المثل الأعلى: قصة رمزية فلسفية

المثل الأعلى: قصة رمزية فلسفية – بقلم: خيال بعيد

إستيقظ من نومه كعادته يحمل بقايا كوابيس النوم لإستقبال يأس اليقظة وإن كانت حياته لافرق فيها بين نوم ويقظة فكل شئ مثل كل شئ — أرض تدور وشمس تشرق وتغيب ولحظات تتوالى فلا فرق فيها بين غد وأمس ولا فرق فيها بين هنا أو هناك ولا خروج عن نظام معهود من الملل والرتابة ——– ولكن يبقى هناك بصيص أمل من مثل اعلى يضىء لنا جنبات حياتنا المظلمة ويمنحنا القوة على احتمال الاحباط المتوالي بلا انتهاء او انقطاع ورمزا للكمال نحلم أن نتشبه به ونصمد بإلهامه امام جحافل اليأس وطوفان الاحباط !!!

وحسب نظامه في افتتاح يوم جديد من الملل والرتابة قام بفتح الراديو على الموجة الرسمية لجمهورية الكوسة العربية لتناول وجبة الافطار الأولية من الكاّبه او ربما للاستماع لاّخر اخبار الكوميديا الانسانية الاجتماعية السوداء في جمهورية الكوسة ولكن يبدو أن القدر قد اراد ان يلعب معه لعبة التغيير على سبيل اللهو او ربما على سبيل قلب الاوضاع وتبديل الاحوال وهي اللعبة المفضلة عند القدر

فإذا به يستمع للخبر المفرح المبهج نعم لقد قالها المذيع وبصوت جهوري (لقد فاز الأديب الناشئ (يائس بن محبط ) بجائزة جمهورية الكوسة للأدباء الشبان برعاية الكاتب الكبير (مناضل بن مكافح) وذلك عن عمله الروائي الأول (المثل الاعلى) وسوف تقوم مؤسسة الكاتب الكبير برعاية الأديب الناشئ وتبنيه عملا بالتوجيهات الابوية للزعيم الملهم لجمهورية الكوسة العربية ابقاه الله وادامه لجمهوريتنا الحبيبة) —– لم يصدق ما يسمعه لقد ظن انه مازال نائما وانه يحلم ولكنه أخذ يحدث نفسه بأن هذا لا يمكن ان يكون حلما فكل احلامي هي عبارة عن كوابيس مفزعة وهذا حلم مفرح مبهج فلا يمكن ان يكون حلما انني اعرف احلامي جيدا وهذا لا يمكن ان يكون منها نعم يجب ان أتاكد بأن انزل سريعا لشراء الجريدة الرسمية لجمهورية الكوسة العربية فإن كان هذا حقيقة وليس حلما فلابد انه مكتوب في الجريدة الرسمية —وهكذا قام بارتداء ملابسة سريعا ونزل الى الشارع لشراء الجريدة الرسمية لجمهورية الكوسة العربية ووقعت عينه على الخبر في الصفحة الاخيرة تماما كما ورد في الاذاعة الرسمية لجمهورية الكوسة العربية

فعاد سريعا الى المنزل وأخذ يقرأ الخبر عدة مرات وهو مازال لا يصدق وأخذ يحدث نفسه قائلا (هل يمكن ان يبتسم لي القدر بعد كل هذا اليأس والاحباط —– هل يمكن ان ينتهي عهد الكوابيس ويبدأ عصر الاحلام السعيدة —— ايتها الحياة اللعوب كنت اعلم انكي تخبئين لي شيئا عظيما —- كنت اعلم انكي ستعطيني قبلة في النهاية —– كنت اعلم انكي لن تبخلي عليا بحنانك —– وداعا ايها اليأس وداعا ايها الاحباط —– من اليوم سوف يكون اسمي فرحان بن سعيد — ثم اخذ يقرأ الخبر مرة اخرى ويردده بصوت جهوري كما كان يفعل مذيع جمهورية الكوسة العربية ولكنه توقف فجأة عن هذيانه عندما قرأ اّّّخر مقطع من الخبر في الجريدة الرسمية لجمهورية الكوسة العربية حيث اخذ يقرأ (وقد تحدد اليوم الساعة كذا لتسليم الجائزة للاديب الناشئ في مؤسسة الكاتب الكبير مناضل بن مكافح) —-فعاد يحدث نفسه مرة اخرى قائلا (يا الهي سوف اقابل الكاتب الكبير اليوم —— سوف اقابل مثلي الاعلى اليوم —– الكاتب الكبير مناضل بن مكافح —— سوف اقابل رمز الكمال الذي لطالما حلمت ان اكون مثله ——- سوف اقابل من جعلني احتمل هذه الحياة واصمد مع مبادئي رغم كل المغريات —— رغم كل الاحباطات ——- لا اصدق انني سوف اقابل هذا البطل العظيم —— الذى قضى نصف حياته في المعتقلات من أجل جمهورية الكوسة —– الذي كانت كلماته منارا مضيئا لعدة اجيال —- لولا كلماته لسحقني القطيع —–كفي كفي —ليس هناك كثير من الوقت باقي ساعة على الموعد عليا ان اذهب الان )

وبسرعة البرق ارتدى اجمل ملابسه وصفف شعره بنفس طريقة الكاتب الكبير وعندما هم بالخروج من المنزل تذكر انه نسي اهم شئ انها روايته (المثل الاعلى ) يجب ان ياخذها معه في هذه المقابلة التي كان ينتظرها منذ عشرين عاما منذ ان كان صبيا محبا للقراءة منذ ان وقعت عيناه على اول كتاب للكاتب الكبير انه يتذكره جيدا لقد كان كتابا عظيما هو الذي غير مجرى حياته انه كتاب (قوة الارادة) —–نعم هذا الكتاب الذي قرأته الف مرة حتى صارت كلماته محفورة في ذاكرتي وصارت معانية فلسفة حياتي لن انسى هذا الكتاب ابدا انه من فتح لي ابواب النور وارشدني ان في الحياة غايات اسمى من الطعام والشراب –اليوم حانت اللحظة التي اشكر فيها الكاتب الكبير على كلماته التي غيرت مجرى حياتي —ما هذا ماهذا (يقول لنفسه )–مازلت اهذي عليا بالذهاب الان فالوقت يجري وليس من الادب ان أتأخر على موعد الكاتب الكبير

ونزل مسرعا متجها لمحطة باص جمهورية الكوسة العربية ولكنه اخذ يحدث نفسه قاثلا (ما هذا هل سأذهب بالباص العام لجمهورية الكوسة العربية هذا معناه انني سوف اصل بعد ثلاثة ايام كما ان (تنازع البقاء ) داخل الباص سوف يبهدل ملابسي وتسريحة شعري وانا اريد ان ابدو انيقا امام الكاتب الكبير واريده ان يرى تسريحة شعري التي اخذتها منه –سوف اذهب بتاكسي –ولكن التاكسي سوف يأخذ كل ما املكه من مال وبذلك لن يتبقى لي شئ لإكمال باقي الشهر —لا يهم سوف اذهب بتاكسي فهناك جائزة سوف احصل عليها وهي بالتأكيد سوف تكون مبلغ كبير من المال اعيش به باقي عمري وليس باقي الشهر فقد )—وفعلا استقل التاكسي الى مؤسسة الكاتب الكبير

انه الاّن يصعد سلالم المؤسسة وهو يحتضن روايته (المثل الاعلى ) لقد رفض ان يصعد بالاسانسير قائلا لنفسه (انه الكاتب الكبير يجب ان اصعد اليه بسلم وفي كل درجة اصعدها اتذكر كتابا له او جملة جعلت مني انسانا عظيما لم يسحقه القطيع )–وفعلا اخذ يصعد درجة درجة بهدوء وهو يتذكر الكلمات والكتب والمواقف العظيمة للكاتب الكبير حتى وصل الى الدرجة الاخيرة حيث قابل شخص طويل عريض عميق وقال له (انا الاديب الناشئ يائس بن محبط الفائز بالجائزة ) فقال له الشخص الطويل العريض العميق ( ادخل يمينا ثم يسار ثم يمين ثم يسار ثم يمين ثم يسار سوف تجد باب صغير افتحه وسوف تجد الكاتب الكبير امامك )—–وفعلا قام الاديب الناشئ بتنفيذ التعليمات يمين فيسار فيمين فيسار فيمين فيسار حتى وصل الى الباب الصغير وقام بفتحه فوجد الكاتب الكبير يجلس على مكتبه وهو يطالع بعض الاوراق

وظل الاديب الناشئ يائس بن محبط ينظر للكاتب الكبير وسمع في خياله السيمفونية الخامسة لبيتهوفن وهي تنساب لتعبر عما يشعر به من عظمة الكاتب الكبير الى ان شعر الكاتب الكبير بوجوده فنظر اليه وقال من انت —-فقال له الاديب الناشئ بتلعثم انا يائس بن محبط انا مؤلف (المثل الاعلى )—-فقام الكاتب الكبير ومد يده له ليصافحة وهو يقول له مرحبا بك –فنظر يائس الى يد الكاتب الكبير وهو لا يصدق انه سوف يصافحه واخذ يتقدم ببطئ وهو ينظر ليد الكاتب الكبير واخذ يحاول ان يتماسك ويرفع يده لكي يصافح يد الكاتب الكبير وهو لا يصدق نفسه واخذ يهذي ( قائلا لنفسه —-لا اصدق انني سوف اصافح الكاتب الكبير )—واخيرا وبعد محاولات خارقة للتماسك صافح الكاتب الكبير والذي قال له وهو ينظر له مبتسما (تفضل بالجلوس ) فجلس الاديب الناشئ بهدوء وهو يحتضن روايته المثل الاعلى

ثم قال له الكاتب الكبير (انني معجب جدا بروايتك انت موهوب ) فقال الاديب (لولا كلماتك وكتبك يا سيدي لما وصلت لما انا عليه ) –فرد الكاتب الكبير قائلا (اشكرك إن رسالتي في الحياة هي ان اساعد الشباب على ان يجدوا انفسهم على ان يدركوا معنى الحياة فالحياة ليست فقط طعام وشراب بل هي رسالة وتضحية وايمان ) فقال الاديب (نعم هذا ما تعلمته منك يا سيدي رغم ان كل شئ حولنا يريد ان يعلمنا شئ اخر ) –فقال الكاتب الكبير (نعم التحديات كبيرة ولكن الروح القوية بالايمان سوف تظل صامدة بلا انكسار او خضوع ) –فقال الاديب (نعم يا سيدي ان جملتك هذه قرأتها في كتابك (قوة الارادة ) وصارت هي فلسفة حياتي وعندما اشعر بالضعف امام بطش القطيع فاني اعود اليها حتى استمد منها قوة الارادة وصمود الايمان ) –فقال الكاتب الكبير (انا سعيد بهذا وسعيد انك في النهاية وصلت وانتصرت لأنك تمسكت بقوة الايمان —ويسعدني الاّن ان اقدم لك دليل انتصارك ووصولك لهدفك رغم كل التحديات والمعوقات إنها جائزة الاديب الناشئ ) —
–ثم قام الكاتب الكبير بفتح احد الادراج واخرج تمثال خشبي للزعيم الملهم لجمهورية الكوسة العربية ثم قام من مقعده ومد يده بالتمثال ناحية الاديب الناشئ وقال له تفضل هذه هي جائزتك انه تمثال للزعيم الملهم لجمهورية الكوسة العربية حتى تستمد منه مزيدا من قوة الارادة وصمود الايمان —تفضل )—–فمد الاديب يده واخذ التمثال قائلا باستغراب (نعم انها جائزة عظيمة ) –فقال الكاتب الكبير (كان من الممكن ان نجعل الجائزة مبلغ كبير من المال ولكننا اردنا ان نمنح الشباب ما هو اعظم من المال انها قوة الارادة وصمود الايمان اللذان ينبعثان من التمثال — إن شبابنا يحتاجون لهما اكثر من المال ) –فقال الاديب بحسرة (نعم –ما احوج شباب جمهورية الكوسة العربية لقوة الارادة وصمود الايمان)—–فقال الكاتب الكبير (نعم يا بني ولكن لا تظن ان الجائزة هي التمثال فقط بل هناك مستقبل كبير ينتظرك )—

-فانفرجت اسارير الكاتب الناشئ واخذ يستبشر —ثم اكمل الكاتب الكبير حديثه قائلا (نحن نريدك معنا في المؤسسة حتى تخرج لنا ابداعاتك ومواهبك وتفيد الانسانية كلها بادبك وفنك ) –فقال الاديب بحماس (وانا فعلا يا سيدي الكاتب الكبير اريد ان اخدم الانسانية من خلال الادب ولدي مشاريع روائية كثيرة من اجل هذه الغاية ) فقال الكاتب الكبير (هذا رائع جدا –اذا فأنت موافق؟؟ ) —فقال الاديب الناشئ موافق على ماذا ؟؟؟—فقال الكاتب الكبير ( على ان تنضم لمؤسستنا مثل هؤلاء الشباب الادباء هناك والذين يكتبون الروايات وتقوم المؤسسة بنشرها لهم ) —-فنظر الاديب الناشئ خلفه فرأى عشرات من الشباب وهم جالسون يكتبون بانهماك شديد ثم عاد للنظر الى الكاتب الكبير مرة اخرى وقال (شئ عظيم ان ترعى كل هؤلاء الشباب الادباء يا سيدي ) –فقال الكاتب الكبير بتأثر وجداني (يا بني هذه هي رسالتي في الحياة ولن احيد عنها ما حييت بقوة الارادة وصمود الايمان ) –فقال الاديب بانفعال (والانسانية كلها لن تنسى لك نضالك وكفاحك وحبك للانسانية يا سيدي )فقال الكاتب الكبير ( يا بني إعمل الواجب ولا تنتظر المقابل ) فقال الاديب الناشئ (نعم يا سيدي وانا لا انسى هذه الجملة ايضا من كتابك قوة الارادة إنها المفضلة عندي ودائما ارددها كلما فعلت شيئا )—–فقال الكاتب الكبير (حسنا يا بني —سوف تقوم المؤسسة بنشر اعمالك ولكنك تحتاج لبعض التدريب اولا كما هم هؤلاء الشباب حتى تصل لدرجة الاحتراف في الكتابة ولذلك فانك سوف تكتب الروايات واقوم انا بعمل اصلاحات بها ثم تقوم المؤسسة بنشرها بإسمي حتى تصل الى درجة الاحتراف في الكتابة وبعدها يتم نشر كتاباتك بإسمك وتأكد ان حقوقك المادية محفوظة فسوف تحصل على خمسين دولارا على كل رواية تقوم بتأليفها —-هذا المبلغ لم اعطيه لأحد من قبل –فكل الشباب الذين تراهم خلفك يأخذون فقط عشرين دولارا ولكن لاني اعرف انك موهوب كثيرا فسوف اعطيك اكثر منهم ) —وعندئذ هم الاديب بالكلام ولكن الكاتب الكبير قاطعه قائلا ( انا في انتظار روايتك الجديدة لا تتأخر عليا ) ثم قام الكاتب الكبير من مكانه ومد يده لمصافحة الاديب الناشئ قائلا (سعدت بلقائك )

فمد الاديب الناشئ يده وصافحه وهم بالخروج وعند اقترابه من الباب الصغير سمع صوت الكاتب الكبير وهو يقول له (انتظر –لقد نسيت روايتك المثل الأعلى ) فعاد الأديب واخذها ثم اتجه ناحية الباب الصغير فوجد الشخص الطويل العريض العميق واقف على الباب الصغيرفسأله (كيف النزول )—-فقال الشخص الطويل العريض العميق — (هناك حبل متدلي من هذه النافذة يمكنك ان تتدلى منه) وفعلا تدلى الاديب الناشئ من النافذة بالحبل حتى وصل الى الشارع وهو يحتضن روايته المثل الاعلى ثم عبر الشارع وتوقف فجأة ثم استدار ونظر لمبنى المؤسسة ثم عاد واخذ ينظر لرواية المثل الاعلى ثم ضحك ضحكة هيستيرية ثم ألقى الرواية في سلة المهملات ومضى في طريقه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك