الصين حلوة .. كيف تحولت الصين إلى عملاق عالمي ؟!

الصين حلوة .. كيف تحولت الصين إلى عملاق عالمي ؟! – وائل سمير 

“- مدام موجودة؟!
– نو ثانكس..آى دونت وانت!
– شوكراً ” !
طالعتنى بوجهها المنمنم ذو الملامح المميّزة..أستطيع أن أُفرّق بين الوجه الصينى واليابانى..كيف..الله أعلم..قصيرة القامة كانت..ممتلئة قليلاً “مدككّة”..أو “مسخوطة”!..تحمل على ظهرها جبلاً عبارة عن حقيبة سفر عملاااااقة يكفى أن تنظر إليها لتلهث من التعب!..على وجهها إبتسامة (بوذية) مؤدبة,ليست إبتسامة ثعبانية لزجة مثل تلك التى يرسمونها على سحنهم مثل أفراد خدمة عملاء شركات المحمول..يا إلهى!..إن المصعد مُعطّل..ونحن فى العاشر!..أصعدت تلك الإنتحارية عشرة أدوار على ظهرها ذلك الجبل؟!,آتية من آخر بلاد الله لتدور فى حوارى المحروسة وتصعد البنايات وتدخل العشش وتسأل بكل أدب “مدام موجودة؟!”..تصببتُ عرقاً لهول الفكرة!..ودخلت لأجلس على مكتبى وأُكمل مقالاً كنت أكتبه عن..عن الصين!..فإن كنا صديقى القارئ سنتحدث عن هذا الموضوع فهناك إحتمالين..أولهم..أن نأخذ الموضوع “تريقة” و”مألسة” على خلق الله والنظر على قشور القشور ونقلبها كلام مصاطب ونخرج من الحديث بلا شئ يسمن أو يُغنى من جوع..الثانى..أن نتكلم كلام مجعلص فيه تواريخ وإحصائيات و أرقام وأسماء ومصطلحات ونحن لدينا”ارتكاريا” من الارقام..لذلك فلنحاول معاً أنا و أنت أن نجمع ما بين الحُسنيين..فالموضوع حقاً مهم..وصدقاً خطير…

الصين!..ذلك التنين الخرافى الذى استيقظ بعد نوم قرون لينفُث ألسنة لهب تلفحنا جميعاً..فى كل مكان فى العالم يوجد شئ – بل قُل أشياء – من الصين..اقتصادها “الشلاّلى” يندفع فى كل البلاد..فى البيوت..فى العقول..اقتصاد..جعل من جملة “صُنع فى الصين” تعبيراً عالمياً..ينظر إليه البعض بعين الاعتبار والاهتمام والترقُّب والرعب..والبعض يتخذه مادة للسخرية والمألسة وضرب الأمثال على الأشياء سيئة الجودة والصّنع..انظر حولك يا صديقى..ملابس..أحذية..ألعاب..انظر إلى ما يُسمّى “بالإنيمى”,ذلك الكارتون ذو الطابع المميز لأبطاله واسعوا العيون – يمكن بيعوّضوا عُقدة النقص – ..انظر الى التليفزيونات وأجهزة العرض الحديثة والهواتف المحمولة والكمبيوترات التى تنتجها أكثر من أى بلد..انظر إليها وهى تتحرك بسرعة وثبات الجيش النازى نحو تكنولوجيا الفضاء وتعقيدات الهندسة الوراثية..

تنتج كل ما تنتجه المصانع فى أمريكا وأوروبا وآسيا بنصف الثمن بنفس الجودة!..كيف حدث هذا؟!..نحن نتهكّم ونتندّر بسجاجيد الصلاة الصينى وفانوس رمضان الصينى والمروحة الصينى..إلخ,وكل منافذ بيع المنتجات الصينية المعروفة بـ “اتنين ونُص” من (هيّة ورزقها) و (العفريت) و (آخر العنقود) و (دلع البنات)..ولا ندرى أننا عندما نسخر من تلك الأمور فإنما نسخر من أنفسنا..بل فى الواقع نحن من يستحق التهزيق والشتيمة!كيف وصل هؤلاء “المدككّون” إلى ماهُم عليه الآن؟! وماهى الصورة التى سيكونوا عليها بعد عشرون عاماً؟!..”العِرق دسّاس”!..قالها صديقى ساخراً إذ كُنّا نناقش نفس الحوار..وأردف”أليسوا هم أحفاد هولاكو والتتار؟..هولاكو غزا العالم بالسلاح..وهم يغزون العالم الآن بالاقتصاد”!..هل هذا صحيح؟..تذكرت مقولة “تشرشل”:لا تخافوا من الخطر الأحمر -يقصد السوفيت – بل انتظروا الخطر الأصفر” !..فى رأيى أنه ليس فقط الاقتصاد..إذ ترى الآن بيننا إنتشار تلك البالونات المضيئة تُعلّق فى كل مكان..فى البيوت والمقاهى والمحلات..هى نفسها التى يعلّقونها فى بيوتهم ومقاهيهم ومطاعمهم وفى بيوت “الجيشا”!..انظر فى الافلام الأمريكية على وجه التحديد وهم يطلبون”تشاينيز فوود” ويأكلونها فى تلك العلب الشبيهة بعلبة “السّبُوع” عندنا ولكن على كبير!..إنه ليس غزواً يا أطفال..إنه إجتياح..إعصار..طوفان..

لقد فهموا جيداً ووعوا ودرسوا معنى كلمة “إنفتاح” وخطّطوا ونفذّوا لذلك نجحوا..ليس مثلنا ليُصبح الانفتاح “سداح مداح” كما قال عمنا “أحمد بهاء الدين” رحمة الله عليه فى يوم من الايام..فى الصين..رأوا أن الانفتاح السليم الواعى هو التحرّك فى إطار الضرورة المفروضة عالمياً فيما يُسمّى “بالنظام الاقتصادى العالمى الجديد”, ولكن – وضع ألف خط تحت “لكن” – مع الحرص على المصالح الذاتية وعدم الانسلاخ من الهوية الوطنية للنهوض واللحاق بعصر العلم وثورة المعرفة واستثمار الطاقات ,وإلتزمت بمنهج “الوحدة والصراع”..”الوحدة” أى وحدة الشعب الصينى وإتفاقه – بمختلف اتجاهاته – فى المصلحة العامة ليلضُم مع “الصراع” ليكونوا جيشاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً يغزو العالم بتلك القوة الناعمة!..

كما سعت وحاربت – بجد – بنهوض المجتمع داخلياً من تعليم وادارة المؤسسات واستقطاب رؤوس الأموال المستثمرة من مصانع عالمية وشركات عابرة للقارات من تايوان وهونج كونج وامريكا و بريطانيا معتمدة على رأس المال البشرى والفكرى لتتكيّف مع مقتضيات حضارة العصر وتوفّر القدرة الذاتية غير معتمدة على أحد..فى حين نجد نُظُم حاكمة وأقطار فى مجتمعات أخرى آثرت السلامة وإبتعدت عن “الوَشّ” و وجع الدماغ واختارت أن تكون تابعة “دلدولة” للقُطب الأقوى والأوحد – من وجهة نظرها – وهى أمريكا..ووضعت رصيدها وراهنت به..رامية بمصلحة الشعوب والاوطان والتاريخ والامم والنهضة فى أقرب مزبلة, لتبقى فى حُكمها..هم ليسوا بأربع أياد ولا ثمان عقول..هى بلد كانت مثلنا..عانت من ظلم الاستعمار والاستبداد والديكتاتورية والتخلُّف لقرون..والقارئ للتاريخ سيرى أن المجاعة التى حدثت فى عهد مُفجّر الثورة الشيوعية “ماو تسى تونج” أدّت إلى “أكل” الناس لبعضهم بالمعنى الحرفى للكلمة!!..

و أكثر شئ يجلدنى غيظاً وكمداً وفقعاً أن أتخذ دور الواعظ الأخلاقى وكأننى أُطلّ على الناس من برجى العاجى ينتظرون فى شغف كلماتى الحكيمة التى سأتفضل بكرم أخلاق منّى بإلقائها عليهم والتى ستحلّ كل مشاكل العالم فى طرفة رمش..أو مظهر المفتش الجنائى الذى يرمى التُهم على الآخرين..ومع ذلك تجد ذلك الملعون المُسمّى بالضمير يجعلنى لا أُطيق إلا أن أسأل ,خصوصاً أن هذا الموضوع بييجى ع الحتّة العريانة فى سلك حُبى لهذا الوطن : أليس السبب فيما نحن فيه الآن من خيبة ووكسة ومصيبة تستحق بجدارة أن نلطم لها الخدود ونشُق لها الجيوب, هم أساتذة الاقتصاد “السريّحة” حاملى الدكتوراه فى الباذنجان المخلّل..

الذين لا هَمّ لهم إلا ما قاله إنجلز وسميث وماركس,تاركين بعناد حمار حصاوى أصيل وضع أساس اقتصادى سليم ومتماسك يصلح مع تركيبة و”خامة” هذا الشعب..أليس القائمون على التخطيط الذين تركوا التخطيط الفعلى وتفرغّوا لتخطيط القمصان المشجّرة هم سبب..وأصحاب “البدل الرمادية” الحنجورية أصحاب الشعارات,الكلامنجية لاعبى الثلاث ورقات المرددّين “أن 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا” هم سبب..والكارثة أن كل الفرق ترمى التهمة على الآخر ويدرأ عنها نفسه..تاركين المجتمع الغلبان يقع فى “مفرمة” كل من هَبّ ودَبّ..

***********

ذات مرّة حكى لى سائق مينى باص صديقى واسمه (طلعت شلبى) قائلاً: “تعرف..مرّة كنت فى مأمورية شُغل..ناس أمريكان من (الكونجيريس) – هكذا قالها – كانوا جايين مصر وكنت المسؤل عن توصيلهم للفندق والتحركات والسياحة وحاجات زى كدة..الناس دول كانوا جايبين معاهم هدايا لاعضاء مجلس الشعب ورؤساء الاحزاب وكدة يعنى!..وقبل ما يسافروا فضلت شوية هدايا إدوهالى فى شنطة..بشوف الهدايا لاقيتها كلها مصنوعة فى الصين!..وكانت حاجات ماركات يعنى”..فرددت عليه : “بسيطة يا عم طلعت..أصل الناس دى من عبقريتها إنها بتعمل الحاجة أم قرش للّى يقدر يدفع القرش وتعمل الحاجة النضيفة أم عشرة للّى يقدر يدفع عشرة..مش كله “مضروب” يعنى يا عم طلعت !..احنا بقى بنعمل إيه..لا عارفين نعمل أبو قرش ولا أبو عشرة..نشترى وبس, والقرش الوحيد إللّى بنعمله هوّ قرش الحشيش !

“**********
فقط لو جلست كل الفرق وعرفوا كيف يُمطروا شيئاً من الحكمة والعقل والمنطق على حديثهم لانقشع هذا الغبار..هذا الغبار والهواء الفاسد يُثير تشدّداً وعناداً فى غير طائل..فقط لو كفّوا عن العنجهية وعناد الرأى وحنجورية الشعارات ومصلحة الفرد وثقافة الـ”أنا ماليزم” وشعار “طز فى الباقى” , ووضعوا همّهم وطاقتهم فى هذا الشعب الغلبان الذى لا يجد حتى الآن مُسمّى و تعريف منطقى لاقتصاده !..فقط لو عرفوا أنها إذا خربت وجابت دُرفها ستخرب على الكل, ليس الضحايا فقط هم الذين يُشاهدون قناة بانوراما دراما وينتظرون الشيف مرزوق..بل أولهم مصطافين مارينا وليس آخرهم قاطنى (بفرلى هيلز)..فقط لو أدركنا نحن أنه ليس بالفهلوة يحيا الانسان , وأن نهضة ذلك التنين لم تأت من فراغ وأنهم حقيقة – نحتوا فى الصخر – لكى يصلوا إلى ما وصلوا فيه وأنهم يخططون إلى ما سوف يكونوا عليه , وأن الصينى قبل أن يضع له خبراء الاقتصاد خط السير الصحيح قرر أن يبدأ بنفسه ويزيح غمامة الثور عن ضميره..فقط لو عرفوا أن الصينيين لا يسعون من أجل الوظائف والمنظرة و فشخرة المكاتب المكيفة وحدها,بل يسعون من أجل التحديث والتنمية,ويكفى أن تعرف يا صديقى أنه حين أرادت الشركات الاجنبية فتح مصانع ومؤسسات وشركات فى الصين أصرّت الحكومة على أن تستخدم تلك الشركات عمالاً صينيين, وأن تعلّمهم كيفية استخدام أحدث مقتنياتها..
**********
أنت ترى معى أننى عرضت المشكلة ولكنى – مأسوفاً على شبابى – لم أهتد لحلّ شاف..وأن الحديث يطول والتاريخ عميق والرؤى كثيرة..كل الذى قصدته بكلماتى هذه أن أفتح النوافذ وأطرد الهواء الفاسد وأكنس الحجرة وأرتّب الأثاث-كأى خادمة تحترم نفسها- ، ليتفضّل السادة الأفاضل من كل معسكر بالجلوس وجهاً لوجه للتحدث بهدوء..بدون تشدّد..بدون عناد..بدون مصلحة شخصية..ولنتفق ولنبدأ معاً من مبدأ واحد قبل النقاش..ألا وهو أن الصين فعلاً….حلوة !

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك