لماذا فشل الإسلام السياسي في مصر؟

لماذا فشل الإسلام السياسي في مصر؟ – سامح عبد الله

النشأة.. واللحظة الفارقة.
=========
علي ما يبدو أن نشأة الإسلام السياسي في مصر بدأت عندما كان يتجول هذا الشاب في طرقات مدينة الإسماعيلية وقت الاحتلال الانجليزي ليأخذ بيد الناس كما كان يقول من طريق الضلال إلي طريق الحق بعدما أثرت بهم سلبا بعض صفات وسلوكيات المستعمر البريطاني.
بدأ الشاب الطريق عن طريق اشاعة الفضيلة بين الناس ولم يكن هناك ثمة وجود لأى حديث سياسي رغم زخم هذه المرحلة التى كان يتوق فيها الشعب للإستقلال التام عن بريطانيا.
واستطاع الشاب في هذا الوقت أن يؤسس جماعة أطلق عليها جماعة الإخوان المسلمون. ونمت الجماعة ولم يدم ابتعادها عن غمار السياسة كثيرا وظهر جليا أن هذه الجماعة ليست جماعة خيرية بقدر ما هي جماعة سياسية بمنهج دينى. ولم يكتف مؤسسها بممارسة دور سياسى بل أنشأ تنظيما داخليا سمي بالتنظيم الخاص وهو تنظيم له طبيعة غير دعوية فقد كانت مهامه هي الحفاظ علي الجماعة في سبيلها للدعوة حتى ولو باستخدام القوة وبالفعل فقد ارتكب هذا التنظيم الخاص عمليتين اغتيال سياسي فقد تم اغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر وكذا القاضي أحمد الخاذندار وهو أحد القضاة الذين أصدروا أحكاما بإدانة بعض قادة الإخوان. وكانت اللحظة الفارقة في تاريخ الجماعة هي اغتيال زعيمها حسن البنا عام 1949 بقرار يبدون أنه كان ملكيا بامتياز.
وظل الصراع قائما بين تيار الإسلام السياسي والدولة حتى جاء حادث المنصة الذي راح ضحيته الرئيس أنور السادات ليزيد من هذا الصراع ويعمقه.
ثم تطورت الأحداث منذ هذا التاريخ وجاء رجل حكم مصر ثلاثون سنة ابتعد فيها تيار الإسلامي السياسي عن شئون الحكم وصراعاته نهائيا.. كان كل اهتمامه في الجامعات والنقابات ثم الأعمال الخاصة
ويبدو أن الرجل الذي حكم مصر خلال ثلاثة عقود كان قد رغب في ذلك..!

وعند أول انتخابات أجريت في مصر تحت إشراف قضائي خرج هذا التيار إلي العلن وظهر شعار “الإسلام هو الحل “بشكل كبير وكأنه شعار المرحلة كلها وهو شعار سياسي في المقام الأول ( من وجهة نظري) وتحققت بعض المكاسب السياسية لهذا التيار ويبدو أن هذا أزعج الرجل فعاد الصراع الكامن إلي سطح الأرض ولم يدرك هذا التيار أن تحقيق مكاسب سياسية زهيدة ستكون هي الخسارة بعينها.

ذات الأمر يتكرر عندما أتخذ هذا التيار قرارا بأن يخوض انتخابات الرئاسة وقد تحقق له بالفعل وطبقا لآليات الديمقراطية الحديثة وحسب أن هذا كافيا وأن كل شيء أصبح يسيرا وأن هذه الآلية وحدها يمكن أن تحقق له سر البقاء ومرة أخري تحدث المأساة وتتكرر وبنفس آلية الماضى القراءة الخاطئة لآلية الديمقراطية في مجتمع له هويته الخاصة ومصادرها المتعددة التى تشكلت منها.

هل كان الصندوق الانتخابي كافيا؟
=======
من واجبى كأحد الذين يؤمنون بالنظام الديمقراطي أن أقر وبكل موضوعية أن الديمقراطية هي آلية التغيير عند العالم المتحضر ومن الواجب أيضا حتى لا أخرج عن سياق الموضوعية والحيادية أن أقول أن الانتخابات التى تصاعد معها هذا التيار كانت سليمة إلي حد كبير جدا. من حيث شكلها وجوهرها وأعتقد أن الدولة لم تقل غير هذا.
لكن المشكلة بعد ذلك تركزت في الخوف من المستقبل حين يتواجد به هذا التيار وبهذا الشكل المتصاعد والذي ساهم معه بلا شك في تنامي هذا الشعور التيار السلفي. وكان ما حدث أشبه بالانفجار والغريب أن هذا كان آخر ما توقعه هذا التيار ذاته بينما كان شديد الوضوح بشكل غير مسبوق لكافة الأطياف ونحي الرئيس المنتخب الذي ينتمي إليه

التساؤل الآن مطروح.. لماذا كان الفشل..؟
========
والاجابة من وجهة نظري تكمن فى أن أصحاب هذا التيار لم يقرأوا التاريخ جيدا ولم يمعنوا النظر في هوية الشعب المصري وكيف تكونت..
هذا الشعب رغم أنه سنى المذهب (رغم كراهيتي لهذا التوصيف ) إلا أنه كما يقال شيعي الهوي ثم هو صوفي أحيانا ليبرالي في أحيان أخري وأيضا تجده أصولي سلفي هذا بالإضافة إلي شريحة عظمي في تركيبته الحيوبة هي من المسيحيين مع تواجد ليس بالقليل لتيار الإسلام السياسي نفسه وهو موضع الحديث..
ثم أن هذا الشعب أيضا تحكمه حضارات منذ فجر التاريخ.. هي الفرعونية بكل تأكيد ثم اقتربت منه الحضارة الرومانية ثم القبطية ثم الإسلامية..
جدران المعابد تركت لنا أثرا أهم من كل ما نقش عليها هو أن هذا الشعب له هويته الفريدة وأن مسألة حكمه ليس بالأمر اليسير
ويبدو أن تيار الإسلام السياسي لم يستوعب ذلك وانصبت أعينه فقط نحو صندوق انتخابي وإدارتها بعيدا عن الحضارة وعن التاريخ.

هذا الشعب الذي قاوم غزاة منذ الهكسوس وحتى البريطانيين ولم تؤثر به ثقافة طمست علي هوية شعوب أخري كانت تحت الاحتلال لم يكن يتقبل من هذا التيار ورغم أنه جاء عبر الديمقراطية أن يغير من هويته أو ثقافته.
وكان خطأ كبير ألا يعطي هذا التيار تفسيرا لكل ما حدث ومازال إلا علي سند واحد من نظرية المؤامرة تاركين كالعادة جوهر الخطر يقترب حتى وقع الانفجار.

هوية الشعب المصري إذن كانت من وجهة نظري العامل الحاسم في فشل هذا التيار
وأظنها ستكون جدارا عازلا صلبا نحو عودته وطالما ظلت آلياته كما هي لا تتغير.

ما الفرق إذن بين تجربة الإسلامي السياسي والتجربة التركية ؟
========
من الغريب أنه في وقت ما أعتقد كثيرون من هذا التيار أن هناك تطابقا بين التجربتبن ناسيين أن هذا التطابق لا يحدث غالبا في التاريخ وأن هذا التطابق أو حتى التشابه لم يكن له محل أبدا ولم يكن بدرجة القرب التى بلغت في نظرهم هذا الحد.
تذكرون في أول زيارة لرئيس الوزراء التركي أردوغان في هذا الوقت إلي مصر عندما تم استقباله بهذا الشكل المبالغ به في مطار القاهرة (ولم يكن هذا مناسبا أبدا وقلت في حينه أكثر )
وتذكرون عندما بدأ الرجل في الحديث ويبدو أنه بذكاء سياسي أدرك المأزق الذي وضعه فيه هذا الإستقبال فقال بلغة واضحة “أنا رئيس وزراء مسلم لدولة علمانية ”
شدد الرجل علي لفظ “علمانية ” لأنه لم يرد ولا يستطيع أن يخالف الدستور الذي ينص علي علمانية الدولة رغم أن آلية الديمقراطية هناك أتت بحزب ذو مرجعية إسلامية إلي الحكم (وهذا لا يختلف مع العلمانية )

هذه العبارة شديدة الوضوح أذكر إننى سمعت أحد قادة هذا التيار وهو يقول ردا عليها “ربما كانت الترجمة غير صحيحة أو غير دقيقة ”
يومها توقعت أن الخلل ليس في الترجمة التى كانت بالفعل صحيحة ودقيقة إنما الخلل في قراءة المشهد نفسه والكذب علي الواقع وهو أشد أنواع الكذب في مجال السياسية.

عاد رئيس الوزراء إلي بلاده لكن بدون وداع حار كما كان الإستقبال..!
كان شيئا غريبا ولافتا ومنذرا بأن هذا التيار سيخسر كثيرا بقراءته الخاطئة هذه.

كمال أتاتورك والخلافة والإسلام السياسي..!
========
تعالوا نقترب أكثر من نقاط الخلاف بين التجربة التركية وتجربة الإسلام السياسي..
ودعونا نتحدث عن مفارقة “عظمى”
بين تيار يري فى هذا الرجل( كمال أتاتورك ) عدو تاريخا كان علي يده زوال الخلافة وبين تيار آخر أيضا ذو خلفية إسلامية أيضا لكنه يعد من هذا الرجل رمزا للأمة التركية وبطل قومي من أبطالها ولا يتحدثون عن عودة الخلافة وهم أحق الناس بالحديث عنها بإعتبار أن اسطنبول كانت عاصمتها.. أي مفارقة هذه وأي قراءة خاطئة للتاربخ هذه !!

تركيا دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة وليس فى هذا إهدار لقيم الدين بل علي العكس إبعاده عن صراعات سياسية تحكمها آليات مدنية متغيرة.
ليس بشرط أن تكون علمانية تركية هي نفسها علمانية الغرب فكما قلنا كل تجربة لها ملامحها الخاصة ولا وجود للتطابق في التاريخ مهما كانت درجة التقارب.

وكان النظر إلي التجربة التركية باعتبارها تجربة إسلامية من أخطاء الإسلام السياسي الكبري التى مازالت علي ما أعتقد وكان النظر إلي عودة الخلافة رغم أن دولة الخلافة نفسها لاتنادي بعودتها من المفارقات العجيبة في التاريخ وكان النظر إلي كل علمانية بأنها خروج علي الإسلام من المسلمات الغير قابلة للتغيير.

هوية الشعب المصري.. هل تنبع من الدين أم من التاريخ ؟
=========
أعلم ان مجرد التساؤل قد لا يعجب كثيرون وأن وضع الدين بكل ما يمثله من قداسة والتاريخ بما يحمله من متغيرات في حركته في سلة واحدة غير منصف وهذا حقيقي فيما لو كان القصد هو المقارنة لكن ذلك ليس هو القصد فما أقصده هو أن هوية الشعوب من المستحيل أن يشكلها عامل واحد حتى ولو كان هو الدين.
إنها جماع من مؤثرات عبر عقود وحتى قبل ظهور الأديان وهذا دليل علي أن الدين ليس هو العامل المؤثر الوحيد في تشكيل الهوية
لأنه ببساطة كان لاحقا علي مؤثرات أخري سبقته.
وهل هناك دليل يضاف إلي ذلك أيضا أكثر من الحضارة الفرعونية التى مازالت تشكل في هويتنا مساحة كبيرة للغاية ومن بعدها الحضارة القبطية التى ظلت باقية تقاوم محاولات الرومان في طمسها والنيل منها.
ثم من بعدهما جاءت الحضارة الإسلامية مع دخول عمر بن العاص مصر كفاتح ومحررا لها من طغيان الرومان علي هويتها وهذه قناعتي الحقيقية رغم أنتى لا أقدس بشرا أبدا وأري أن لهذا القائد أخطائه التاريخية.
وبقيت المسيحية ولم تهدم الكنائس وظلت الأديرة شاهد علي عبق التاريخ الذي صنعته الدولة المصرية وعتق في بوتقتها الخاصة الفريدة.
بقيت المسيحية بكنائسها وأديرتها ورجالها الذين دفع آباؤهم وأجدادهم أرواحهم من أجل بقائها.
وبقي الإسلام بعد الفتح بأزهره ومساجده وتعاليمه و تسامحه وقبوله للآخر بكل ما تحمله الكلمة من معني.. وبقي شيوخه وعلماؤه ومذهبه السني وعشق شعبه لآل البيت.

بقي كل هذا في مصر ورغم كل عوامل التشويه التى حاولت النيل من هذه الهوية الفريدة إلا أنها لم تتغير وصمدت صالحة رغم ما أصاب بعض جوانبها فعلا من تشوبه لكنها احتفظت في مجملها بإطارها العام الذي صنعته آلاف السنين.

ومن هنا كان القول بأن التاريخ والدين صنعا هذه الهوية ليس به ما يخالف الحقيقة أو به مساس بما هو مقدس بل علي العكس تماما إن هذا التكامل كان حصنا منيعا يدافع عن هذا البلد في كل مرة كان الخطر يقترب منه.

وهل أدرك الإسلام السياسي تلك الحقيقة ؟
=========
أظنه لم يدركها وحاول ألا يبقي من تلك الهوية الفريدة سوي عامل واحد فقط ورغم أهميته لم يكن مقبولا.. أراد أن تكون هوية مصر فقط في الدين وكان هذا هو العامل الحاسم في فشله..
لقد نسي المصري الديمقراطية.. ونسي أنه ربما صوت لصالح هذا التيار في انتخاب او إستفتاء..
لقد نسي كل ذلك وتذكر فقط هويته ودافع عنها بكل الطرق حتى ولو كان مسماها عند هذا التيار يختزل ففط في “المؤامرة “

نسي أن هناك أمر آخر في التاريخ غير المؤامرة وفي غمرة ونشوة التصاعد والزهو بما أنتجته صناديق الانتخابات والاستفتاءات نسي أن كل ما فعله قائد فذ مثل “نابليون”من أجل استقطاب المصريين حتى أن تكلم العربية وقرأ القرآن وربما أيضا أعلن إسلامه.. كل هذا لم يشفع له عند شعب يبدو أن دفاعه عن هويته هو فطرة راسخة لديه
يشهرها في وجه كل من يحاول الاقتراب منها.
مأساة الإسلام السياسي أنه نسي ذلك وكان الثمن الذي دفعه باهظا.

هل يعود الإسلام السياسي إلي السطح ؟
=========
ربما من الأوفق ألا تكون هناك إجابة تقليدية لهذا التساؤل وربما أيضا وهذا غير معتاد أن تكون الإجابة عن السؤال بعدة تساؤلات..!!

هل سيدرك الاسلام السياسي ماذا تشكل هوية المصريين بالنسبة لهم.. ومما تشكلت هذه الهوية وما هو مقبول لديها وما هو مرفوض؟
وهل يستطيع أن يتحرك بحذر ودون حديث عن خلافة أو مهاجمة أو معاداة أى ثقافة أخري حتى ولو كانت هي العلمانية نفسها ؟
وهل يقتنع بأن الإنتماء لا يكون فقط للدين أو المذهب (رغم أهميته ) لكن هناك أيضا إنتماء للدولة وللقومية وللفكرة عموما أيا كان مصدرها أو منبعها.
هل يستطيع أن يدرك هذا وغيره..؟

في كل مقال تكون له خاتمة غالبا توضع فيه نقاطه فوق حروفه لكنى آثرت أن أترك خاتمة هذا المقال هكذا بكل هذه التساؤلات ربما احتجنا وقتا كافيا لكي نستطيع أن نجيب عليها..!

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك