ماهي الفائدة الإبستمولوجية من دراسة الأدبيات الدينية ؟

ماهي الفائدة الإبستمولوجية من دراسة الأدبيات الدينية ؟ – فارس محمد

أتساءل أحياناً ماهي الفائدة التي تقدمها الأدبيات الدينية لدارسي نظرية المعرفة ؟! وهل لها دور في تجديد الخطاب الوضعي المنطقي ؟!
للإجابة على الأسئلة السابقة يجب معرفة المباحث الرئيسية لنظرية المعرفة والتي شرح بعضها الدكتور توفيق الطويل في كتاب «أسس الفلسفة» ومنها :
1_ إمكان المعرفة؛ فتواجه مشكلة الشك في الحقيقة والتيقن بها، لتجيب على السؤال المطروح : هل بإمكان الشخص معرفة شيء ؟! وهل المعرفة هنا معرفة يقينية أم نسبية ؟!
2_ التفريق بين المعرفة القبلية، التي تسبق التجربة، والمعرفة التي تجيء إكتساباً نتيجة التجربة، وهنا تتجلى فلسفة ديكارت حول ما يسمى بالمبادئ العقلية.
3_ البحث في الشروط التي تصبح بها الأحكام ممكنة، والتي تبرر وصف الحقيقة بالصدق المطلق – إذا كان في الإمكان وهنا نجد أثر الفلسفة الأفلاطونية وتقسيمه لعالمين : عالم المحسوسات وعالم المثل.
4_ البحث في الوسائل التي تتحقق المعرفة من خلالها والمصادر التي تجيء عن طريقها، وهنا نتحدث عن مصدرية المعرفة التي تتباين عندها الإيديولوجيات المختلفة.
5_ دراسة طبيعة المعرفة من حيث اتصال قوى الإدراك بالشيء المدرك، وعلاقة الأشياء المدركة بالقوى التي تدركها.
والمبحثين الرابع والخامس هما مربط الفرس وهما محور الموضوع كما سنشرح هذه العلاقة لاحقاً، وقد ذهب عالم الإنثروپولوجيا philip freund في كتابه «myths of creation» أن الأديان مجرد أساطير وخرافات منسوجة على شكل أبهى حلة أدبية ممكنة بشكل قوي ومؤثر في النفوس وليست فقط من نتاج الخيال المجرد بل ترجمة لملاحظات واقعية ورصد لملاحظات تاريخية حول الطبيعة المعرفية للمجتمع البدائي الذي فسرها بالأدوات المعرفية المتاحة في وقته (الأسطورة) فهي كالمرآة تعكس مستوى الوعي والثقافة العلمية والتقدم العلمي لتلك المجتمعات البدائية.
ومن استقراء المبحث الرابع والخامس ومن خلال دراسة الأدبيات الدينية بعدسة سيكولوجية فاحصة يتبين أن التطور النفسي والعلمي والطبيعة المعرفية لدى المجتمعات تعكسه أدبياتهم الفكرية والتي تشرح ملاحظاتهم الواقعية حول الأحداث الطبيعية بالوسائل العلمية الممكنة في وقتهم وكنتيجة جهلهم العلمي لعبت الأسطورة الدور الأكبر في حفل الداخل فكانت نتيجة ذلك ما وصل الينا من الإرث الأدبي المكتوب في أبهى صورة أدبية ميثولوجية ممكنة ك : ملحمة جلجامش التي حدثت في بلاد الرافدين وتعد من أقدم الأعمال الأدبية وتم كتابتها على ألواح طين بخط مسماري أقدم نسخة منها يعود للحقبة السومرية، كتبت منذ حوالي 1200 سنة ق.م من قبل كاهن يدعى شين أيقي أونيني تتحدث الأسطورة عن الملك جلجامش ملك مدينة أورك السومرية العظيمة و تحكي صراعه مع أنكيدو التي خلقته إحدى الآلهات والتي اسمها ارورو وتنتهي الملحمة بموت جلجامش وكذلك قصيدة “إنيوما إليش” التي تمجد انتصار الآلهة على قوى الفوضى وتحكي
قصة خلق الكون كما ذكرها الدكتور كامل النجار في كتابه “قراءة نقدية للإسلام” بحيث تبتدئ القصة بخلق الآلهة أنفسهم. تدعي الأسطورة إن الآلهة
ظهروا، كل إلآهين مع بعض، من ماء مقدس في كان موجوداً منذ القدم. وأكبر ثلاثة من
الآلهة كانوا : أبسو إله المياه العذبة، وزوجته إلهة المياه
المالحة، و”مومو إله الفوضى. ثم تكاثرت الآلهة بأن خرج إلاهان من كل
إله قبلهم. فظهر “لاهمو ولاهامن”، إله الماء وإله
الأرض. ثم ظهر “أنشر” و”كيشر”، اله السماء واله البحر.
وأخيرا ظهر إله الشمس “ماردوخ، الذي تغلب على الالهة “تيمات” وخلق كل القوانين التي تحفظ توازن العالم. وأخيرا خلق “ماردوخ” الإنسان و كذلك ملحمة الإلياذة الشعرية التي كتبها الشاعر الأعمى هوميروس وقد لا يكون موجوداً التي تحكي صراح الآلهة الثلاثة : هيرا وأثينا وأفروديت على التفاحة التي القتها الهة النزاع ايريس ثم قرار زيوس بتحكيم ملك طروادة بينهم وهو باريس بن بريام الذي كان يعيش على جبل ايدا وتحكي الملحمة كذلك حرب طروادة وتسليم اخيليوس جثة هيكتور لابيه بريام الشيخ الهرم.
الخلاصة :
تكمن فائدة الأدبيات الدينية الإنثروپولوجية والسيكولوجية والاپيستمولوجية من أنها كالمرآة تعكس التطور النفسي والعلمي والثقافي لدى المجتمعات البدائية، مما يتيح لنا دراسة طبيعة المعرفة التي تكونت لديهم من خلال صهر العوامل الثلاثة السابقة في بوتقة الطبيعة المعرفية للثقافة البدائية التي لعبت فيها الأسطورة الدور الأكبر وكنتيجة لتطورنا العلمي والثقافي بتنا لا نحتاج لمادة الأسطورة التي كانت المادة الخام في صياغة الملاحظات الطبيعية لدى المجتمعات البدائية كما قلنا سابقاً، بل بتنا نهدف لإزاحة المحتوى الديني و تقليص وجوده في خطاباتنا العلمية، لأن أعظم ما يعوق التفكير المثمر والرأي المدروس كما يقول المفكر سلامة موسى أن تكون هناك عقيدة مألوفة أو عادة
اجتماعية يمارسهما الناس لأن العادة التي ننشأ عليها – ذهنية أم اجتماعية – تحول بيننا وبين رؤية الحقائق كما تمنعنا من الانتقاد لما هو قائم بيننا.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك