أفضل رد على الملحدين – بقلم: طاهر يونس حسين

أفضل رد على الملحدين – بقلم: طاهر يونس حسين

لو أعطينا طفل صغير سيارةً تتحرك عالبطارية كان يتمناها و يحلُم باقتنائها لطارَ قلبُه فرحاً بها، و لكن لو أعطينا نفس السَّيارة لإنسانٍ بعمر ال 40 و قلنا له خذ هذه السيارة و العب بها فيها لربما غَضِبَ غضباً شديداً، و لربما ضربنا بها مع أنَّ نفس هذا الرجل كان يحلم بأنْ يقتنيها عندما كان طفلاً صغيرا.. المغزى من الكلام و إذا عممنا المثال على كافةِ المراحل العمرية و قِسنا عليه أمنياتنا و أحلامنا في كلِّ مرحلة سيتبين.

إنَّ أحلامنا و أمانينا و همومنا و مؤرقاتنا الدنيوية.. سوف يأتي يوم نكتشف أنَّها كانت عبارة عن سخافات لا تستحق كل هذا العناء، فمَا كُنتَ تحلمُ بهِ و أنتَ في عمر العشرين و تُقاتِل لتحقيقه سوفَ تجدُه شيئاً باهتاً بعدَ تقدم العمر، و عندَ ساعةِ الموت.. لحظةَ انكشاف الحقيقة المطلقة.. سوفُ تجدُّ أنَّ كلَّ الدنيا بما فيها كانت عبارة عن وهم كبير لأنك اتخذت هذه الدنيا كهدف بحد ذاته ولم تقم بتسخير ما كان لديك من إمكانيات كرصيد لك إلى العالم الآخر… لو فَرَضْنَا جَدَلاً أنَّهُ لا يُوجَد في قامُوس الإنْسان شيءٌ اسمُه الذَّاكرة .. بمعنى هذا شيءٌ ليسَ له وجود و ليس له معنىً في عقل الإنسان.. و لا أقصد من كلامي أنَّ الإنسانَ فقدَ الذاكرة، و إنَّما لا يوجد في عقله شيء اسمه الذَّاكرة من الأساس.

معنى الكلام هو أنَّك تفعَل الفعل و ينتهي إلى الأبد.. مثلاً لو أنتَ شَرْبْتَ فنجاناً من القهوة.. بعد انتهائِكَ من شُرْب هذا الفِنجان.. لا تعلم أنَّك قبلَ دقيقتين قد شربت القهوة؛ لأنَّه لا يُوجد شيء اسمه ذاكرة في عقلك .. هذا افتراضٌ باطل؛ لأنَّه يُحَوّل الإنسان إلى دَابة حياتُه محصورة بشيء اسمُه الحاضر فقط، و الحاضر كمَا نعلم هو عبارة عَنْ زمنٍ قصير جداً مُدَّتُه أقَلْ من ثانية زمن، و بعدَهَا يتحوَّل إلى ماضٍ و سراب.

بالتالي يُصبح لحياة الإنسان معنىً ضمن زمَن بسيط قَدْرُه أقل من ثانية فقط، و لَكِن من هذا الافتراض يُمكِنُنَا استشعار بعَض المعاني .. ما الذي يَجعَل لِحياة الإنسان معنىً.. هو هذه الذَّاكرة التي تحفَظ له معلوماتِ الماضي و مِنْ معلومات الماضي يُتَابعُ حاضِرَه ليبنيَ مُستَقْبَلَهُ ، و أيضاً هذه الذَّاكرة تحفَظُ للإنسان شيئاً من لَقْطَاتِ الزَّمنِ الماضية التي يعيشُ على ذِكرَاها، و لَكِن لِمَن أرادَ أنْ يستشعرَ حقيقةَ الحياة و جوهرَهَـا الحقيقي عليه أنْ يفترِضَ أنَّه لا يوجد في عقله شيء اسمه الذَّاكرة.. بالتالي هو مُجَرَد فاعِل لحاضِرْ يُولِّي سريعاً، و هذا الحاضر مُوثَق في مكانٍ ما .. أمَّا الماضي عبارة عن سَرَاب و وَهِم سَوَاء كانت الذَّاكرة موجودة أو لم تكن موجودة، و لكِن وجود الذاكرة يَجعَل لك من هذا الوَهم الذي ولَّى يبدو و كأنَّه حقيقة.

و لنفرِض أنَّ رجلاً يملك مليارات غير معدودة من الأموال، و حاكِم للأرض من القطب إلى القطب و عنده ثلاثون امرأة و لديه مئتي ولد، و حياتُهُ من أوَّل يوم لآخرِ يوم نعيمٌ مُطلَق.. لا حُزن و لا هَمْ و لا شيء.. لحظةَ الموت كُل هذا يصبح صفر و خيال و سراب ليس له أي معنى… و لو عشت مليون سنة بنعيم.. عندما تنتهي تُصبح صفر.. كل شيء صار ماضي يتحول لخيال، عندما تستيقظُ من النَّوم.. عادةً ما تقوم بمحاولةِ تذكُر تفاصِيل الحُلُم الذي رأيته في منامك، و مع ذلك لا تتذكرْ من الحلم إلا بضعةَ ثواني، و لو فَرَضنا أنَّ شخصاً ما يبلغُ من العمر أربعين عاماً، و حاول أنْ يتذكَّرَ لحظاتِ حياته التي مضت، مهما استحضَرْ.. لنْ يتذكَرَ منها إلا بِضعةَ دقائِق و سيستَحضُرُها كصورٍ مشوهة و مُشوَشَة مع أنَّه عاشها حقيقةً واضحة… أربعين عاما (350 ألف ساعة) بكافة تفاصيلها من طفولةٍ و شبابٍ و مدرسةٍ و جامعةٍ و شهاداتٍ و إنجازات و لحظات سعيدة و حزينة.. لن يستحضر منها إلا بضعة دقائق بصور مشوشة… كلُّ حياتِك التي عِشتَها في السَّابق كأنَّها خيالٌ أو سراب.

شيء ليس لك القدرة على لمْسه بيدك مع أنَّه بوقته كنتَ تضحك و تلعب و تمشي و تفرح و تدرس و تسافر.. كل هذا عندما تَتَذَكَرُه .. تَذكُرُه كأضغاث أحلام مشوشة، و أتحدى كُل إنسان مضى من عمرِه 70 أو 30 أو 20 عام من عمره أنْ يتذكرَ يوماً واحداً فقط بكافة تفاصيله.. بل سأُخفض الأمر و أتحداه أن يتذكرَ ساعًة واحدة مضت من عمره بكافة تفاصيلها دون نقصان، و أُريدُ أن أسألَ ما معنى أنْ يكونَ الإنسانُ مشهوراً، و يعرفُه سبعُ مليارات نسمة.. بعد وفاته لو ظلَّت تذكُرُه البشرية كلَّ يوم ماذا سيُفِيدَه هذا الأمر و قد أصبح جسده تراب .. إ

ن أفضل محاكمة عقلية للملحدين هي أنَّهُ لدينا احتمالان لا ثالث لهما : إما الإله موجود أو غير موجود، فلو كَان صحيحًا كلامُ الملحدين بعدم وجود الإله فقد نجَا الطرفان الملحدون و المؤمنون… و المؤمنون لم يَفُتْهُم و يذهب عليهم إلا ملذات الدُّنيا الفانية، فلحظَة الموت و حتَّى قبل الموت كُل شيء مضى يتحوَّل إلى سراب و كَأنْ لم يكُنْ له وُجود، فلو كَانَ الإنسان في نعيمٍ مُطَلق مدة 200 عام ، عندما تنتهي هذه المدة و تتحول إلى ماضي.. تتحَوَل إلى سراب، فالطَّرفان عِندَ المَوت يتساويان سَواء عاشَا في نعيمٍ أو حرمان، و سَواء من أقبَلَ على مَلذَاتِ الدُّنيا لم يترُك منها شيء، و سَواء من حَرَم نفسَهُ خَوفاً من العِقاب ..

أمَّا لو كَان كلام المؤمنين صحيحاً بوجود الإله فقد نجَا و فاز المؤمنون بالنعيم المقيم ” وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَة “.. بينما الطرف الآخر سينتظره مصيرٌ أسود ” وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَة” .. ” تَلْفَحُ وُجُوهَهُم النَّارُ و هُمْ فيها كَالحُون ” ، و هذا افتراضٌ جَدلي لمُخَاطبة الملحد على قَدرِ عقله، فالمؤمن عندَهُ يقينٌ تام بوجود الله و بذَلك اليوم الذي لاريبَ فيه .. بالتالي احتمال نجاة المؤمن 100 بالمئة.. بينما احتمال نجاة الملحد 50 بالمئة بالتالي هي نسبةُ نجاةٍ ضعيفة، و من هُنا نجد أنَّ المُلحدَ إنسانٌ حتى بالمحاكمة العقلية هو إنسان خاسر يملك نسبة نجاة ضعيفة 50 بالمئة..

و نحنُ نوجه له هذا الكلام خوفاً عليه.. لأنَّه بعنادِه لا يضحك علينا، و إنَّما يضحَك على نفسه و لا يَمْكُر إلا بِنَفسِه، و هو الخاسرُ الوحيد في النهاية.. لذلك أدعوه بجلسة صادقة مع نفسه.. جلسة تفكر عميقة و هذا الكلام ليس دعوة له لأن يصبح مسلماً، فهذا ليس ضرورياً، وإنما أدعوه ليتفكر بكل حرف من كلامي تفكُر الباحث عن الحقيقة، و أنا متأكد بأنه سيصل إلى جواب فقط أريده أن يتفكر بماضيه الذي تحول إلى سراب و خيال ..

و لا أجد ما أسوقه في النهاية أجمل من كلام الدكتور مصطفى محمود رحمه الله ” ليسَ إنساناً مَنْ لَمْ يَتَوَقَف يوماً فى أثناءِ عُمرِه الطَّويل لِيسَأَلَ نفسَهُ ..مِنْ أينَ و إلى أين و ما الحكاية ، و ماذا بعدَ الموت ..أيَنْتَهي كُلُّ شيءٍ إلى تراب .. أَيَكُون عَبَثاً و هَزَلاً أمْ أنَّها قصةٌ سوفَ تتعدَّد فُصُولاً .. أكَانَ لنا وجودٌ قبلَ الميلاد .. و ماذا كُنتُ قبلَ أنْ أُولد .. و مَنْ أنا في الحقيقة، و ما حِكمةُ وجودي .. و هل أنا وحدي فى هذه الغربةِ الوجودية .. أو أنَّ هناك من يرانِي و يرعاني و يعتني بأمري، و ليسَ إنساناً من لم يحاولْ أن يحُلَّ هذه الألغاز و يُجيبَ عن تِلك التساؤلات و يقرأ بكلِّ قلبه ، و يستمعُ بكلِّ أشواقِهِ إلى مَنْ يقول عندي جواب “

يقول الشاعر :

رأيتُ الدَّهرَ مُختَلفاً يدورُ … فلا حُزنٌ يَدومُ و لا سُرورُ

و قَدْ بَنَتْ بِهِ المُلُوكُ قُصُورَاً … فَلَمْ تَبْقَ المُلُوكُ و لَا القُصُورُ

و قال آخر :

بَلِينــا و مَا تَبْلَى النُّجومُ الطَّوالِـــعُ …. و تَبْقَى الجِبالُ بَعْدَنَا و المَصانِـعُ

فَلا أنَا يأتيني طَريفٌ بِفَرْحَةٍ ….. وَ لا أنا مِمّا أحدَثَ الدَّهرُ جازِعُ

فَلا جَزِعٌ إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنا ….. و كُلُّ فَتى ً يَوْمَاً بهِ الدَّهْرُ فاجِعُ

و مَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهـابِ و ضَــوْئِهِ …. يحُورُ رَمــاداً بَعْدَ إذْ هُوَ ساطِــــعُ

و مَا النّاسُ إلاّ كالدّيارِ وأهْلِها….. بِها يَوْمَ حَلُّوها و غَدْواً بَلاقِـــــعُ

و مَا المـالُ والأهْـلُــونَ إلاَّ وَديعَــةٌ …. وَ لا بُـــدَّ يَوْمـــاً أنْ تُرَدَّ الوَدائِـــعُ

وَ يَمْضُون أرْسَالاً و نَخْلُفُ بَعدهُـم …. كما ضَمَّ أُخرَى التّالياتِ المُشايعُ

ومَا الناسُ إلاَّ عَامَلانِ: فَعامِلٌ ….. يُتَبِّرُ ما يَبْنِي، وآَخرُ رَافِعُ

فَمِنْهُمْ سَعيدٌ آخِذٌ لنَصِيبِهِ ….. وَ مِنْهُمْ شَقيٌّ بالمَعيشَة ِ قانِعُ

ـــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.






تعليقات الفيسبوك