مجنون أم فيلسوف ليلى .. كيف انتقد قيس العقل العربي عبر الحب ؟

مجنون أم فيلسوف ليلى .. كيف انتقد قيس العقل العربي عبر الحب ؟ – بقلم: حمودة إسماعيلي

الصلاة أهم ركيزة من ركائز الإسلام، فـ”الصلاة عماد الدين”. لا ينطبق هذا على قيس ابن الملوح، ليلى تشغله حتى بالصلاة، بل هي صلاة في الصلاة :

وَإِنّي إِذا صَلَّيتُ وَجَّهتُ نَحوَها بِوَجهي وَإِن كانَ المُصَلّى وَرائِيا
وَما بِيَ إِشراكٌ وَلَكِنَّ حُبَّها كَعودِ الشَجى أَعيا الطَبيبَ المُداوِيا…
أُصَلّي فَما أَدري إِذا ما ذَكَرتُها اِثنَتَينِ صَلَّيتُ الضُحى أَم ثَمانِيا.

بل يمكن أن نعتبر أن قيس قد أصدر فتوى تخص الحج، حين يقول :

إذا الحجاج لم يقفوا بليلى
فلست أرى لحجّهم تماما
تمام الحج أن تقف المطايا
على ليلى وتقريها السلام.

لا تمام للحج إلاّ برؤية وجه ليلى، باعتبارها شعيرة دونها يسقط الحج ! كل محاولات هدي قيس باءت بالفشل ! “فإن كنت مطبوباً فلا زلت هكذا وإن كنت مسحوراً فلا برأ السحر” !

قيس ابن الملوح، الشخصية المتربعة على عرش الشعر العربي.. شخصية عالمية، فاق بتأثيره تأثير المتنبي الذي يدرّسونه للصغار والكبار على حد سواء بمؤسسات التعليم، وقيس لا يُأخذ بجدّية، طالما أنه “مجنون”؛ بما أن “العقل” كمفهوم في ثقافة الأعراب هو اللجم والعقال، أي بصريح العبارة التأطير ورسوم الحدود بما يتوائم والتقاليد المتفق عليها بالشريعة. هذا ما يجعل أي تجربة خارجة عن مألوف التربية العربية، شكلا من الخروج على حدود العقل، وما خلف هذه الحدود مجرد “جنون”. فهل كان قيس (كتجربة) أكبر من (وعي/إدراك) عقل البيئة العربية ؟ أليس الجنون بُعداً من أبعاد العقل ؟ أفلا يكون قيس أعقل من عقل العرب ؟

يضرب الفقهاء المثل بقيس، للتشهير بـ”الغرام” كنوع من البلاء أو الداء والعياذ بالله ! حيث أن جنون قيس يمسّ بأسس العقيدة وأركان الشريعة من وجهة نظرهم الفقهية. من الجانب اللغوي لا أحد يستطيع الاقتراب من قيس، بيانه ساحر، أما على مستوى المضمون الخطابي فقيس “يخبّص بالحكي” كما يقال بالعامية ! من منطلق الفقهاء سواء اعتمدوا البيان أو المنطق كركيزة في الحكم والرؤية، فإن العقل يرتبط ارتباطا وثيقا بالشريعة، ويقبع الاختلاف بينهم في الجوانب التشريعية الأوثق ارتباطا بالعقل؛ لينزلق بهم المسار الخلافي نحو الفتوى والأقوال عن حال الدين (تمثيل الشريعة بالواقع ـ ومن الأجدر بهذا التمثيل). من جانب آخر، قيس تجربة شعورية تأخذ معطى بيانياً. يختلف كشاعر عن الصوفيين بمادية وواقعية تجربته، حيث المطلق موجود وحاضر ومرئي كمادة، وهي ليلى، وليس مجرد معطى وجداني كحالة المتصوفة، حيث الذات مرتبطة كونيا بالمطلق الساكن في القلب، أو ما يطلق عليه بحالة الشطح.. شطح قيس هو ليلى، شخص يمكن معانقته، والإحساس بنعومة ودفئ نهديها.

هنا العقل (الفقهي الجوهر) يأمر باجتناب الحب كمصدر تشويش وانزلاق وضلال. والدليل قيس الذي أخذه الهيام حد الاجتهاد الفقهي وتأسيس شريعة توائم تطلعاته الغرامية. وبما أن العقل العربي مبني على البيان، تم الدفع بالشعراء بعيدا عن الفقه ضمن “لائحة سوداء” ما دام شعرهم لا يخدم مقاصد العقل والشريعة : من ضمنها التغني بالدين والرسول والصحابة. فالشاعر بقوة بيانه قد يبلبل المنهج التشريعي الذي يمسك بالسلطة السياسية : من هنا أتت محاكمة الشعراء أو وصمهم بالزندقة والجنون.

هل كان قيس من خلال تجربته يسخر من العقل العربي في شعره ؟ هل كان يقلل من قيمة الطقوس مقابل تثمين الإحساس والتجربة (الفردية) ؟ أمر غير مستبعد. غير أن ما يمكن استنتاجه من تجربة قيس، هو أن العقل لديه لا يخضع للتعريفات الفقية المسبقة ـ بالرغم من أن الصورة لا تأخذ وضوح تجربة المعرّي الشعرية ـ إلاّ أن قيس يقف بشكل بارز ضد مظاهر التسلط الديني والتقليدي.

من هنا تنطلق سخرية قيس : “يُلَوِّمُني اللوّامُ فيها جَهالَةً فَلَيتَ الهَوى بِاللائِمينَ مَكانِيا”. يتّخذ قيس هواه عقلاً، ليقف هذا العقل عن اتباع الإمام. تصبح ليلاه وجهته، والذات تتكشّف وتكتشف معانيها.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك