نسمع كثيراً كلمة «علم» .. هل حقاً تعرف ماذا تعني هذه الكلمة ؟

نسمع كثيراً كلمة «علم» .. هل حقاً تعرف ماذا تعني هذه الكلمة ؟ – بقلم: خيال بعيد

العلم هو أ ن تتصور معنى مفرد مثل الانسان والحيوان والنبات والموجود والجوهر والعرض والحجر والشجر أو ان تصدق بنسبة معنى مفرد الى معنى مفرد اخر مثل (الضوء ليس بجسم ) ومثل (الخلاء محال وجوده ) ومثل ( يوجد خالق قديم للعالم ) ومثل (الاطفال سذج او كثيري الحركة ) ومثل (الماء يزيل العطش ) ومثل (انهزم نابليون بونابرت في موقعة واترلو) ومثل ( بعض البشر يمكنهم ان يعلموا ما يحدث في المستقبل ويمكنهم تحريك الاجسام بمجرد الارادة ) فكل هذه قضايا يمكن ان نصدق بها او نكذب بها

سبب التصديق
القضية التي نصدق بها إما أن نصدق بها بسبب وإما ان نصدق بها بلا سبب فأما التي نصدق بها بلا سبب فتسمى (اوليات ) مثل (الشئ لا يكون موجود ومعدوم في حالة واحدة ) ومثل (الكل اكبر من الجزء ) ومثل (الشخص الواحد لا يوجد في مكانين في حالة واحدة ) وهذه نصدق بها بمجرد تصورها بدون حضور سبب سوى ذاتها فقط فإن وجدت نفسك لم تصدق بها بداهة فذلك إما لأنك لم تتصور مفرداتها وإما لأنك خالطت أهل السفسطة وتأثرت بهم ففسد ذهنك وخرجت عن طبعك الاصلي وفطرتك الاولى

واما القضية التي نصدق بها بسبب

فإن هذا السبب اما ان يكون حس او تجربة او تواتر او نظر

فأما التي سبب تصديقنا بها هو الحس

فهي مثل (هذا الفرس اسود ) ومثل (هذا الانسان يشرب ) فأنت تشير الى شئ معين وتصفه بأنه هو اسود او هو يشرب وهذه القضية تسمى (قضية في عين ) لأنها تخبر عن شخص معين مشار اليه بأنه بحال ما وأنت تصدق بها لانك ابصرت بعينك هذا الفرس او هذا الانسان فوجدته اسودا او يشرب فلا سبب لتصديقنا بها سوى حس البصر —

واما القضية التيي سبب تصديقنا بها هو التجربة

فهي عبارة عن قضية نصدق بها بسبب تعاون الحس والعقل معا أما الحس فبأن يتكرر امام حواسنا تعاقب شيئن في ظروف مختلفة واحوال متباينة فينتبه العقل وقتها ويضيف قياس من عنده فيقول (لولا ان هذا التعاقب بالذات لا بالعرض لما اطرد هكذا في ظروف مختلفة واحوال متباينة — ولكنه أطرد في ظروف مختلفة واحوال متباينة — اذن هو بالذات لا بالعرض ) فيصدق العقل وقتها ان (المتعاقبين احدهما سبب للاخر ) وسبب تصديقه بذلك هو التجربة اي تعاون الحس والعقل ومثال ذلك تصديقنا بأن (النار تحرق ) أو أن الماء (مزيل للعطش ) او أن (الشتاء يكون باردا ) فهذه قضايا صدقنا بها بسبب هو التجربة لأنه تكرر امام بصرنا ان النار تحرق في ظروف مختلفة واحوال متباينة اي عند حضور اسباب او غيبتها فعلمنا من ذلك ان النار هي التي تحرق وانها سبب الاحتراق لأنها الحاضرة دائما رغم غياب كل الاسباب الاخرى فيتعين ان تكون هي السبب وكذلك نحن نشرب الماء فيزول عطشنا ويتكرر هذا الفعل منا في ظروف مختلفة واحوال متباينة فنصدق وقتها أن سبب زوال عطشنا هو شربنا للماء لانه قد تكرر زوال عطشنا عقب شرب الماء في ظروف مختلفة واحوال متباينة فظهر لنا انه لاسبب لزوال عطشنا سوى شرب الماء — وأنت مثلا لو فرضنا انك صفقت بيدك فوقعت شجرة فإن هذا لا يعني ان تصفيقك هو سبب وقوع الشجرة لأن هاهنا شرط غائب وهو ان يتكرر وقوع شجرة عقب تصفيقك مرات كثيرة وفي ظروف مختلفة واحوال متباينة فوقتها يمكن ان نصدق بأن تصفيقنا هو سبب لوقوع الاشجار ولكن لأن ذلك لا يتكرر فلا نصدق به بينما نحن نصدق بأن النار تحرق وان الماء مزيل للعطش لأنه تكرر امام حواسنا احتراق الاجسام عند ملاقاتها للنار في ظروف مختلفة واحوال متباينة وتكرر شعورنا بزوال عطشنا عقب شرب الماء مرات كثيرة وفي ظروف مختلفة واحوال متباينة ولذلك كانت تجربة

واما القضية التي سبب تصديقنا بها هو التواتر
فهي عبارة عن قضية حسية او تجريبية ولكن لم نحس نحن ولم نجرب نحن بل احس غيرنا وجرب غيرنا ثم اخبرنا بذلك ولا يلزم ان نصدقه او نكذبه بل يبقى الأمر في حيز الامكان ولكن إن علمت ان هذا الرجل الذي اخبرك هو رجل عدل حسن السيرة لا يكذب فإنك تظن صدقه وان علمت انه كثير الكذب فاسق سئ السيرة فإنك تظن كذبه وهذا مجرد ظن لأن من هو عدل وحسن السيرة قد يكذب ومن هو فاسق كثير الكذب قد يصدق هذه المرة ولذلك فإن هذا ينتج ظن ولا ينتج يقين ولكن إن تكرر سماعنا لنفس الخبر من اشخاص كثيرين لا يتصور بينهم سبب جامع على الكذب فأننا نجد انفسنا مصدقين بيقين لهم لأنهم اخبروا عن شئ واحد واتفقوا في الاخبار عنه مع انه لا يوجد سبب يجمعهم على الكذب فيقطع العقل وقتها بأنهم صادقين وذلك لأنه تكرر سماع نفس الخبر من اشخاص مختلفين لا يتصور بينهم سبب جامع على الكذب فينتبه العقل وقتها ويضيف قياسا ويقول (لولا انهم صادقين لما اتفقوا رغم تباينهم في الاحوال والمصالح والاغراض بحيث يستحيل ان يجمعهم سبب علىى الكذب – ولكنهم اتفقوا رغم ذلك — اذن هم صادقون ) ومثال ذلك تصديقنا بوجود نابليون بونابرت والشافعي وان الكعبة التي امرنا الله بالحج اليها هي في مكة لا في مكان اّخر وكذلك معرفتنا بأن الصلوات خمس لا ست لأن هذا متواتر بين الناس فلا نجد انفسنا شاكين فيه حتى وان لم نطالع القراّن او الحديث ولذلك فنحن نجد انفسنا مثلا شاكين في أن الامريكان قد وصلوا الى القمر عام 1969 لأن الذي اخبرنا بذلك هو الامريكان فقط ولم يشاهدهم احد وهم يهبطون على القمر بل نحن شاهدنا فقط فيلما تلفزيونيا وما يدرينا فربما تم انتاج هذا الفيلم في هوليود لايهامنا بأنهم هبطوا على ا لقمر لغرض ما في انفسهم ولذلك فإن قضية أن (الامريكان قد وصلوا للقمر عام 1969) هي قضية مشكوك فيها لأن شروط التواتر لا تنطبق عليها

