اجتماعية الجهاز المناعي – بقلم: د. محمد لبيب سالم

اجتماعية الجهاز المناعي – بقلم: د. محمد لبيب سالم

الجهاز المناعي جهاز فوق العادة ، جهاز سوبر ، جهاز يقوم بمهام نبيلة فيكفي أنه يحمي الوطن الذي يعيش فيه. ولكي يقوم بمهامه الدفاعية والقتالية فلا بد لخلاياه أن تتعايش إجتماعيا بطريقة سلمية ومتحضرة. فبالرغم من دوران الخلايا المناعية من أخمص القدم حتي منبت الرأس ليل نهار حتي ونحن نيام، إلا أنها لا تختلف ولا تتعارك سويا. فعلي عكس خلايا باقي الأجهزة في الجسد التي لا تبرح مكانها ، تنتقل الخلايا المناعية من مكان إلي مكان بهدف واحد وهو البحث عن المتاعب ، البحث عن جسم غريب ، عن عدو تشتبك معه وتقضي عليه. وفي معظم المعارك تنجح الخلايا المناعية نجاحا منقطع النظير وبأسلوب إجتماعي تعاوني وبدون أن نشعر نحن بتلك المعارك. أليس هذا قمة النبل والتحضر والرقي. وهكذا تعطينا الخلايا المناعية أول درس من دروس الحياة الإجتماعية والوطنية ، الحركة الدؤوبة بإخلاص ودخول المعارك بشجاعة دون أن تشعرنا بذلك.

والحياة الإجتماعية للخلايا المناعية لا تقف عند كونها تنتقل وتقاتل سويا ، وتضحي سويا ، ولكن أيضا في سلوكها المتحضر. فهي تتحدث سويا عن قرب وعن بعد ولكن بهمس، وتهاجر سويا ولكن بنظام ، وتشم رائحة الآخر وتشم رائحة بعضها البعض ولكن بلا صخب، وتنادي علي بعضها البعض بالإشارات ، وتتعاون مع بعضها البعض لصالح الكل. فعلي عكس خلايا باقي أعضاء الجسد ، نجد أن الخلايا المناعية مع أنها تختلف في الشكل والوظيفة عن بعضها البعض إلا أنها تأمن بعضها البعض وتعيش سويا في سلام. فمنها عشماوي الذي يقتل ، ومنها التي تقدم المساعدة ، ومنها التي تتجسس ، ومنها التي تستطلع ، والتي تقبض علي الغريب وتسجنه داخلها ، ومنها التي تسلمه إلي عشماوي ليقتله. فهناك حوالي ١٣ نوعا من الخلايا المناعية التي تجري في دمائنا جنبا إلي جنب تعرف بعضها البعض من خلال قانون غير قابل للإختراق.

وإجتماعية الخلايا المناعية تتحلي بالرقي والتواضع. فرغم إختلافها في الوظيفة والشكل والعدد والزي الرسمي ودرجة تعليمها ، إلا أنها تتعايش فيما بينها في سلام تام ، فلا تهاجم بعضها البعض ، ولا تنقلب ، ولا تقاطع ، ولا تغتاب ، ولا تخون بل تتصف بالمواجهة والنزال في المعركة مع العدو وجها لوجه بل تتعاون وتتكامل في الوظائف كل خلية بدورها المحدد في توقيت ومكان محدد لا تتعداه. ورغم أن هناك من الخلايا المناعية من نالت قسطا كبيرا من التعليم عن زميلاتها ، إلا أن الأولي لا تتكبر علي الثانية ، والثانية لا تحقد علي الأولي بما فضل الله بعضهم علي بعض من تميز. الكل يعمل في فريق متكامل ومتجانس ومتعاون. وهكذا نري قمة الجودة والنظام والتعايش الإجتماعي السلمي بين الخلايا المناعية.

ولكن قد تمرض الحياة الإجتماعية للخلايا المناعية عندما يتدخل غريب ويوقع بينها من ناحية وبينها وبين خلايا الجسد الأخري من ناحية أخري. حينئذ تنقلب الخلايا المناعية علي بعضها البعض وعلي خلايا الجسد الأخري مما يؤدي إلي خلل كبير وخطير للجسد ككل. وعادة لا يحدث ذلك إلا عندما تفشل الخلايا المناعية في صد الهجوم وينجح الغازي في استعمار الخلايا والتمكن منها ، أو عندما تتعرض الخلايا المناعية إلي الخيانة أو التدخل الطائش من بعض أفرادها سواء بفعل فاعل منها أو بفعل وقوعه تحت تأثير عوامل بيئية خارجية أيا كانت نوعها ومصدرها.

وهكذا تُعٓلمنا الخلايا المناعية التعايش الإجتماعي السلمي من أجل المصلحة العليا والإنتصار في المعارك ضد من تسول له نفسه أن يغتال الجسد. فنتعلم منها النبل ، والتضحية ، والجدية ، والعمل الشاق ، وإيثار ابآخر ، والتعاون ، والتكامل والتواضع ، والرقي. ونتعلم منها أن البيئة السيئة تضر بالكل ولذلك لا بد من تجنبها أو التخلص منها إذا لزم الأمر.

الجهاز المناعي جهاز إجتماعي بطبعه فهو دائم التعارف علي كل خلية في الجسد دون أن يسبب أي ضرر بل ليحميها من كل شر. هو حافظ للأسرار ومعين علي الأضرار.

كم أعشق الجهاز المناعي.

ــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك