إيران الفارسية أم إيران الشيعية ؟

إيران الفارسية أم إيران الشيعية ؟ – بقلم يعقوب الأسعد

ربما يثير العنوان فضول الكثيرين، حيث أنه ركز على ثلاثة جوانب مقلقة لأغلب العرب وتداعب مشاعر الكثيرين : فارس و إيران و الشيعة، وبعض من الفضول جيداً و محفزاً.

كانت إيران تدين بمذهب السنة ولم يكن فيها سوى أربع مدن شيعية هي: آوه، قاشان، سبزوان و قم. في العام ١٥٠١م ، صعد إلى السلطة أبو المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي، أو إسماعيل بن حيدر بن الجنيد الصفوي فاعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً لإيران بالقوة. كان في تصور مؤسس الدولة الصفوية أن القومية وحدها لا تكفي لخوض حروب توسعية والأوجب أن يكون هنالك غطاء ديني إلى جانب القومية، فآثر المذهبية (المذهب الإثنى عشري) غطاءً يلهب جماهير شعبه لخوض حروب مع العثمانيين الذين كانوا في طور أكل الأراضي العربية والتوسع فيها و الذين، بطبيعة الحال، يدينون بالمذهب السني.

لم يكن إسماعيل الوحيد الذي إستخدم المذهبية في العصر الإسلامي لغاية في نفسه ولكي يعظم سلطانه، وإنما استخدمت، أي المذهبية، منذ السنوات الأولى لوفاة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ( الخوارج ، التحكيم … إلخ ). وللتاريخ ، فإن سيدنا علي ، كرم الله وجهه ، ظل يُشتم، حتى عصر عمر بن عبد العزيز الأموي ، خامس الخلفاء الراشدين الذي حرم و منع شتمه ، وتلك قضية أخرى وإن كانت في صلب ما لهذا المقال من خلاصة.

كان محمد رضا بهلوي ، آخر شاه لإيران وإن اختلفت السلالة مع أبيه ، الذي عزل من قبل أمريكا لصالح ابنه محمد. في زمن الأب والإبن تغيرت تسمية فارس وأصبحت إيران. لم تكن تلك الفترة ، فترةً عادية، ففي العام ١٩٥٣ حصل انقلاب قاده أحد جنرالات بهلوي، اضطر على اثرها للهروب وخلال يومين أعيد بهلوي إلى الحكم بعد حسم المخابرات الأميركية للإنقلاب. رجع فيها الشاه سلطاناً لإيران ، وشرطياً امريكياً على الشرق الأوسط كله.

أنشأ رضا ، بمساعدة بريطانيا وأمريكا ، حلف بغداد ونسج علاقة عريضة مع إسرائيل ، إعترض عليها حينها جمال عبد الناصر ما أدى إلى قطع علاقة مصر و إيران. دعم بهلوي الملا مصطفى البرزاني ضد نظام صدام حسين في العراق.

كدس الشاه أطناناً من الأسلحة وإشترى الدبابات والطائرات والراجمات و … إلخ , و لم يكن على عداء مع تركية ولا أذربيجان ولا أي من حدوده سوى مع العرب. إعترض الشاه على تسمية الخليج بالعربي وأراده فارسياً. إعتبر الشاه أن البحرين أرضاً فارسية. إعتبر الشاه جزر الإمارات جزراً فارسية. ساعد الشاه السلطان قابوس ضد الثورة الذي أسماها شيوعية و أرسل جيشه لتثبيت حكم السلطان. هذا ما عرفته حتى الأن عن الشاه و لو بحثت أكثر لوجدت بالتأكيد أكثر.
كل هذا ولم يكن الشاه عدواً للعرب ، بإستثناء مصر عبد الناصر. و ما إن توفي رحمه الله ،حتى أصبح الشاه صديقاً شخصياً للسادات، لا بل وأصبحت إيران من أكثر البلدان صداقةً لمصر. كل هذا ولم تكن إيران شيعيةً بعد. ولم يكن هنالك أي مشكلة معها!

لما يسأل احدهم ؟ بكل بساطة لأن حامي إيران وقتها هو نفسه حامي الدول المجاورة لها و التي لم تكن تشتكي شيعية إيران أو فارسيتها أو جيشها أو تدخلها بالشأن الإقليمي العربي، بإستثناء مصر عبد الناصر. وللتذكير ، فشاه إيران قضى نحبه في مصر و عولج في مشفى المعادي و أقام بقصور الرئاسة وأقيمت له جنازة عسكرية بطلب شخصي من السادات. كل هذا وإيران لم تكن عدوا ، لا بل كانت صديقة.

قامت الثورة في إيران ، ثورة الخميني وطار حكم السلطان و ولت أيام الشاه. طار الشاه ولم يجد مكانا يأويه لاجئاً ، أمريكا رفضت استقباله، سويسرا وفرنسا حذت حذوها. فلجأ إلى بنما وهناك أحس أن المخابرات الأميركية تدبر لتسليمه لإيران بصفقة مع الثورة. فلجأ إلى مصر ومات فيها. ومن المفارقات أن اسمه الحركي عند المخابرات الأميركية كان الخازوق. كان شاهاً و شرطياً لأمريكا ثم أصبح خازوقاً فهل من متعظ ؟

عندما صعدت الثورة الإسلامية، رفعت شعار الإسلام وإن كان للطائفية جزء كبير في خفاياها وللفارسية أيضاً نصيب من فلسفتها. قامت حرب ضروس بين العراق وإيران ، كانت تغذيها أمريكا لإضعاف الإثنين وكان لها مرادها (منها صفقة إيران كونترا التي سلمت إيران سلاحاً إسرائيلياً مقابل الإفراج عن المعتقلين الأميركيين). بعد الثورة غيرت إيران مكانتها، من شرطي أميركي إلى عدو له. و فجأةً برزت المذهبية. أصبح الخليج يتلمس رأسه، وعادت مصر إيران، وأخذت الإمارات تطالب بجزرها وأصبحت السعودية تخاف من ثورة مماثلة في المنطقة الشرقية ، وارتمت الكويت بأحضان أمريكا لتأمين بيع نفطها وإستمرار حكمها و تأمين اساطيلها التجارية ، وأصبحنا نسمع كيل الاتهامات لإيران آناء الليل و أطراف النهار. فمن يا ترى تغير إيران أم نحن ؟ ومن يا ترى أفضل إيران الفارسية أم إيران الشيعية ؟

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك