التحريض علي الكراهية.. من الذي يصنعه؟ – بقلم: سامح عبد الله

التحريض علي الكراهية.. من الذي يصنعه؟ – بقلم: سامح عبد الله

لو طالعنا كل تقانين العقوبات في العالم سنجد نصوصا تجرم التحريض علي الجريمة باعتبارها من صور الاشتراك. قانون العقوبات المصري علي سبيل المثال ينص في الباب الرابع الخاص باشتراك عدة أشخاص في جريمة واحدة كما جاء عنوان هذا الباب في المادة 40 فقرة أولي.. “يعد شريكا في الجريمة :
(أولا ) كل من حرض علي ارتكاب الفعل المكون للجريمة إذا كان هذا الفعل قد وقع بناء علي هذا التحريض.
ثم جاءت المادة بعد ذلك بصورتين من صور الإشتراك هما الاتفاق والمساعدة علي نحو ماورد بها.
وقد أوضحت محكمة النقض ماهية هذا الإشتراك في أحكامها إذ قالت أنه زرع فكرة الجريمة في ذهن كان خاليا منها وهو تعريف يعكس بلا شك خطورة هذا النوع من الإشتراك الذي يجعل من شخص لم يرتكب الفعل المادي في الجريمة شريك فيها وتطبق عليه عقوبتها مثل فاعلها وهو المحرض.
هذا في القوانين الوضعية.

لكن الأمر في الحقيقة يدق بعيدا عن هذا النوع من التحريض الذي مهما كانت خطورته إلا أنه يبقي في إطار فردي يسهل ضبطه وتقديم مرتكبه إلي المحاكمة الجنائية. التحريض الذي نتعرض له الآن هو التحريض علي كراهية طائفة أو مجتمع أو أمة أو دين أو حتى العالم بأثره.

التحريض علي القتل والعنف والتخريب هنا لا يستند إلي مجرد أقوال من محرض إلي فاعل من أجل ارتكاب جريمة فردية لكنه التحريض الذي يستند إلي نص سماوي أو إلي حديث أيا كانت درجة ثبوته أو الي قول لفقيه يشرح فيه نصا أو يصدر بشأنه فتوي.

ولا شك أن أكثر ما يحتاجه العالم الإسلامي اليوم هو التصدي لوضع شرح لنصوص الجهاد في الإسلام. شرح يتفق وجوهر الدين المتسامح وحرية العقيدة وتنوعها والسلام الذي نزلت به آيات القرآن الكريم.

أعلم أن الأمر ليس هين وشائك وأعلم وكما أقول دائما أن تحريك قطعة صخر من مكانها لأيسر في أحيان كثيرة من تحريك مأثور خاطئ استقر بأذهان الناس ورغم ذلك فلنحاول معا مخلصين فيما نقول نبتغي رضاء الله إذا أصبنا وعفوه إذا أخطأنا.

يقول الإمام الشوكاني في معرض كلامه عن الجهاد “أما غزو الكفار لحملهم علي الإسلام أو الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة ”
من كتاب “السيل الجرار 518/4.

هذا مقطع صغير جدا مما قاله إمام يعتبره فريق كبير مرجع لهم، ولنا أن نتخيل مقدار ما يحدث فيما لو فهم هذا القول بمعناه الظاهر والواضح علي إنه فريضة وقد تحول إلي واقع رغم أن الأمر جلي وقطعي في القرآن الكريم أن الإيمان بالله والدخول في الإسلام عماده الوحيد هو حرية الإختيار والإرادة الصحيحة المنزهة عن ثمة إكراه كما جاء في الآية الكريمة ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.. ”
المعنى واضح وصريح فلا يكره أحد علي الدخول في الإسلام والقول جاء عاما والنهي جاء حاسما لا مجال معه لتأويل أو اجتهاد.

والدين.. أي دين لا يحتاج فيمن يدخل فيه أن يكون عن كره أو غصب لأن دخول الدين لا يكون إلا بالقلب ولن يكون هؤلاء الذين يسلمون بحد السيف ثمة إضافة للدين بل علي العكس لن يكونوا أكثر من زيادة عددية في صفوف المنافقين الذين هم الخطر الأكبر علي أى دين وأى عقيدة.

والأمر يدق أكثر بالنسبة لآيات الجهاد لأنها المرجع الذي يتخذه المتعصبون لارتكاب العدوان علي الأبرياء والذي بلغ ذروته هذه الآونة لا يفرقون بين مسلم وغيره لأن التفسير الخاطئ بل والقاتل يعطيهم الحق في توسيع دائرة الكفر إلي الحد الذي يقسمون فيه العالم إلي قسمين أو دارين..
دار السلام ودار الحرب.
السلام للمؤمنين علي منهجهم والعدوان علي من يخرج عن هذا ويعد كافرا.

هذا التقسيم الذي يقوم علي تصنيف البشر إلي مؤمنين وكفار والذي أزعج شيخ جليل مثل رفاعة الطهطاوي وقاومه في القرن الثامن عشر مطالبا أن يكون التقسيم لا علي أساس الكفر والإيمان لأن هذا مما يدخل في العقيدة بل علي أساس الرقي والتحضر لأنه مما يدخل في العمل البشري وهو الرأي الذي دفع الشيخ ثمنا غالبا له بالنفي إلي السودان بفعل قوي الظلام التى أزعجها هذا الرأي المستنير.

يستندون إلي الآيه الكريمة في سورة التوبة
“.. فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.. ”
التوبة 5.
ويقول بعض الشراح أن هذه الآية ناسخة لجميع الآيات التى فيها الصفح عن المشركين وكذلك الآيات التى فيها الكف عن قتال من لم يقاتل بل وقالوا عنها أنها آية “السيف ” آية القتال، آية الجهاد، آية التشمير عن ساعة الجد، وعن المال والنفس لقتال أعداء الله حتى يدخلوا في دين الله وحتى يتوبوا عن شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة “فإن فعلوا فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام..!

هذا هو تفسير الشيخ محمد صالح المنجد ردا علي أسباب نزول آيه السيف كما يطلقون عليها وهو تفسير حديث منشور علي موقع “الإسلام سؤال وجواب في 28 يوليو 2016.

ولكم أن تتخيلوا كم هو حجم الخطر الذي من الممكن أن يحيط بهذا العالم الكبير من وراء هذا التفسير. ولكم أن تتخيلوا كم يكون وقع هذا التفسير عندما يطرح علي شاب في تنظيم الدولة الإسلامية قد هيأ نفسه مسبقا علي أنه لا دين غير الإسلام وأن لا دار غير دار الإسلام وأن من يخرج علي هذا من المشركين.
إن هذا الطرح بلا شك لن يدفعه سوي أن يحمل سلاحا يذهب به إلي دار الكفر فيقتل اطفالا وشيوخا و صغارا لا لجريرة إلا لأنهم ليسوا ممن دخلوا في الإسلام كما فهم من الآية فتزهق أرواح أبرياء وتذهب إلي الجحيم بينما تصعد روحه هو إلي جنات النعيم..!

ليس هناك تفسير لأن يقدم إنسان علي هذا العمل الوحشي إلا أنه يكون قد وعد بالجنة. هذا هو التفسير الوحيد وهذا هو الذي يفسر كيف للنفس البشرية أن تتصرف علي هذا النحو وكيف يقدم الإنسان علي الهلاك وهو عكس غريزة الحياة إلا إذا كان قد وعد بخلود آخر في الفردوس.
إنها صكوك الغفران التى كانت تباع بها قطع من الجنة في عصور الظلام تعود لنا اليوم لكن بشكل آخر يتخذ صورة فتوي أو رأي أو تفسير.

الخطورة الكبري في كل هذا أن يقال أن آية السيف هذه قد نسخت كل آيات التسامح والتعايش وقبول الآخر إذا تحدثنا بلغة العصر، فهذا التفسير يقول أنه لا تسامح مع من لم يدخل في الإسلام وهو قول مطلق وأنه لا كف عن قتال المشركين حتى يتوبوا عن شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهنا فقط تعصم دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام.

إذن ماذا نقول في الآيات.. “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى.. ” 256 البقرة.
“ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”
99يونس.
والتى قال فيها الطبري في تفسيره أن الله خاطب الرسول فيها قائلا يا محمد إنه لن يتبعك ولن يصدقك ولن يقر ما جئت به إلا من شاء ربك أن يصدقك لا بإكراهك إياه ولا بحرصك علي ذلك.

تلك هي الإشكالية الكبري التى وضعنا فيها أنفسنا وأصبحنا ندور في حلقة مفرغة وخطاب الكراهية يتصاعد من حولنا ونحن عاجزون عن إيقاف سيل الدماء الذي هو نتاج سيل الجهل الذي تمكن من عقولنا وسيل التطرف الذي أضحي منهجا بفعل هذا النوع من التحريض ثم أصبحنا كلنا في مواجهة سيل الإرهاب الذي يكاد ينجرف بنا جميعا إذا لم نضع أمامه حائط صلب من العقل والحكمة والسلام وليس حائط من الكراهية والعنف والعدوان.

نحن في أشد الحاجة أن نضع كل الآيات التى جاءت بقتال المشركين وكذلك آيات الجهاد نصب أعيننا حتى نعطيها معنا منضبطا يتفق وجوهر الدين القائم علي حرية الإختيار ويتفق مع الرحمة والتسامح والمغفرة التى هى من صفات الله عز وجل ثم يتفق مع قبول الآخر والذي هو منهج واضح كل الوضوح في شريعة الإسلام.

نحتاج أن نضع تفسيرا لهذا الآيات وحتى لا تكون ذريعة أو صكا في يد هؤلاء الذين يسفكون بفهمهم الخاطئ لها سيول من دماء.

بالتأكيد لا أحمل خطاب الكراهية لجانب واحد في هذا العالم لكنه خطاب يشترك فيه الجميع لكن المحزن حقا أن يتحول دين قوامه الرحمة علي يد البعض وبفعل تفسيرات خاطئة مجتزءة إلي دين عنف وقتل ودماء
من المؤسف حقا أن يقول الله عز وجل في نبيه
“وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”
بينما يحدثنا البعض عن حديث منسوب للرسول رواه ابن عمر يقول فيه “بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي.. ”
والحقيقة أنه إذا بحثنا عن أعظم الأشياء تناقضا وتنافرا لن تكون أكثر من العقيدة والإكراه كليها.. بين الإيمان المستقر بالقلب وبين الطقوس التى نؤديها بالجسد..!

نحن في أشد الحاجة لأن نبرز للعالم أن محمدا رسولا جاء بالرحمة للإنسانية وليس رسولا جاء بيده سيف..!
وللحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.






تعليقات الفيسبوك