واما القضية التي سبب تصديقنا بها هو النظر
فهي عبارة عن قضية ينكشف لنا صدقها او كذبها بالنظر ومعنى النظر هو طلب علم بالفكر اي ان تطلب ان ينكشف لك صدق او كذب قضية بالفكر ومعنى الفكر هو ان تؤلف بين علمين تصديقيين سابقين في ذهنك تأليفا ما يلزم عنه ان ينكشف صدق او كذب قضية اخرى اي علم جديد ينكشف لك ولكن هذا التأليف يوجد منه ثلاثة انواع فهو اما (قياس ) واما (استقراء ) واما (تمثيل ) فهي ثلاثة انواع والكلام عن هذه الانواع الثلاثة يحتاج الى تطويل ليس هذا بمحله فلنقتصر على القياس فأقول القياس هو عبارة عن قول مؤلف من قضيتين اذا سلمت قضاياه لزم عنه قول ثالث اضطرارا ولكن هاهنا شرط في القضيتين وهو ان يكون هناك معنى متكرر تم ذكره في كلا القضيتين مثل قولنا (كل جسم ممتد — وكل ممتد متناهي — اذن كل جسم متناهي ) فكلمة (ممتد ) تم ذكرها في كلا القضيتين حتى يقع الاتصال او الانفصال بين المعنيين الاخرين الغير متكررين اي بين الجسم وبين المتناهي وكذلك مثل قولنا ( هناك موجود لم يسبق وجوده عدم — والدليل هو — ان كل حادث له سبب — والعالم حادث — اذن العالم له سبب — ثم نقول — وهذا السبب اما ان يكون حادثا او غير حادث — فإن كان غير حادث فقد ثبت وجود موجود غير حادث — وإن كان حادثا فلابد له من سبب — فإما ان يتسلسل ذلك لما لا نهاية فيكون اسباب حادثة لا نهاية لها — واما ان ينقطع التسلسل بإثبات سبب غير حادث — والتسلسل محال — فلا يبقى الا اثبات سبب غير حادث اي سبب قديم اي سبب لم يسبق وجوده عدم ) وهذا هو البرهان على وجود موجود قديم اي على وجود الله — فهذه قضايا يتم اثباتها بالبرهان –ولا يمكن ان يثبتها بالبرهان الا من علم كيف يكون البرهان وكيف يؤلف برهان وما هي شروط البرهان ومن لم يعلم ذلك فلا يمكن ان يدرك اي معرفة نظرية (اقول نظرية لا تجريبية )

خاتمة
يجب ان تقرأ هذا المقال عدة مرات حتى تفهمه وتستوعبه لأنه موجز شديد الاختصار لأمور دقيقة عسيرة على الفهم ثم ان ساعدك التوفيق يمكنك ان تنطلق منها نحو الاستقصاء والاطناب والتشعيب والتفريع ولكن اهم ما يجب ان تستوعبه هو الفروق الدقيقة بين معرفة اولية وحسية وتجريبية وتواترية ونظرية فربما انفتح عليك باب الفهم وانتبه عقلك الى خدعة سوفسطائية العصر ا لحديث والتي هي عبارة عن خلطهم بين (الاستقراء وبين التجربة ) او خدعتهم في ان العلوم هي ( تجربة فقط ) بينما النظر والفكر هو (فلسفة) رغم انه لو نفينا العلوم النظرية لما كان هناك علوم اصلا واقتصرنا فقط على المعارف التجريبية ولما ادركنا علم رياضيات ولا علم فلك ولا علم الالهيات لأن كل هذه تدرك بالنظر لا بالتجربة فتنبيه وتفكر ولا يخدعنك اجماع السفهاء او سخرية االبلهاء وكن انت.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






-->

تعليقات الفيسبوك