الغناء بين التحريم والفن .. هل أخطأ الفقهاء ؟!

الغناء بين التحريم والفن .. هل أخطأ الفقهاء ؟! – أسامة غناي

يمكن دراسة هذه المسألة من خلال ما اعتمد عليه جمهور الفقهاء في فهم النص القرآني من جهة و في فهم نص الحديث من جهة أخرى.
إعتمد الفقهاء و المفسرون في تحريمهم للغناء على آية وردت من سورة لقمان يقول الله تعالى فيها : ” قال الله سبحانه و تعالى “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ”
– و قد ذهب أغلب المفسرين إلى أن لفظ ” لهو الحديث ” في هذه الآية المقصود به ” الغناء ” و هو ما ما يضل عن سبيل الله ذلك أن الغناء حسب إعتقادهم هو طريق للشيطان و إلى آخره من التبريرات التي تبدو واهنة و ضعيفة في نظري.
– إن لفظ ” لهو الحديث ” هو لفظ قد يحتمل عديد المعاني التي لا علاقة لها بالغناء و لا بالطرب، فاللفظ يبقى معتما و غير واضح قائم على عديد التأويلات، و قد لا يخص الغناء كظاهرة بل ربما يخص ظاهرة إجتماعية أخرى كالحديث في أعراض الناس مثلا، أو اللغو بما لم يجب على المسلم قوله و لا التلفظ به، فلفظ ” لهو الحديث ” يظل لفظا غائما بالضبابية و غير قابل لأن يكون سندا صحيحا يدلنا على أن الغناء أمر حرمه النص القرآني صراحة.
– يعتمد أغلب الفقهاء و المفسرين على حديث نبوي صحيح بإسناده و متنه روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم مفاده : ” ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ”
– إن هذا الدليل قد يكون دليلا قاطعا على أن المعازف و الغناء و الطرب هو ضرب من ضروب الإثم و المنكر، ذلك أنه مرتبط تمام الإرتباط حسب الحديث، بأكبر الكبائر ” الزنا “، فجنى على أغلب الفقهاء أن يحرموه لما فيه من عواقب وخيمة و آثام قد لا تحصى و لا تعد.
– إن الحديث واضح، تمام الوضوح لا يحتمل تأويلا أو فهما آخر، لكن أين يمكن أن نتبين الخور في كل ما قد حللته لكم في تفسيرهم لنص الحديث ؟
– إن ما من شك أن هؤلاء الذين قالوا بالتحريم، استندوا كما ذكرت لكم على جملة من المراجع. فالنص الديني لا يقر صراحة بأن الغناء حرام شرعا، أما نص الحديث ففيه جوانب أخرى سيتسنى لي استعراضها لكم، و ربما هذا ما غاب عن جمهور الفقهاء في تفسيرهم هو السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا حرم محمد المعازف و قرنها بالزنا و الخمر ؟
ليس هذا الإقتران صدفة، بل دعنا نعود تدريجيا إلى فترات معينة من التاريخ الإنساني ( قبل الدعوة المحمدية و بعدها بفترات )
– حرم الرسول (صلم) الغناء لأسباب ترتبط بالأساس بطبيعة المجتمع القريشي قبل الدعوة و بعد الدعوة، لقد إقترن الغناء في السابق حقا بالجلسات الخمرية التي كانت موجودة في أغلب القبائل، فيأتون بالنساء للرقص و الغناء و الطرب و الزنا و ما تلاها من عرض للتقاليد و العادات ” الجاهلية ” التي رسخت في التراث العربي آن ذاك، و التي بقيت صداها معلقة حتى في صدر الإسلام و حتى بعد موت رسولنا الكريم. بالتالي عمد الرسول إلى إجهاض هذه الجلسات الغنائية التي إقترنت في الأساس بالزنا و الخمر. و لم يكن الغاية من هذا التحريم في الحقيقة تحريم المعازف و حسب، فالمعازف مذكرة في آخر قوله، في تحليلي للسبب الفعلي وراء تحريم الغناء بعقل الرسول، فهو أراد بالأساس التخلص من ظاهرة الزنا و الخمر بالأساس، و ربما إقتران هاتين العادتين المخلتين بطبيعة المجتمع أثر سلبا على الجلسات الغنائية. يمكن أن نسأل الآن، هل كان الرسول ليحرم المعازف إن لم تقترن بمثل هذه العادات السيئة ؟ في الحقيقة يبقى السؤال منطقيا و تبقى الإجابة عنه قابلة للتسوية.
– إن النص القرآني هو أصل ثابت غير قابل للتغيير فهو نص مطلق صالح لكل زمان و مكان، أما نصوص الحديث فهي تأخذ جوانب أخرى، منها ما يمكن تطبيقه في زمننا هذا و منه ما لا ينطبق في زماننا هذا، و هذا نتيجة لتغير المجتمعات و تطورها عبر العصور، فالغناء اليوم ليس هو نفسه الغناء الذي عهده الرسول في عصره، أو بالأحرى ظهور مفهوم ” الفن “، و مجتمع الرسول لم يكن هو نفس المجتمع الذي نحن فيه اليوم، فالخطأ أن نسقط حكما على حقبتين مختلفتين يتم من خلالها تمرير حكم التحريم دون النظر لخصوصيات المجتمعين.
بالتالي، فإن التحريم بموجب هذا التحليل يبطل إبطالا عمليا، و لنضف على ما قد سلف ذكره، الغناء لا يتخذ موضوعا محددا كما هو الحال فيما قد سبق عصرنا، فالغناء يتخذ أشكالا عديدة ” غناء الحرية و غناء الثورة و غناء الرمز، غناء شعبي.. ” فإن للغناء وظيفة تثقيفية و توعوية تخرج الفرد من دائرة التقوقع إلى دائرة المعرفة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك