محاولة لفهم جنة الخلد من منظور عصرنا – بقلم: طاهر يونس حسين

محاولة لفهم جنة الخلد من منظور عصرنا – بقلم: طاهر يونس حسين

لو أَرَدْتُ وصفَ الجنَّة لرَجلٍ قبلَ ألف عام، و أُقَربها لمُخِه من خلالِ عصرِه.. سأقُولُ له هي بستانٌ ضخمٌ من النَّخيل و الإبل و جواري من بلاد فارس، و وجبةٌ من التَّمر و اللبن و لحم الإبل.. أمَّا لو أردتُ تقريب الجنَّة لرجلٍ من هذا العصر سأتكَلم له عن الكهرباء و المغناطيسية و أمواج الراديو و الذرة و الكمبيوتر و الموبايل و الانترنت و الهاتف الجوال و رِياضَات كُرة القدم و السَّلة و اليد و الريشة و التنس و بناء الأجسام و المصارعة و السباحة و تسلق الجبال، و سوف أُكلمه عن الطيارات و السَّيارات و الدراجات النارية و التلفزيون والمسلسلات و الأفلام والسينما، وعن الأسواق و ما تحتويه من منتجات، و عن الملابس و أنواعِها للرِّجال و النساء و المكياجات و العطورات التي تسكر المخ لجمال رائحتها، و عن الألعاب الترفيهية و عن المطاعم و المقاهي و عن المأكولات من اللحوم المشوية و المطبوخة و الدجاج المشوي و المطبوخ و الأرز الكبسة و المندي و البيتزا و الأسماك و أنواعها و المأكولات السريعة و آلاف مؤلفة من أصناف الطعام و العصائر و أنواعِها و الشَّاي و القهوة و الأركيلة و السجائر الكوبية و القائمة لا تنتهي.. الفكرة من كُل هذا الكلام.

في كُل عَصر سوف تكون نَظْرَةُ النَّاس إلى الجنَّة مختلفةً كلَّ الاختلاف عن العصر الذي سبق، و كُل عصر سَيْنسِف رؤية العصر الذي سبقَه، و إنَّ مسيرةَ التطور مُستمرة حتى نُصبحَ نحنُ بالنَّسبة للعصور اللاحقة عبارة عن عصر بدائي مُتخَلف.. كَمَثَل العصور السَّابقة بالنسبة لنا.. فمالذي حقق هذه الرفاهية العجيبة للبشر في هذا العصر أليس هو العلم بما قدم لنا من اكتشافات و اختراعات .. يقول ربنا : ” وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم ” [لقمان: 27] .. إذا كانت عدة اكتشافات علمية قَدْ غيرت مسار البشرية بالكامل.. فما رأيُكُم بالْكَمْ الهائل و المُضاعف بمقدار مليارات غير منتيهة من العلم العجيب الذي يملكه ربُّ العالمين، و الذي سينتِجْ لك في ذلك العالم الكامل أشياء لا يُمكن لعقل بشر أن يتصورها، فالبشرية مهما وصلت من علوم لا أقول هذا العلم يُشكل نقطة من بحر علم الله.. بل لو وضعنا دبوس و عاد بنقطة ماء.. هذه النقطة تشكل بحر بالنسبة لعلم البشرية، و علم البشرية قطرة من هذا البحر.

لو أحضرنا رجلاً كان يعيش قبل ألف عام و كلَّمناه عن القائمة السَّابقة التي ذكرتها في بداية مقالي من التكنولوجيا و الأطعمة و المشروبات إلخ .. المِسْكين سيفتَح فمَه مِنَ الذُّهول و هو أشهى شيء مُمكن أنْ يأكُلَهُ بضعة تمرات مع كأس من اللبن و في أحسن الأحوال اللحم المطبوخ الذي لا يحوي الملح و البهارات .. و لو أرادَ رجلٌ أنْ يسألَ نفس سؤالي بالضبط و لكِنْ بعدَ ألف عام أي بتاريخ 3016، و قال لو أحضَرنا رجلاً كان يعيش قبل ألف عام و هو يقصد أبناء عصرنا و حدَّثناه عن كذا و كذا من الأشياء التي ستكون موجودة بعصرهم.. سنفتحُ فمنا من الذُّهول كما فتح فمه ذلك الرجل الذي كان قبل ألف عام، و سنقول هذا مستحيل التحقيق.. هذا ضربٌ من الجنون.. يقولُ رَبُّنا: ” قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَ بَارَكَ فِيهَا وَ قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِين ” [فصلت: 9-10].. إنَّ اللهَ الذي خلقَ السَّموات و الأرض في ستةِ أيام، و الأيام التي يقصدُها رب العالمين لا أعتقد كأيامنا؛ لأنَّهُ قبْلَ خلقِ السَّموات و الأرض لم يكُنْ هناك زمنٌ كزمَانِنَا .. قد يكون اليوم منها بمليار سنة، و لكن من هذه السِّتة الأيام كان هناك 4 أيام للأرض و الأقوات التي تحويها الأرض .. و ما هي أقواتُ الأرض ؟ .. هِي كل ما تحويه من نباتات و حيوانات و ثروات باطنية من حديد و ذهب و بترول و ما تحتويه من أمواج كهرطيسية .. إلخ، فبإمكانك تصور ما تخفيه الأرض من أشياءَ لا نعلمُها نحن.

رُبَّما أشياء أعظم بكثير من الذَّرة و النِّفط و الكهرباء و أمواج الرَّاديو.. هذه الأشياء التي أدّت إلى اكتشافاتٍ عظيمة لم تكُن البشرية تعرفُ عنها شيئاً مع أنَّها موجودةٌ في هذه الأرض منذُ مليارات السِّنين.. رُبما المَخفي من أقواتِ الأرض سيمْنَح لهذه البشرية العَجَبْ العُجَاب .. و كل هذا موجود فقط في كرتنا الأرضية، و التي تُشَكِل مع كامل مجرتنا التي تحوي مليارات النجوم و الكواكب نقطةً تافهة بالنسبة للكون.. فما بالكم بما يحتويه الكون الذي يمتد تقريباً على 840 ألف مليار كم، و الذي يشكل ربما فقط السَّماء الدَّنيا، و ما بَالُكُم بما يُخْفيه ربُنا من علمٍ عجيبٍ لتشكيل عالم الآخرة الرهيب المناسب للخلود .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله… الجنة ما بناؤها؟ قال: «لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِلاطُهَا المسْكُ الأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيُخَلَّدُ و َلا يَمُوتُ، لا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَ لا يَفْنَى شَبَابُهُمْ»

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.





تعليقات الفيسبوك