لماذا يهتم الناشطون السود بالقضية الفلسطينية؟ – إيما غرين

لماذا يهتم الناشطون السود بالقضية الفلسطينية؟ – إيما غرين / ترجمة: رانيه الفضل

الخلاف الذي نشأ حول اللغة التي استخدمتها حركة بلاك لايفز (حياة السود) في برنامجها، والذي كشف عن تاريخ طويل من العلاقات المتوترة بين اليهود والسود في الولايات المتحدة

شهد الخميس الماضي اجتماعاً طارئاً لأعضاء حركة بلاك لايفز وذلك بعد أسبوع من إطلاق لجنة الصياغة برنامجها السياسي الذي غطى مواضيع كثيرة ومتفرقة شملت السياسة الأمريكية وتطوير التعليم وقضايا الحبس. إلا أن الناشطين اضطروا للاجتماع مرة أخرى ومناقشة أحد المواضيع التي ذكرت في البرنامج والتي كانت نقطة خلاف كبير قوبلت بالاستهجان والغضب، وهي تطرق البرنامج للممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

 وقد قامت بعض الجماعات اليهودية بالاعتراض على لغة البرنامج واستخدامه لكلمات مثل (الإبادة) و (التفرقة العنصرية) في وصف الإجراءات الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وأنه “مهين لهم ومشين” أن يحوي البرنامج مثل هذه التهم في حقهم. وقد كان لردود الفعل هذه أصداء في الجمعيات المشاركة. أدانت بعض الجمعيات التقدمية، وذات التوجه للعدالة الاجتماعية، هذا الجزء من البرنامج، بينما ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك حيث اعترضوا على البرنامج ككل. كما اشتركت بعض الجماعات التابعة للكنيسة في ردود الفعل هذه وابدت اعتراضها على البرنامج. أما اليهود السود فقد كان موقفهم صعباً جداً. فقد كان البرنامج بحد ذاته انتصار للناشطين السود، إلا أن هذه التداعيات وضعتهم في موقف محرج مع أنصارهم الباقين من الناشطين والأعضاء.

والمدقق في هذا الموضوع يرى أن لردود الفعل هذه خلفية تاريخية معروفة. فلطالما اجتمع السود واليهود على طاولة التاريخ الأمريكي كقطبين متنافرين في بعض المواقف وكحلفاء في مواقف أخرى. لكن ما يجمعهم دائماً هو الذاكرة المليئة بالاضطهاد والمعاناة تحت مظلة التاريخ. أما اختلافهم الحالي فيظهر مدى اختلاف الموقف الأمريكي تجاه اسرائيل، أو بتعبير آخر اختلاف نظرة اليهود لكل ما يمت لإسرائيل بصلة بعد 1948. وبالرغم من تنافر هذه الجماعات إلا أن تحقيق العدل والمساواة هو ما يجمعهم ويوحدهم، لكن لكلٍ أسلوبه ولغته في تحقيق رؤيته.

 ولم تتبنى بلاك لايفز حتى الآن أي موقف لردود الفعل الكبيرة هذه تجاه برنامجها. بل رفضت زاكيا سكوت، أحد المتحدثين غير الرسميين في لجنة الصياغة، إجراء أي لقاء صحفي، قائلة “أنهم تعرضوا للعديد من الانتقادات حول نقطة بسيطة في البرنامج الذي ضم العديد من المواضيع المهمة. وأن التصريحات يجب أن تنشر بعد موافقة أعضاء فريق القيادة ولجان التأييد” .

تبقى قضية الخلافات المتتالية داخل منظمة بلاك لايفز قضية خاسرة لكل الأطراف. فعلى إثر هذه الخلافات سائت العلاقات بين الأعضاء، وبالطبع أصبح الأمل المرجو في حرية ومساواة للسود واليهود أكبر الخاسرين مع تذبذب العلاقات.

 ارتبط مصطلح “الإبادة” بالهولوكوست. وهي العملية التي تم فيها إبادة 6 ملايين يهودي لانتمائهم العرقي لليهودية. وعلى إثر ذلك تشكلت أقليات حوت الناجين من الهولوكوست، أو ممن حاولوا العودة لديارهم وقوبلوا بأشد أنواع العنف والتعذيب مما اضطرهم للفرار مرة أخرى. كان الحلم الذي يراود هذه الفئة الناجية هو إنشاء وطن يضمن لهم الحرية والمساواة متمثلاً بقيام إسرائيل التي رُسمت في أذهانهم كرد فعل على الهولوكوست.

 ومع ذلك فكلمة “إبادة” المذكورة في برنامج بلاك لايفز ليس لها علاقة بالهولوكوست. بل بما ذكره الناشطين في البرنامج بأن الولايات المتحدة تبارك وتشجع ما تسميه الحرب العالمية ضد الإرهاب بمشاركة حليفتها اسرائيل. وهي بالوقت نفسه متواطئة مع اسرائيل في عمليات الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني. كما وصفوا إسرائيل بأنها “دولة قائمة على التمييز العنصري” وهاجموا في البرنامج أيضاً المستوطنات الإسرائيلية وما وصفوه بالجدار العنصري، وهم بالطبع يعنون الجدار الذي يفصل المنطقة عن حدودها في الضفة الغربية.

وكان لاستخدام مصطلح الإبادة والتمييز العنصري أصداء احتجاجات قوية في المجتمع اليهودي. حيث صرحت الجمعية الحاخامية المحافظة ” بأننا ذهلنا مما سمعناه من إدعائات باطلة وشنيعة في حقنا تجاه الشعب الفلسطيني”. أما منظمة التوراة وهي أحد المنظمات التقدمية التي تهدف إلى تطبيق العدالة الربانية، فحسب وصفها بأنه من المفزع جداً استخدام مصطلح إبادة وربطه بإسرائيل. أما اتحاد اصلاح اليهودية فذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث صرحوا برفضهم كلياً لفكرة نقد واتهام اسرائيل واقحام اسمها في كل حركة يقوم بها الناشطون لشجب التمييز العنصري.

الملفت أن هناك العديد من الجماعات اليهودية داخل إسرائيل تعارض سياسات الدولة، سواءً الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو حتى بناء الحاجز الأمني الذي نصبته إسرائيل في الضفة الغربية. إلا أن انتشار ردود الفعل العنيفة والقوية تجاه البرنامج والتي استنفرت بعض أعضاء الجماعات التقدمية واليسارية، تشير إلى أن المعارضة تستهدف ما هو أبعد من البرنامج أو حتى حركة بلاك لايفز.

ويؤكد القائمين على صياغة البرنامج أن الإختلاف يكمن في فهم المصطلح المستخدم. فإدراجهم لكلمة “إبادة” كان من باب الشرح والتوضيح ولا يتعدى ذلك. وقد صرحت جاني بونسو أحد المشتركين في صياغة البرنامج ورئيسة لجنة السياسة العامة الوطنية لجماعة بلاك يوث بروجكت 100 BYP 100 ومقرها شيكاغو “بأننا نتفهم وجود كل هذا اللغط حول مصطلح “الإبادة” سواءً لارتباطه بالقتل المنظم والجماعي للأمريكيين الأفارقة هنا في الولايات المتحدة أو بقتل الشعب الفلسطيني، لكننا على يقين بأن هذا المصطلح صحيح من الناحية القانونية والأخلاقية”.

 ويرى آخرون أنه لا يمكن اقتصار مصطلح “إبادة” على اسرائيل. فهي كلمة عامة يمكن إدراجها في أي نص طالما أنها تشرح حادثة معينة. وتقول شيرل قرينبيرق، بروفيسورة التاريخ في كلية إترنتي: ” تعني كلمة “إبادة” التوسع في قتل جماعات كبيرة من البشر لانتمائاتهم العرقية أو العنصرية”، وتضيف البروفيسورة التي قدمت بحث يتناول العلاقة بين اليهود وبين السود في الولايات المتحدة ” اتسع مصطلح إبادة في العشرين سنة الأخيرة ليشمل معان أوسع وليغطي أي نوع من أنواع الاضطهاد العنصري”.

 ويمكن القول أن هذا ما حدث بالتحديد، حيث حمل اليهود لغة البرنامج على هذا المحمل الشخصي. وقد أصبحت الولايات المتحدة امبراطورية ترأسها ثلة من البيض الإمبرياللين والرأسماليين وأتباع النظام الأبوي. كانت ردود الأفعال المعارضة للبرنامج ترى أنه كتب بلغة ثورية توارت خلف أسلوب أكاديمي مدروس. حتى أن بعض مؤيدي حركة بلاك لايفز وجدوا اللغة مستفزة حتى وإن أيدوا المضمون. وتضيف البروفيسورة قرينبيرق ” إن استخدام مثل هذه المصطلحات لن يخدم القضية بل بالعكس، فقد شوشت على البرنامج ككل وتسببت برفضه”.

وتقول قرينبيرق “لا يمكن إيعاز الخلاف في اللغة المستخدمة في البرنامج إلى ضعف لجنة الصياغة أو خلل في التعبير. بل هو خلاف على فهم المعنى. فمصطلح “إبادة” بالنسبة للبعض له أبعاد إخرى لدى آخرين.

كما اعترض اليهود وبشدة على اللغة المبطنة والمعادية للسامية التي ربط فيها البرنامج بين اليهود والصهيونية والأنظمة القمعية للسلطات العالمية. ويقول دانييل بيرق، رجل الدين اليهودي الذي يعمل في مجلس إدارة إتحاد اليهود التقدمية للعدالة في بالتيمور، والذي حرص على التعبير عن وجهة نظره الخاصة بعيداً عن الجمعية التي ينتمي لها: “إن فكرة الخلط بين الصناعة العسكرية وبين دعم أمريكا لإسرائيل هي في الواقع فكرة غير صائبة. حيث يحمل ذلك في طياته معان معادية للسامية حول سلطة إسرائيل وكيف تتحكم هذه السلطة في العالم”. ويضيف “كرجل دين يهودي ومواطن أمريكي أجد نفسي قلق إزاء ازدياد عدد المعادين للصهيونية ممن يطلقون الأكاذيب والإشاعات المعادية للسامية. أنا لا أقول أن كل من عارض إسرائيل هو بالضرورة معادٍ للسامية، ولكني أقصد هؤلاء الذين ينتقدون إسرائيل ويعرّضون بالسامية في خطاباتهم”. كانت هذه التعليقات التي نددت بها جماعات متفرقة من اليهود بعد استماعهم للبرنامج.

أما البعض الآخر فيرى أن الإختلاف يعود إلى أبعد من ذلك. فقد تعدت حركة بلاك لايفز في موقفها تجاه اسرائيل على مبدأ أساسي. حيث اعترض مجلس علاقات الجماعات اليهودية في بوسطن على ماقامت به هذه الحركة وحذروا من رفض الحركة بأكملها. وذلك رداً على ما دعى إليه البرنامج من مقاطعة اسرائيل وفضح ممارساتها وتطبيق العقوبات في حقها. إضافة إلى المطالبة بوقف الإمدادات العسكرية للجيش الإسرائيلي وللدولة على حد سواء. وبالطبع فإن بعض الجماعات اليهودية تعتبرالانصياع أو حتى الاستماع لهذه المطالب تهديد وجودي لهم ولدولتهم.

وللرد على هذه الادعاءات، تقول بونسو “لم يكن من أهداف البرنامج أو حركة البلاك لايفز أن تهين اليهود بأي شكل من الأشكال. نحن بالطبع نساند وندعم الفلسطينيين وننتقد ما تقوم به اسرائيل في حقهم، لكن هذا لا يمنع اليهود المناهضين لإسرائيل من المشاركة ودعم الجوانب الإخرى التي نادى بها البرنامج. ومع ذلك فأنا أعترف بأن الوقوف في هذا الموقف صعب ومربك. فكيف تطالب بإيقاف العنف والتنديد بأي شكل من اشكاله، وفي ذات الوقت، تؤيد فرض الاحتلال العسكري لدولة مثل فلسطين”.

ومن خلال هذا البرنامج تطمح حركة بلاك لايفز إلى المضي قدماً في نضالها من أجل الحرية في العالم أجمع بما في ذلك مساندة ودعم الشعب الفلسطيني. بينما يرى اليهود في هذا التأييد هجوماً مباشراً على تاريخهم ودولتهم. والقضية هنا أن كلا الطرفين متشبث ومعتد بوجهة نظره، متناسيا التاريخ والتحالفات التي طالما جمعتهم في السابق. ويبقى الخلاف بين قطبي الحركة قائماً على أشده، قديماً بقدم تحالفهم. فلطالما اتهم اليهود السودَ بمعاداتهم للسامية، ولطالما اتهم السود اليهودَ بنبذهم وإقصائهم للغرباء عنهم، ونسوا أنهم في يوم من الأيام كانوا غرباء في أرض غريبة عليهم.

في عام 1967 كتب جيمس بالدوين مقالاً في جريدة نيويورك تايمز بعنوان “الزنوج أعداء للسامية لأنهم أعداء للبيض”. قال بالدوين في المقال “لا يمكنني إلا أن أتعاطف مع السود في نيويورك. فهم يكرهون أصحاب البقالات اليهود وأصحاب مكاتب الرهنيات اليهود وأصحاب العقارات والسكن اليهود ويصرحون بكرههم لليهود. إلا أن الواقع يقول بأن السود كرهوا الرجل اليهودي ليس لمعاداتهم للسامية، بل لأن اليهودي تقمص شخصية الرجل الأبيض وأصبح يتعامل معهم كأي رجل مسيحي أبيض”.

ويضيف بالدوين أن الشعب اليهودي الذي تعرض لأنواع الاضطهاد طوال تاريخه لم يتوانى عن اضطهاد الآخرين بعد وصوله لأمريكا. “فاليهودي الآن في شارع هارليم (أحد أحياء نيويورك الخاصة بالسود) قد تقمص شخصية المسيحي الذي أصبح يقوم بكل الأعمال القذرة التي كان يشكو منها وينتقدها في السابق.” وذلك في الوقت الذي كان حريّاً باليهود و السود أن يحافظوا على صداقتهم لا أن يهدموها.

ولا يخفى أن بالدوين كان يكتب في وقت كانت العلاقات بين السود واليهود مشحونة ومتوترة. وهي الفترة التي قامت فيها دولة إسرائيل. وقد كان قرار تأسيس اسرائيل في وجهة نظر الكثير من اليهود والسود على حد سواء ملاذاً ووعداً بيوتوبيا طال انتظارها. حيث كانت التجمعات السكنية والزراعية أو ما يعرف بالكيبوتزيم (مستوطنات) حلم يداعب خيالات الاشتراكيين. بوجود حركة نقابية قوية تقوم بشكل أساسي على المساواة بين العمال وهي ما يعرف بالهيستدروت.

ويقول مارجوري فيلد، البروفيسور في جامعة بابسون: “شهدت خمسينات وستينات القرن الماضي وفاقاً كبيراً بين الأمريكيين الصهاينة وبين الناشطين السود، تجلت هذه العلاقة خلال حركة الحقوق المدنية”. حيث وقف رجال الدين اليهود يداً بيد مع المناضلين السود في الجنوب. وقد ظلت الصورة التي جمعت بين أبراهام جوشوا هيتشيل، أحد أشهر رجال الدين اليهود وأحد الكتاب البارزين في القرن العشرين، يسير في المظاهرة إلى جانب مارتن لوثر كينق جونيور يداً بيد في مدينة سيلما شاهداً على هذا الوفاق. ولم يتوقف دعم اليهود للقضية هنا، حيث قضى اثنان من النشطاء اليهود في العشرين من عمرهم في المذبحة التي ذكرت لاحقاً في فيلم “حرق ميسيسيبي” وهم أندرو قدمان وميكي سكيرنير.

ويضيف فيلد “كان هناك العديد من المؤشرات التي بدأت واضحة مع بداية الخمسينات على أن الأمريكيين الأفارقة ينوون التوسع بقضاياهم وربطها بقضايا العالم الثالث كقضية فلسطين وإسرائيل مثلاً.” وقد كانت إسرائيل في تلك الفترة محافظة على علاقتها الوطيدة مع فرنسا التي كانت تسيطر على الجزائروتحاول إخماد حركات المناضلين هناك، كما كانت العلاقات متوترة بين إسرائيل ومصر التي كانت تحت رئاسة جمال عبد الناصر، والذي ترأس وتبنى حركة القومية العربية والقومية الإفريقية تلك الفترة. ومن ثم جاء انتصار إسرائيل، واستيلائها على غزة وشبه جزيرة سينا في أعقاب حرب الستة أيام عام 1967، الأمر الذي لاقى استهجان من قبل العديد من الحلفاء السود الذين طالما وقفوا مع قرارت إسرائيل، ومن ضمنهم مارتن لوثر كنق.

كانت السنوات المقبله وماحملته من أحداث كفيلة بتوسيع الفجوة بين الناشطين السود وبين المؤيدين لإسرائيل. وخاصة بعد أن طالب العديد من الأمريكيين بمقاطعة حكومة جنوب أفريقيا ومعاقبتها، وسحب الاستثمارات نتيجة الفصل والتمييز العنصري الذي أقرته هناك. إلا أن تفاعل إسرائيل مع القضية جاء متأخراً جداً، فلم تنظم للمقاطعة حتى أواخر عام 1980. ووفقاً لفيلد فقد ” كان هذا التصرف من إسرائيل كفيل بزعزة مكانتها عند أغلب الناشطين السود الذين تابعوا الأحداث وتأثروا بها.”

ويتضح مما سبق أن البرنامج الذي صاغته حركة بلاك لايفز مؤخراً لا يعتبر ظاهرة جديدة. فتاريخ الحركة يحمل العديد من الانتقادات لإسرائيل ونشاطاتها الاستعمارية المزعومة. ويتفق جميع الأعضاء الذين اشتركوا في صياغة البرنامج على “أن حركة بلاك لايفز يجب أن تكون مرتبطة ومتفاعلة مع جميع الحركات التحريرية حول العالم”، وذلك كما هو موضح في البرنامج، ” كما أن مجتمع السود في أمريكا هو نقطة التقاء عالمية ولهذا يجب أن تعكس الحركة مطالب الناشطين من حول العالم.” وترى بونسو وأقرانها “أننا نشعر من خلال هذا البرنامج بمسئولية الدفاع عن الحرية حول العالم. وأن ذلك يدفعنا لنقد الأسلوب الأمريكي في السماح لإسرائيل بهذه التعديات سواء كان المتضررين من السود أو أي شعب ملون آخر. فمطالبنا لا تعترف بالحدود والفروقات الجغرافية أو العرقية، وهو ما يجعلنا في حرب لتحرير الشعب الفلسطيني”.

وعلى الرغم من اعتراض الكثير من القادة اليهود على هذه االاتهامات في حق إسرائيل وتاريخها، إلا أن الأمر الأساسي الذي أثارهم هو كون البرنامج يركز في انتقاده على إسرائيل، وإسرائيل فقط. فبالرغم من إدراج البرنامج لأسماء عدد من الدول التي تخضع للسياسة الخارجية الإستعمارية التي تمارسها الولايات المتحدة، إلا أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة التي قام البرنامج بانتقاد خضوعها وتطبيقها لهذه السياسات. حيث لا يجد المتابع للبرنامج أي تعاطف تجاه الشعب الكردي في العراق مثلاً، أو لجماعة الروهينجيا في بورما. كما أن البرنامج لم يلق الضوء على تعامل دولة قطر للعمالة الوافدة، أو لقمع الحكومة السعودية للمسلمين الشيعة في أراضيها. إلا أن التفسير الوحيد لتركيز البرنامج على اليهود هو أن الناشطين السود كانوا يتوقعون الأفضل من اليهود، كونهم شعب ذاق طعم الحرمان من الحرية وسلب الحقوق، ولذا كانوا ينتظرون منهم تعاملاً مغاير. أو لعله استجابة للندائات الدائمة التي تتردد في ساحات الجامعات الأمريكية والي تنادي بحقوق الشعب الفلسطيني. ومهما كان السبب، فالنتيجة واحدة.

كان الهدف الأساسي من صياغة البرنامج هو رغبة الناشطين في حركة بلاك لايفز في إظهار دعمهم للقضية الفلسطينية، لكن ردود الفعل القوية التي تلت صياغة البرنامج أظهرت مدى صعوبة أو استحالة تحقيق تحالف عالمي لإرساء العدل في العالم. تضيف قرينبيرق: “كان الهدف الرئيسي من البرنامج التعبير عن القضية الفلسطينية بكونها قضية عالمية يجب أن يشترك الكل في الدفاع عنها. وبالرغم من ردود الأفعال هذه إلا أنني على ثقة بأن ما قمنا به هو ما يجب فعله. وأعيد وأكرر أنه قرار أخلاقي وصائب من جميع النواحي. إلا أن المشكلة تكمن في أن البعض يترك الرؤية والمطلب الأساسي ويلتفت لتفاصيل بسيطة من شأنها أن تشتت الانتباه عن القضية الأساسية”.

كان أكبر دليل على تفكك العلاقات بين الناشطين اليهود والناشطين السود في الولايات المتحدة هو أن من صاغ البرنامج لم يتوقع أن يعترض اليهود على أسلوبه بهذه الشدة. ويرى بيرق، الذي يعمل في حي يهودي وأغلب سكانه الآن من السود، أن ما يحدث في البرنامج الآن “هو نتيجة انعدام الحوارات المثمرة بين من يؤيدون   BDS(حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) وبين ما يحدث على أرض الواقع في إسرائيل”. وقد كان البرنامج وما يرمي إليه هو الموضوع المسيطر الذي تمت مناقشته في يوم السبت، حيث أعرب اليهود عن شعورهم “بالأذى والخيانة. وأن السود، أو أي عرق آخر، سيشعر بالإهانة ذاتها لو أن الأمريكيين البيض استخدموا هذه اللغة ضده”. لكنه من المستحيل أن يشعروا بما يشعر به اليهودي الآن لتفكك العلاقة بينهم، على الرغم من أن بونسو تدعي عدم تأييد أي من اليهود الذين تعرفهم لإسرائيل. لكن ادعائها يظل رأياً شخصياً.

تبقى الإشكالية في أن كل هذه المناوشات حول أسلوب البرنامج كانت سبباً في تشتيت الإنتباه عن القضية الأهم. الأمر الذي أزعج الكثيرين، إلا أن هذا بالضبط ما سعى له اليهود. ويعلق بيرق على هذه النقطة: “بالنسبة لي أرى أنه ليس من العدل التعامل مع البرنامج على أنه أمر يسئ لليهود، والانشغال بهذه النقطة فقط. فنحن بذلك نجحف في حق شريحة من المجتمع لا منبر لها لتعبر من خلاله عن اضطهادها”.

كان الهدف من استخدام بعض الكلمات القوية في البرنامج هو حشد المؤيدين وإثارة حماسهم. وبالمقابل، قامت بعض الجماعات اليهودية باستخدام كلمات أقوى لإثبات وجهة نظرها وللفت الانتباه لها.

ونتيجة لذلك علا صوت المشاحنات على تحقيق العدل المرجو من هذا البرنامج. ويعود بيرق ليأكد أن كل الروح المحركة لحركة بلاك لايفز هي ذاتها الموجودة في قلب اليهودية: “لأننا كنا أيتاماً وغرباءً وعبيد، فيجب علينا ألا ننسى الأرملة واليتيم وابن السبيل وكل مضطهد”

ويعلّق بيرق بمناسبة ردود الأفعال التي أثيرت تجاه البرنامج “لو انغلقنا على أنفسنا ورفضنا كل من يختلف عنا ثقافياً أو عرقياً أو دينياً، فإننا نخالف بذلك طبيعتنا البشرية ونخالف قبل ذلك كله ما يريده الرب منّا”.

المصدر: موقع حكمة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك