خطيئة العقل – بقلم: سامح عبد الله

خطيئة العقل – بقلم: سامح عبد الله

ترتاح عقول الناس دائما للأفكار المورثة ،إن قبولها وتداولها لايحتاج برهة من تفكير حول صحتها ومصداقيتها والويل كل الويل لمن يأتى للناس فأفكار جديدة تخالف ما اعتادت عقولهم على قبولها وتداولها.

منذ بدء الخليقة وهناك سنة فطرية تحكم علاقة البشر بالعقل قوامها ألا تصدم عقلا بفكرة جديدة تخالف ما استقر ورسخ به .
انظروا إلى الأنبياء ماذا كان جزاؤهم عندما أتوا بأفكار جديدة ..كان مصيرهم إما القتل أو التكفير أو اتهامهم بالجنون ولم يكن حال العلماء أفضل من هذا فكانت خطيئتهم الكبرى أنهم جاؤوا بحقائق علمية لكنها كانت تخالف تعاليم قوى أعلى فكان مصيرهم الموت حرقا هم و أفكارهم ومخترعاتهم !
هكذا كانت تقابل كل فكرة جديدة تخالف ما استقرت عليه عقول الناس .

ورغم أن ذلك بشكل صفحة مريرة من الماضي إلا أنه علي ما يبدو مازال مستمرا و أجواء عصور الظلام فى أوربا مازالت تلقى بظلالها على بلاد الشرق ومازال طرح أفكار جديدة أشبه بمغامرة كبرى إن نجوت بسببها من القتل والكفر ووصف الجنون فلن تنجو من جزاءات أخرى مثل المتآمر أو المروج أو هذا الذى يشعل الفتنة التى كانت نائمة !

ولعل الأمر يكون أكثر وضوحا عندما تناقش أحدهم فى أمر يتعلق بالدين. إنها الكارثة الكبرى لو قلت له هذا ليس من الدين ..هذا سنده ضعيف ..هذا يخالف نصا قطعى الدلالة فى القرآن ..هذا يخالف العقل !
وعند هذه الأخيرة ستقوم القيامة !..هكذا دائما يسوقنا العقل إلى ما يتصوره هؤلاء أنه جنون . وهكذا دائما تسوقنا الحكمة إلى مايحسبه هؤلاء أنها ذندقة !
حدثت أحدهم يوما عن بعض ما يتداوله رجال الدين والخطباء والوعاظ والناس من أحاديث تنسب إلى الرسول الكريم بسند ضعيف لايجب أن يستدل بها فى أمور الدين وخاصة مايتعلق منها بالعقيدة أو الأحكام الشرعية من حلال وحرام وكان هذا بمناسبة نقاش استمعت إليه من أحد الشيوخ حول أهمية طلب العلم وكان متوقعا أن يستشهد بحديث مشهور جدا يردده الكافة ” إطلبوا العلم ولو بالصين ” فقلت له ..هل تعلم سند هذا الحديث ؟ وهل تعلم أنه حديث ضعيف فقال لى ما سندك فى هذا ، فقلت له سندى فى هذا هو ما ذكره الإمام أبى حامد الغزالى فى مؤلفه القيم إحياء علوم الدين باب طلب العلم وهو ضمن سبعة أبواب من كتاب العلم . لقد ورد أن سند هذا الحديث ضعيف .
فسكت الرجل وسكت أنا أيضا وسكت كل من حضر النقاش …سكت الجميع ليس رضاءا ولكن خوفا من تقبل فكرة تخالف ما رسخ بعقولهم وإستقر بها حتى ولو كانت الفكرة خاطئة.

هكذا دائما طبيعة البشر إذا أردت أن يلتف حولك الناس ردد مايقولون..مايحبون سماعه..ما يوافق معتقادتهم التى إستقروا عليها..ما يتناسب مع أفكارهم التى نشأوا بها وعاداتهم التى مارسوها بإخلاص و طقوسهم التى برعوا فى المحافظة عليها بكل تفاصيلها المملة وحتى خرافاتهم لاتقترب منها فكل هذه أصبحت من المقدسات .
و إذا أردت أن يصبح لك ألف عدوا فى لحظة فقل لهم فكرة تحطم بها شيء من هذه المقدسات !

ــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك