هل يمكن تطبيق الحدود الإسلامية فى عصرنا ؟

هل يمكن تطبيق الحدود الإسلامية فى عصرنا ؟

هل تتوفر شرط حد الزنا فى العصر الحديث ؟

يُلاحظ أنّ التشريعات الحديثة ، حتى فى الدول التى يدين أغلب سكانها بالإسلام ، لا تطبق عقوبة قطع اليد ، بإستثناء السعودية ، وفترة من حكم نميرى فى السودان ، وحكم طالبان (طلبة الشريعة) بينما المعمول به فى معظم الدول (الإسلامية) هو توقيع عقوبة الحبس أو الغرامة.

تمثل عقوبة قطع اليد تحدٍ للنظام السياسى والاجتماعى (فى أى بلد) يدور حول الاستقرار. ولماذا لا يـُـنظر للسارق على أنه (مريض) ويحتاج إلى (علاج) لتحويله إلى إنسان صالح ومفيد ومنتج ؟

من خلال العمل الشريف الذى يتدرب عليه فى السجن ، ولكن هذا العمل (الشريف) لا يمكن أنْ يتحقق بعد قطع يده ، خاصة إذا كان هذا الإنسان (السارق) يعتمد على يديه فى الأعمال الحرفية (نجار، حداد إلخ) فإنّ قطع يده سيحرمه من إمكانية الاعتماد على العمل الشريف ، وبالتالى فإنّ النظام السياسى الذى يـُـطبق عقوبة قطع اليد ، يحوّل مجموع مقطوعى اليد إما إلى منحرفين أو متسولين.

 وتعريف المال المسروق فى الفقه الإسلامى لدى غالبية الفقهاء أنّ ((حد السرقة لا يـُـطبق فى سرقة أموال الدولة ولو بلغتْ الملايين ، لأنّ لكل مسلم حقــًـا فى هذه الأموال هو ما يـُـسمى بشبهة المُـلك ، فيسقط الحد . كما أنه لا يـُـطبق على المختلس (أى خائن الأمانة) وهكذا فإنّ سارق رغيف العيش تــُـقطع يده ، بينما مختلس ملايين الجنيهات تكون عقوبته الحبس أو السجن أو تــُـطبق عليه عقوبة (تعزيرية)

 وهى فى كل الأحوال أخف من قطع اليد ، أى أنّ مختلس الملايين أفضل من سارق رغيف العيش وفقــًـا للفقه الإسلامى ، بينما القوانين الوضعية تحكم على سارق الرغيف بالحبس وربما يعفو القاضى عنه وفقــًـا لسلطته التقديرية. كما أنه وفقــًـا لتفسير الأصوليين الذين يـُـحرّمون منجزات العصر الحديث، ويرون أنها (بدعة ضارة) فإنّ سرقتها حلال شرعـًـا مثل : الآلات الموسيقية والتماثيل واللوحات الفنية..إلخ.

 أما أخطر إشكالية فهى تتمثل فى ظهور براءة المتهم بعد قطع يده . وظهور البراءة ليس فرضية ذهنية ، وإنما هو واقع تكرّر كثيرًا ، سواء فى مصر أو فى غيرها من البلاد . فما هو شعور الإنسان الذى قــُـطعتْ يده وهو بريىء من التهمة (التى ربما تكون ملفقة لأسباب سياسية أو خصومات شخصية ، كما يفعل الكفيل السعودى) وهل أموال التعويض (بافتراض حدوثه كما هو فى العالم المتحضر) مهما كان حجمها تعنى شيئــًـا قياسًـا على اليد المقطوعة؟

 وعقوبة حدية أخرى هى الجلد مائة جلدة فى حد الزنا. وهذا الحد كى يتم تطبيقه يجب وجود أربعة شهود يؤكدون أنهم رأوا الجماع الجنسى المُـحرّم ، ومع مراعاة أنه لا يمكن أنْ يمر الخيط بين جسديهما. ولو أنّ أحد الشهود تراجع ، فإنه لا يجوز إقامة الحد.

كما أنّ تصميم المنازل العصرية، حيث الشقق المغلقة ، يصعب معه إمكانية التلصص على الآخرين كما كان الحال فى إطار نظام الخيام وقت نزول النص القرآنى . ورغم هذه الحقائق فإنّ الجماعات الإسلامية تــُـطالب بأنْ يكون قانون العقوبات مطابقــًـا للتشريع الإسلامى.

 وهناك حدود أقل شهرة مثل حد القذف (ثمانين جلدة) وحد الحرابة (وهو القتل أو الصلب أو النفى فى الأرض) وعقوبة شرب الخمر وهى عقوبة (تعزيرية) لأنها لم ترد فى القرآن أو السنة وإنما استخرجها على بن أبى طالب قياسًا على حد القذف.

وهذه الحدود كما كتب المستشار محمد سعيد العشماوى- هى عقوبات شرطية ، بمعنى أنها لا تــُـطبق إلاّ بعد توافر شروط معينة هى قيام مجتمع إنسانى تحققتْ فيه العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبالتالى تــُـستخدم الأحكام الشرعية فى أغراض غير شرعية.

وتــُـستخدم العقوبات باسم الإسلام ضد المسلمين ، من خلال حكومات ظالمة أو حـُـكام فسقة أو محاكم استثنائية أو تــُـطبق اعتسافــًـا وظلمًـا بناءً على ضبط زائف أو شهادة مزورة أو حكم جائر، كما حدث فى كثير من التطبيقات على مدى التاريخ الإسلامى وفى التطبيقات المعاصرة على وجه الخصوص (الخلافة الإسلامية- ص183)

 فهل يجرؤ أى نظام (حتى ولو ارتدى مسوح الإسلام) على تطبيق الحدود الإسلامية فى العصرالحديث ، دون أنْ يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية.

طلعت رضوان

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك