رب الهند .. وآلهة العرب – بقلم: يعقوب الأسعد

رب الهند .. وآلهة العرب – بقلم: يعقوب الأسعد

في الهند العديد من الديانات ، فطبقا لإحصاء السكان الرسمي المنعقد في عام ٢٠٠١ م، يشكل الهندوس ٨٠٬٥٪ و المسلمون ١٣٬٤٪ و المسيحيون ٢٬٣٪ و السيخيون ١٬٩٪ و الآخرون ١٬٨٪ من المجموع. وطبعاً في كل ديانة العديد من الطوائف وربما في كل طائفة العديد من الطرق الدينية، فماذا يميز الهند عن باقي البلدان العربية كي يعيش فيه ابنائه بسلام و وئام رغم الخلافات الجذرية بين الموحدون والأخرون ؟؟

بحسب موقع ويكيبيديا، يقدر عدد سكانها بنحو ١٫٢٧ مليار نسمة، يمثلون ١٧ ٪ من سكان العالم، و الهند هي ثاني دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين. يتكلم الهنود لغتان الهندية الآرية (و يتحدث بها حوالي ٧٤٪ من السكان) و درافيديان (و يتحدث بها حوالي ٢٤٪). إذاً لغتان وما لا يقل عن تسع ديانات والعديد من الطوائف والالهة، بعكس العرب تماماً، لغة واحدة جامعة و ديانة واحدة بنسبة كبيرة جداً هي الاسلامية إلى جانب المسيحية بمرتبة ثانية واليهودية والأقليات بما نسبته ضئيلة جداً. جميع العرب ربهم الله جل جلاله، فما الذي يميز الهند عن باقي الدول العربية لتكون الهند موحدة قوية صاحبة أقوى اقتصادات العالم في حين أن الدول العربية هي من أسوأ الاقتصادات رغم الثروات الطبيعية وشعبها من أسوأ الشعوب تلاحماً وبجميع المقايس؟ نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال رغم تشعبه بعدة نقاط، سنبدأ من الأسباب البعيدة الشاملة إلى الأسباب القريبة المباشرة :

١- الموقع الجغرافي العربي. تقع الدول العربية في وسط العالم وعلى عقدة تجمع بحاراً ومحيطات وقارات، من المحيط الأطلسي ، إلى البحر المتوسط فالبحر الأحمر فالمحيط الهادئ فبحر العرب. هذا الموقع جعل الدول العربية محط اطماع الدول الإستعمارية.

٢- التاريخ العربي العريق. فالإمبراطوريات العربية (العباسية والأموية …) وصلت إلى مشارف الصين وإلى عمق أوروبا وإلى قلب أفريقيا. هذا العامل جعل الدول العربية على مجهر الدول الكبرى خوفاً من توحدهم لكي لا يكونوا نداً لأحد في يومٍ من الأيام ، وما زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي إلا خير دليل على ذلك.

٣- الثروات الطبيعية. تحتوي البلدان العربية على أكبر مخزون طبيعي في العالم الأجمع، إن في إلغاز أو في النفط ومشتقاته. تعتبر الدول العربية الأساس لمنظمة اوبيك، وتحتل دولها المراتب الأولى في الإنتاج والمخزون. هذه الأسباب وربما أخرى غفلنا عنها هي أسباب مهمة ولكن بمجملها أسباب غير مباشرة، فما هي الأسباب المباشرة؟

أ- الدساتير والقوانين العربية. إن الدساتير والقوانين العربية المرعية والمعمول بها في وقتنا هذا تحرك النفس الديني والطائفي. هذه الدساتير التي منها ينسب للإسلام كما في السعودية مثلاً، هي دساتير طائفية، فالسعودية لا تتبع الدستور الإسلامي وإنما الدستور الوهابي والقوانين موضوعة وفقاً لرؤى محمد عبد الوهاب وليس وفقاً للأحاديث النبوية ومنهاج رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام .

ب- إلغاء الدساتير العلمانية وإستبدالها بأخرى طائفية عشائرية كما في العراق مثلاً. فدستور بريمر في العراق هو نسخة مصغرة من الدستور اللبناني الذي أثبت فشله وما زال حتى يومنا هذا.

ج- التعليم والثقافة الدينية. معظم الشباب العربي الثائر هو شباب لم يحصل على شهادة علمية، فتراهم لا يعرفون صياغة جملة عربية بدون أخطاء إملائية. إلى جانب التعليم فالثقافة الدينية إما ناقصة وإما شائبة في المناهج الدراسية مما يجعل الشباب عرضة للإملاءت وللإنحراف عن المنهج النبوي الصحيح.

د- الفقر والتهميش والبطالة. إن الفقر والتهميش الذي يحمل وزره الحكام جعل من الشباب العربي قنابل موقوتة. هذه الأسباب مجتمعة صنعت نوع من الحقد تجاه أولياء الأمر، خصوصاً وأن معظم العاطلون عن العمل أو المهمشون إما من مناطق نائية أو من اقليات. العلامة المميزة لهذا التهميش أنه لا يطال المجتمع ككل وإنما يطال فئة معينة منه.
ه- سلسلة الاغتيالات والإعدامات التي بدأت منذ إغتيال الرئيس الحريري في ال ٢٠٠٥ إلى إعدام الرئيس صدام في ال ٢٠٠٦ وصولاً إلى إعدام الشيخ النمر منذ أيام قليلة. هذه الاغتيالات لرموز عربية، أخذ لها أبعاد طائفية كما أرادوا صانعيها في الغرف السوداء .

و- الفضائيات الدينية والطائفية التي تبث برامج دينية وسياسية وتثير النعرات على مدار الساعة جعلت من الشباب العربي شباباً مسيراً عن بعد يحركه ذاك المذيع أو ذاك الشيخ.

ز- التربية المنزلية. فمعظم العائلات تربي أطفالها على حب الذات ونبذ الأخر .ومنهم من يذهب أبعد من ذلك بإدخال نفسهم الجنة وغيرهم النار.

ح- الإزدواجية في التعامل مع أحداث الربيع العربي. فالثورة هنا مباركة أما هناك فالخروج على الحاكم حرام. هنا ديمقراطية وهناك دكتاتورية. البحرين ثورة أما سورية فمؤامرة أو سورية ثورة أما البحرين فمؤامرة.

عدد السكان في ٢٣ دولة عربية هو تقريباً ٣٨٩٬٣٧٣٬٠٠٠ في حين أن عدد سكان الهند نحو ١٫٢٧ مليار نسمة تقريباً، أي ثلاث مرات عدد مثيله العربي تقريباً. فلو اردنا أن نخرج بلداننا من المعمعة والحرب التي هي فيه علينا أن نقتدي بتلك البلدان المتعددة الطوائف والديانات كالهند. ولكي نرفع عنا البلاء علينا نبذ الطائفية والكف عن الإزدواجية في التعامل مع الأمور، وأن نوقف التبعية العمياء للإعلام وأن نربي اولادنا تربية نقية ، وأن نثقف نفسنا بالقراءة في أمور ديننا ودنيانا، فالدين رحمة والإسلام سلام، وعلينا أيضاً أن نضيء شموعاً بدل أن نلعن الظلام أو أن نطفئ شموع الأخرين بأن نجتهد ونثابر لكي نرفع عن أنفسنا الظلم، فلا يضيع حق وراءه مطالب. ترتقي البلدان بالعلم لا بالحروب.

حمى الله بلداننا من شرور الفتن ومن همزات شياطين الإنس الجن، وعافانا الله وعافاكم ورفع عنا البلاء وعنكم …

ــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك