هل الكتابة مرض نفسي ؟ – بقلم: خيال بعيد

هل الكتابة مرض نفسي ؟ – بقلم: خيال بعيد

هل الكتابة مرض ؟ — اعتقد أنها شفاء من المرض وليست مرض ولا أتصور ان استمر على قيد الحياة بدون أن اكتب فهي اشبه بالماء والهواء لا يمكن الاستغناء عنهما ولعل السبب في ذلك هو أن الكتابة بمثابة اخراج لما بداخلك من افكار ومشاعر والقائها على الاوراق في صورة كلمات وفي هذا تخفيف للاثقال والأحمال من فوق الصدور وكأن هناك جبال جائمة فوق صدرك تتخلص منها بمجرد افراغ حمولة قلبك من الافكار والمشاعر على الاوراق ولا اظن ان هناك مفكر لا يمارس الكتابة لأن التفكير حتما سوف ينتج عنه جبال هائلة من الافكار والمشاعر تجثم على صدرك ولا يمكن لبشر أن يحتمل هذه الأحمال والأثقال فيلزمه حتما أن يكتب ولذلك تجد المفكرين يستلذون الكتابة لأن فيها راحة ايما راحة وخلاص من (الحمل الثقيل ) وهذا هو سر تعجب القلوب التي لا تمارس التفكير من تلذذ المفكرين بالكتابة وذلك لأن هذه القلوب لا تعاني من أحمال واثقال الافكار والمشاعر حتى تتلذذ بالخلاص منها بالقائها على صفحات الاوراق ولذلك لا تلتذ هذه القلوب بالكتابة بل ربما يرونها عملا مملا بل وربما يمسكون بالقلم فلا يجدون شئ يكتبونه وهذا هو حال كل قلب فارغ ولكن هذا القلب الفارغ قد يتلذذ بالقراءة لأنه يشعر بلذة الامتلاء بعد فراغ او لذة الشبع بعد جوع وكما ان للمعدة بطبعها جوعة للطعام والفاكهة فان للقلوب جوعة للعلم والمعرفة فعجبا لهذه العلاقة الغريبة بين الكاتب والقارئ وإن لها اسرار اخرى

سبب اّّخر لتلذذ المفكرين بالكتابة
وربما يكون هناك سبب اّخر لتلذذ المفكرين بالكتابة ولعل هذا السبب هو ان الكتابة بمثابة (تموضع للذات ) أي أن تجعل من ذاتك موضوعا خارجيا يمكنك أن تنظر اليه وتتأمل فيه عندما تعيد قراءة ما كتبته وكأنك تقرأ لشخص اّخر غيرك وتحاول أن تفهم ما كتبه هذا الشخص وفهم بواعثه وافكاره ومشاعره وايحاءاته وايماءاته وليس هناك هناك (حلم مستحيل ) للمفكرين اكثر من الرغبة في معرفة النفس وهل يبدأ التفكير أصلا الا بدافع معرفة النفس وفهم اغوارها واسرارها وتقلباتها وبواعثها وهل يوجد هناك ما يساعدك على فهم نفسك اكثر من أن تقرأ ما كتبته في فترة ما ومرحلة ما وكأنك تفهم النفس من خلال اّثارها وربما تتعجب عندما تقرأ كلام كتبته منذ خمس سنوات مثلا وتشعر انك تقرأ لشخص ليس هو أنت لأنك في خلال هذه الخمس سنوات قد تغيرت وتبدلت افكارك ومشاعرك واحوالك النفسية

المفكر الناشئ
عندما يوجد مفكر ناشئ في هذا العالم فإنه يبحث بكل قوة عن مثل أعلى يحتذيه ويستمد منه القوة على الصمود امام جحافل الكائنات البشرية التي تمطره ليل نهار بحكمتها السطحية عن معنى الحياة وغاية الحياة ولا يمكن مواجهة الكثرة الا بقوة ولا تستمد القوة الا من مفكر سابق واجه نفس الموقف وعانى نفس الحكمة السطحية وواجه الاختيار القدري بين (كنه الحياة) وبين (اي حياة ) وكأن المفكر الناشئ في صحراء مظلمة معتمة وفجأة رأى من بعيد مصباح يهديه سواء السبيل وهل هناك فرحة اشد من فرحة هذا التائه الحائر بمصباح الهداية والنجاة ولكن للأسف بعد مدة يسقط (المثل الاعلى ) وإن سقوطه لأشد قسوة على المفكر الناشئ من موت الأب وكيف لا يكون كذلك وقد مات (ابوه الروحي ) وصار يتيما بلا رعاية او هداية في عتمة الطريق فيبحث عن أب روحي اّخر ومثل اعلى اّخر ولكن في هذا الطريق الكل يتساقط كل (الاّباء الروحيين) وكل (المثل العليا ) ولا يبقى في النهاية الا واحد وياليتك تعثر على هذا الواحد ولا تظل منخدعا طوال عمرك في الاشباه
المفكر الموهوب
هناك نسبة قليلة من البشر هي بالطبع مفكرة وهذه الفئة لو لم تجد ما يرضي عقولها فانها سوف تشق طريقها الى الجنون او الاغتراب او ربما الجريمة ولكن للأسف في هذا الزمان تم سد كل الطرق لاحتواء هذه الفئة من البشر فإن نظروا الى الجامعات لم يجدوا ما يرضي عقولهم بل شعوذة ورطانة وان نظروا لمن يطلقون على انفسهم اسم (علماء الدين ) وجدوا بلاهة وعامية تشمئز منها عقولهم وان نظروا للماضي علهم يجدون مصابيح الهدى والنور وجدوا اّلاف الحيل والخدع من (قرود ) هذا الزمان تشوه فكرتهم عن الماضي ومصابيحه من خلال خدع الحداثة والتحديث والقديم والجديد او ربما خدع المدح والاطراء والذم والقدح او ربما من خلال خدع المكانة والشهرة والجاه والمجد فيجب عليك ان تمارس الشعوذة في هذا الزمان حتى تحصل على هذه الاشياء ولن ينجو من هذه الخدع الا من تمحضت ارادته في طلب الحقيقة ولكن هذا نادر لأن طلب المجد والرئاسة والعلو غالب على المفكرين وطلاب العلم

وهم وتنبيه
ربما تظن ان الكمال هو في مخالفة الناس فاعلم أنك مخطئ بل اي شئ لا يتناقض مع الاخلاق والدين فلا ضير من موافقة الناس فيه مثل عاداتهم وملابسهم فالمخالفة وحشة فلا تقم بها الا لضرورة اخلاقية او دينية فإن اضطررت اليها فكن متلطفا فان اللطف من صفات الله فليكن لك نصيبا منها ولا تعاقب الناس على انهم ليسوا مثلك وتنظر اليهم نظرتك للبهائم فلو تحققت لعلمت انهم اهل سلامة في الدنيا والاّخرة أما انت فطالب ملك والغالب عليك هو الهلاك في الدنيا والاّخرة الا ان تغمدك الله برحمته فإن وسوس لك (الشيطان ) بأنك افضل منهم في شئ فاعلم انهم هم الافضل لأن الشيطان لم يوسوس لهم بهذه (الرذيلة الكبرى ).

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك