لا يستطيع أن يمد قلمه إلا حيث يمتد عقله.
-هذا حديث تاريخ وسياسة وفكر وليس حديث دين وإيمان وعقيدة، حديث مسلمين لا حديث إسلام، وهو قبل ذلك حديث قارئ يعيش القرن العشرين وينتمي إليه، ومن هنا يبدو الحديث صعبا على من يعيشون وينتمون لواقع ما قبل ثلاثة عشر قرنا.
-هذا حديث دنيا وإن بدا لك في ظاهرة حديث دين، وأمر سياسة وحكم وإن صوروه لك على أنه أمر عقيدة وإيمان.

معلومات من الكتاب:-
لا يجوز للرعية أن تنزع البيعة من المبايع ” الخليفة ” أو تعزله، ومجرد مبايعتها له مرة واحدة، تعتبر مبايعة أبدية لا يجوز سحبها أو الرجوع عنها.

روي عن الخليفة المتوكل _ العباسي _ أنه ( كان منهمكا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سرية ” زوجة من العبيد ” )

المؤلفة قلوبهم: نص عليه القرآن في آية توزيع الزكاة ” إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم. التوبة 60، وكان الرسول يعطيهم _ وهم كفار _ ليتألف بالعطاء قلوبهم، فيكفوا عن المسلمين شرهم، وليكسب ودهم أو لسانهم، وربما حبهم وإسلامهم، المصدر: كتاب الاجتهاد، للدكتور عبدالمنعم النمر.

عمر بن الخطاب يلغي حكم القرآن للمؤلفة قلوبهم مع علمه به: سار أبي بكر في خلافته على ما سار عليه الرسول، حتى جاءت عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فسألا أبي بكر، يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلاً، ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيهانا ؟ فاقطعها أبي بكر إياها، على أنهما من المؤلفة قلوبهم، وكتب لهم كتابا بذلك، وأشهد عليه، ولم يكن عمر حاضرا، فذهب وقالا إلى عمر ليشهد، فعارض عمر ذلك بشدة، ومحا الكتابة، فقال لهما: ” إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، إذهبا فاجهدا جهدكم لا يرعى الله عليكما إن رعيتما ” فأفتى بن الخطاب بجواز مخالفة النص ذاكرا أن واقع الحياة قد تجاوزه.. حيث اعتبر أن السبب الآن غير قائم، فلا داعي للإعطاء.

في عام المجاعة: عطل عمر بن الخطاب حدا من الحدود الثابتة، وهو حد السرقة.

خالف عمر بن الخطاب السُنة في تقسيم الغنائم فلم يوزع الأرض الخصبة على الفاتحين، وقتل الجماعة بالواحد مخالفا قاعدة المساواة في القصاص.

تعدد زوجات الحسن بن علي: وذكر عنه أنه تزوج سبعين وقيل تسعين، وأنه كان يتزوج أربعا ويطلق أربعا، فكان يقول الإمام علي صائحا: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، ولم يسمع أحد لكلامه، فقد طمع الكل أو تطلع إلى نسل ينتسب للرسول. !

لإثبات حالة الزنا وتنفيذ عقوبة حد الرجم ، فلابد من توافر أربعة شهود عدول من الرجال ( ولا تقبل شهادة النساء )، ولو شهد ثلاثة منهم وشهد الرابع بخلاف شهادتهم أو رجع أحدهم عن شهادته أقيم على الشهود حد القذف وهو الجلد، فالمرة الوحيدة التي كاد يطبق فيها الحد في عهد عمر، انتهت، بجلد الشهود. !

ولنأتي إلى تعريف طبيعة الدولة الدينية في نظر مفكرنا الكبير.

اما عن طبيعة الدولة الدينية فيري: أنها تحجر على كل إبداع أو تفَتح أو إجهاد للذهن أو اجتهاد للعقل، وأن كل ما يعيشه الناس ويتقبلونه تقبلا حسنا، لا يمكن قبوله بمقاييس الدولة الدينية بحال، فالأغاني مرفوضة، والموسيقي مكروهة، والمغنيات نامصات متنمصات، وممارسة المرأة للرياضة فتنة وإثارة للفتن، واختلاطها بالرجال جهر بالفسق، والتمثيل مرفوض لأنه كذب، ورسم الصور للأحياء حرام، وإقامة التماثيل شرك، والديموقراطية مرفوضة لأنها حكم البشر وليس حكم الله، ومعاملة أهل الذمة على قدم المساواة فهي مكروهة، وموالاتهم مخالفة لمعلوم من الدين بالضرورة، ولا ولاية للمرأة، ولا ولاية للذمي، وأن ادعاء حرية العقيدة هراء.

ليُكمل ويحدثنا عن الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية:-
بوفاة الرسول استكمل عهد الإسلام وبدأ عهد المسلمين، وهو في كل الأحوال ليس له من القداسة ما يمنع مفكرا من الاقتراب منه، وهو أيضا وبالتأكيد ليس حجة على الإسلام، وإنما حجة على المطالبين بالحكم الإسلامي.

لماذا لا يقدمون لنا دعاة تطبيق الشريعة الاسلامية والدولة الدينية، برنامجا سياسيا للحكم، يتعرضون فيه لقضايا نظام الحكم وأسلوبه، سياسته واقتصاده، مشاكله بدءا من التعليم وانتهاء بالإسكان، وحلول هذه المشاكل من منظور إسلامي.. إن أعجزتهم الإجابة أفتوا بأنك لا تملك أدوات البحث في القضايا الدينية، وأن افحمهم المنطق تنادوا بأنك عميل للإمبريالية، أو متأثر بالشيوعية، أو ناطق بلسانهما معا.

كيف ترتفع الأجور وتنخفض الأسعار إذا طبقت الشريعة الإسلامية ؟ ، كيف تحل مشكلة الإسكان المعقدة بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية ؟ ، كيف تحل مشكلة الديون الخارجية بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية؟ ، كيف يتحول القطاع العام إلى قطاع منتج في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية؟ ، هذه مجرد عينات من الأسئلة، على الداعين للتطبيق الفوري ( للشريعة ) والمدعين أنها سوف يترتب عليها حل ( فوري ) لمشاكل المجتمع أن يجيبوا عليها.. وهم إن حاولوا الإجابة بتفرغهم للإبداع ( النقلي ) من اجتهادات القرن الثاني الهجري يمكن أن يقودهم إلي تعقيد المشاكل بدلا من حلها، وربما تؤدي إلى الخراب بدلا من التنمية.

إن هذه الدولة تحتاج إلى برنامج سياسي يعرض تفصيلا وتأصيلا للعموميات والجزئيات، وأنهم أعجز من أن يصيغوا مثل هذا البرنامج أو يتقدموا به، داعيين إيانا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تقودنا بالحتم إلى دولة دينية إسلامية، نتخبط فيها ذات اليمين وذات اليسار، دون منارة من فكر أو اجتهاد مستنير، وليحدث لنا ما يحدث، وليحدث للإسلام ما يحدث، إن أعجزهم الاجتهاد الملائم للعصر رفضوا العصر، وأن أعجزهم حكم مصر هدموا مصر.

عصر الخلفاء الراشدين:-
عصر الخلفاء الراشدين: ثلاثين عاماً هجرياً ( بالتحديد تسع وعشرون عاما وخمسة أشهر ) بدأت بخلافة أبي بكر الصديق ( سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام ) ثم خلافة عمر ( عشر سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً ) ثم خلافة عثمان ( إحدى عشرة سنة وأحد عشرة شهراً وتسعة عشر يوماً ) ثم خلافة علي ( أربع سنين وسبعة أشهر ) انصرفت خلافة أبي بكر خلال العامين والثلاثة أشهر إلى الحرب بين جيشه وبين المرتدين في الجزيرة العربية، وخلافة علي قد اتصرفت خلال الأربعة أعوام والسبعة أشهر إلى الحرب بين جيشه في ناحية وجيوش الخارجين عليه و الرافضين لحكمه من ناحية أخري، بدءاً من عائشة وطلحة والزبير في موقعة الجمل، وانتهاء بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات الحروب مع الخوارج عليه من جيشه، وأنه في العهدين كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من هموم الدولة وإرساء قواعدها.

ثم قاد عهد خلافة عثمان المسلمين إلى الاختلاف عليه، ودفع أهل الحل والعقد إلى الإجماع على الخلاص منه، إما عزلا في رأي أهل الحجى، أو قتلا في رأي أهل الضراب، واهتزت هيبته في نظر الرعية، إلى الحد الذي دفع البعض إلي خطف السيف من يده وكسره نصفين، أو التصغير من شأنه بمناداته ( يا نعثل ) نسبة إلي مسيحي من أهل المدينة كان يسمى نعثلا وكان عظيم اللحية كعثمان، أو الاعتراض عليه من كبار الصحابة، ووصل الأمر إلى الدعوة الصريحة لقتله، حيث يروي عن عائشة قولها: اقتلوا نعثلا لعن الله نعثلا، وقتل عثمان علي يد المسلمين الثائرين المحاصرين لمنزله وبإجماع منهم، وقد تتصور أن قتلة عثمان قد شفوا غليلهم بمصرعه على أيديهم، وانتهت عداوتهم له بموته، لكن الطبري يحدثنا برواية غريبة في كتابه تاريخ الأمم والملوك ” لبث عثمان بعدما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه، فلما وضع ليصلى عليه، منعوهم أن يدفن، فقالوا لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً فدفنوه في حش الكوكب “، هذا خليفة المسلمين الثالث يقتله المسلمون، لا يستطيع أهله دفنه ليلتين ويدفنونه في الثالثة، يرفض المسلمون الصلاة عليه، بقسم البعض ألا يدفن في مقابر المسلمين أبداً، يحصب جثمانه بالحجارة، يعتدي مسلم علي جثمانه فيكسر ضلعا من أضلاعه، ثم يدفن في النهاية في مقابر اليهود.

وحدثت في عهد أبي بكر حروب الردة وقتال أبي بكر للمرتدين عن الإسلام بحجة امتناعهم عن دفع الزكاة له أو لبيت المال، فقد كانوا ينطقون بالشهادتين، ويؤدون الفرائض جميعا دون إنكار، ويؤدون الزكاة نفسها لكن للمحتاج وليس للخليفة أو لبيت المال.

وفي عهد الخلافة الراشدة: حدث ما حدث، وقتل المسلمين بسيوف المسلمين، وهلك الصحابة بسيوف الصحابة، وبقيت دلالات الحوادث تؤرق أذهاننا حتى اليوم.

فهو يدعو القارئ أن يتأمل معه فترة حكمهم، ويتعجب وهو يرى ثلاثين عاما، يتعاقب فيها أربعة خلفاء، يموت ثلاثة منهم بحد السيف أو الخنجر، ويقضي الخليفة فترة حكمه كلها ساعيا إلى التمكن من الحكم، ونحن نكتشف أن الفترة على قصرها قد حفلت بالحروب الأهلية الكبرى، فقد بدأت بها، وانتهت بها، بدأت بحروب الردة في عهد أبي بكر، وانقضت سنواتها الخمس الأخيرة في سلسلة من الحروب الأهلية أولها موقعة الجمل بين كبار الصحابة، ثم حرب صفين بين علي ومعاوية، ثم حرب النهروان بين علي والخوارج عليه، ثم سلسلة متصلة من الحروب الصغيرة بين جيوش علي وجيوش الخوارج.

ثم يصل إلى عهد الخلفاء العباسيين فيحكي لنا عن الدولة العباسية: مؤسسها، السفاح، أول خلفاء بني العباس، وقد أثبت السفاح أنه جدير بالتسمية، فقد بدأ حكمه بقرارين يغنيان عن التعريف وأظن أنه ليس لهما سابقة في التاريخ كله، القرار الأول: فهو أمره بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورهم، وجلدهم وصلبهم، وحرق جثثهم، ونثر رمادهم في الريح، القرار الثاني هو: تأمين الخليفة السفاح للأمويين الذين عددهم تسعين، ويبالغ في تأمينهم و طمأنتهم بدعوتهم إلى الطعام، وإكرامهم.. ومادام المضيف هو الخليفة فالكرم وارد، والطمأنينة لا حد لها، وفجأة يدخل شاعر ويستنكر اكرامهم ويدعو للثأر منهم، فيتغير وجه الخليفة، ويقوم إليهم ثائراً، فقد أمر السفاح بضرب رؤوسهم بأعمدة حديدية، بحيث تتلف بعض مراكز المخ، ويبقى الجسد حيا، مصطرعا بين الحياة والموت، ويري السفاح أمامه تسعين جسدا منتفضا، تقترب مسرعة من الموت، حتى يأمر بوضع مفارش المائدة فوقهم، ثم يجلس فوق هذه المفارش، ويأمر بالطعام فيوضع أمامه فوق الأجساد، ويبدأ في تناول عشاءه، ثم فرغ من طعامه، وتوجه إلى الله بالحمد، وإلى حراسه بالشكر، وإلي خاصته بالتهنئة.

وفي عهد الخليفة العباسي المنصور: أرسل ابن المقفع الذي أرسل للخليفة المنصور كتابا صغير الحجم، عظيم القيمه أسماه ( رسالة الصحابة )، نصح فيه الخليفة بحسن اختيار معاونيه، وحسن سياسة الرعية، وكان في نصحه رفيقا كل الرفق، رقيقا غاية الرقة، ولعله كان ينتظر من خليفة المؤمنين المنصور تقديرا أدبيا وماديا يليق بجهده، ولعله لم يتصور أن مجرد إسناد النصح للحاكم جريمة، فعقاب من يتجاوز دوره مع المنصور كما فعل ابن المقفع، أن يعمل به كما فعل بابن المقفع، الذي قطعت أطرافه قطعة قطعة، وشويت على النار أمام عينه، وأطعم إياها مجبرا، قطعة قطعة، حتى أكرمه الله بالموت في النهاية.
حفل تاريخ العباسيين بكثير من الخروج والانقسام داخل الأسرة الحاكمة حتى قتل الابن أباه، والأب ابنه، وشاع خلع الخلفاء وسمل أعينهم، وقتلهم، وغير ذلك من الأحداث على مدى الخمسمائة عام الأخيرة في حكم العباسيين

ودعوني أنتقي لكم أجمل عبارات الدكتور فرج فوده من الكتاب:-

هكذا كانت الدولة الإسلامية وهكذا تكون، شأنها شأن أي دولة دينية على مدى التاريخ الإنساني كله، لا يغرنك فيها عذب الحديث في البدء، فالعبرة بالخواتيم، وقد كانت الخواتيم مُرة دائما، وأمر منها أن لا نستوعب درسها، وأن لا نستفيد من تجربتها وأن يدعو البعض إلي تكرارها في بلاهة يحسدون عليها، وكأنه مطلوب منا أن نقرأ التاريخ لكي نعيد أخطاءه.

ويبرهن علي ذلك بأن: ليس كل ما كان مقبولا في عهد الصحابة مقبولا وصحيحا في عصرنا.

ويقول: المتاندين بعودة الخلافة خالطين بين حلم رائع في خيالهم، وبين حقيقة مفزعة تكشفها لهم صفحات التاريخ. ولست أدري هل يصدقني القارئ أم لا، إذا ذكرت له أنني منعت نفسي كثيرا من الخوض في بعض الأحداث، تجنبا لفحش في القول أو مبالغة في المجون
.
وأخيراً، وبعد ما سبق كله، وعلى الرغم مما سبق كله ومع علم بعضهم به، ولجهل البعض الآخر بأمره، يتنادون بالخلافة !!. ، ويبدو أن المنادين بعودتها يسيئون بنا الظن كثيرا، حين يدعوننا إلي أن نجرب من جديد ما جربناه من قبل، وكأن تجربة ثلاثة عشر قرنا لا تشفع. !

الثابت لدينا من قراءتنا للتاريخ الإسلامي أننا نعيش مجتمعا أرقي بكل المقاييس، وهو مجتمعا أكثر تقدما وإنسانية، وأننا مدينون في ذلك كله للثقافة الإنسانية ولحقوق الإنسان.

الوجه الواحد من الحقيقة هو الحقيقة كلها، وما سبق عرضه في هذا الكتاب لا يزيد عن محاولة لعرض الحقيقة.

فالمشكلة آتت مواجهة لعالم جديد، ترتبت فيه للمرأة حقوق لم تترتب في عصر سابق، عمل المرأة على سبيل المثال واقعا لا مفر منّة أو منحة، وحقا مكتسبا لا سبيل إلى مناقشته، وطرحت المتغيرات الجديدة في المجتمع من الظروف ما لا سابقة له في عهد مالك أو أبي حنيفة أو الشافعي أو ابن حنبل.

وفي نظر الدكتور فرج فوده أن: المسلمون لن يتقدموا بمجرد إطالة اللحية وحلق الشارب وأن يلبس شبابنا الزي الباكستاني، واللحاق بركب التقدم العلمي لن يحدث بمجرد استخدام السواك بديلا عن فرشاة الأسنان أو تكحيل العينين، أو إضاعة الوقت في الخلاف حول طريقة دخول المرحاض وهل تكون بالقدم اليمنى أم اليسرى، فكل هذه قشور والغريب أنها تشغل أذهان الشباب.

ويعرف لنا الديمقراطية بمعناها الحديث، هو حكم الشعب بالشعب.

ويشهد لأقباط مصر بأنهم تحتويهم دائماً راية العلمانية، و تستهويهم شعاراتها.

فللحكم ميدانه وللسياسة فرسانها.

ويبدع حينما يقول: عليهم أن يعلموا أن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعوى التعصب، وأن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الاعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص، والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهي أنهم ليسوا وحدهم… جماعة المسلمين . من خرج على الدين إنما خرج بفتوى رجال الدين، ومن وطد له الأمر إنما كان الحكم بالدين.

وبرأيه: لو كان مبرر العلمانية في الغرب هو استبداد الحكم في ظل الكنيسة، كان مبررها في الشرق هو استبداد الحاكم في ظل ( الخليفة )، سلطان الله في أرضه، القاتل لمن يشاء، المانح للعطاء، والمانح للبلاء.

فالحديث عن جنة الأرض هراء لا قيمة له، وغثاء لا نفع فيه، وباطل لا جدوى منه.

ومن أجمل مت قاله عن الوطن: كلنا حماة الوطن، كل الوطن، ارضا وسماء، مسلمين وأقباطا، لسنا فاتحين وليسوا أسرى حرب، نحن جميعا مواطنون، لسنا أغلبية وليسوا أقلية، نحن جميعا مصريون، لسنا حكاما وليسوا محكومين، نحن جميعا حاكمون محكومون، وكلنا لهذه الأرض، وكلنا مدافعون عنها، وقبل ذلك كله مدافعون عن وحدة الصف وتلاحم الصفوف. أننا نقبل بمنطق الصواب والخطأ في الحوار السياسي، لأن قضاياه خلافية، يبدو فيها الحق نسبيا، والباطل نسبيا أيضا، ونرفض أن يدار الحوار السياسي على أساس الحلال والحرام.

وبعد كل ذلك، دعوني أقتبس لكم من كلمات الدكتور فرج فودة عن رأيه وإخلاصه وحبه لدينه، حتى لا يتجني كائن من كان، جاهلا جهول لم يقرأ حرف واحد من كتاباته، فيصفه بالمرتد أو يكفره أحدا أو يقول عنه عدو الله والدين:-

هم أساءوا للإسلام ذاته حين ادعوا عليه ما ليس فيه، وأظهروا منه ما ينفر القلوب، وأعلنوا بأسمه ما يسئ إليه، وأدانوه بالتعصب وهو دين السماحة، واتهموه بالجمود وهو دين التطور، و وصموه بالانغلاق وهو دين التفتح على العلم والعالم، وعكسوا أمراضهم النفسية عليه وهو ما نرفضه كمسلمين، وعليهم أن يعلموا أن الإسلام أعز من أن يهينوه.

ليتبع ويقول: أمثالنا حجة نفحم بها المزايدين، المدعين أن الدولة لا تنفصل عن الدين، وأنهما معا حبل الإسلام المتين، بينما حقيقة الأمر أن الإسلام في أعلي العليين، وأنه لا يضار بالمسلمين، وعلي رأسهم الحكام بأسم الإسلام.

ويشهد لنفسه بالإيمان ويقول: إيماننا بأن الإسلام حق، والقرآن حق، ونبوة الأنبياء حق.

وختم كلامه بمقولته: لم نجد في ديننا عصمة لغير النبي

هكذا قدم لنا فرج فودة رحلة قصيرة في سطورها إلى التاريخ، عظيمة كل العظمة في أهميتها.
ليبقي الدكتور فرج فوده علامة فارقة وخالدة في تاريخ في الفكر المصري، بل والعربي.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك