تعرّف على مخاطر الإلحاد !

تعرّف على مخاطر الإلحاد ! – إعداد: غياث عباس

لم تدر العجلة البخارية الأولية في نهايات القرن الثامن عشر حتى أدارت التاريخ معها، فلم يعد بالإمكان إدراك العالم بذات المفاهيم السابقة، فلم تشحن طاقة العصر الصناعي الآلات وحسب؛ بل ولحقت بها المفاهيم أيضا، بما فيها مفهوم الالحاد ذاته الذي لم يعد يعني المفهوم القديم كما كان في ذهن أفلاطون أو ابن سينا.

لم تتلاءم الثورة الصناعية والتشكيلات الاجتماعية وسلطاتها، فبدأ المجتمع الكنسي والأسري يعيق التقدم الاجتماعي، وبكل بساطة فقد حان موعد الزوال، تأخرت الحركة الصناعية في الشرق طويلا بل وأعيق وصولها فيفضل للشرق أن يكون المورد الخام للصناعات المركزية، وسوقا ثانويا للسلع الحديثة، ولكن دخول الرأسمالية في مرحلة العولمة الرقمية وتعميم المعرفة وتعدد المراكز الصناعية التي لم تعد حكرا أروبيا، إذ يمكنك اليوم إحصاء الصين وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا والولايات المتحدة كمراكز التصنيع العالمي.

الثورة الصناعية وما لحقها من ثورة رقمية ضرب الجذور الاجتماعية التقليدية فانهارت المنظومات السلطوية التقليدية التي نقلت الانسان من مرحلة التجمع إلى التفرد (الفردانية)؛ بمعنى ميل الفرد للتحرر من سطوة المؤسسات الاجتماعية الرسمية.

فما هو الالحاد المعرفي؟

In Science we Trust

In Science we Trust

هو موقف من الذات والمحيط، على أنها ظواهر مستقلة يمكن التعبير عنها بالقيم العلمية وتفسيرها والتنبؤ بسلوكها. ولا تقبل إي تفسيرات غيبية في حال قصور الأدوات المعرفية البشرية عن فهمها.

بما في ذلك الظواهر الدينية والاجتماعية والسياسية، وكل فكرة هي مادة علمية قابلة للفحص، طبعا ليس المقصود أن يكون كل إنسان عالم بكل شيء، بل استلهام الحقائق من المؤسسات التي تتبنى المنهج العلمي واعتمادها، وإهمال سواها من المؤسسات الغيبية.

وهذا يعني إسقاط صفات القدسية والجلال والغيبيات، بما في ذلك الأخلاق اللامنطقية، واستبدلها بأخلاق ذكية تساعد على البقاء والتطور بدلا من أعاقته، وبالتالي التحرر من جميع الانتماءات الماورائية وغير المفهومة، كالقبيلة، والعرق، والطائفة.

فالانعتاق من ربقة المؤسسة الدينية في المفهوم المعاصر هو الالحاد، والتحرر من تعاليم القبيلة هو الالحاد والخروج على السلطة الحاكمة وسحب شرعيتها كمدير للعملية السلطوية هو الالحاد. وبمعنى آخر يحمل في طياته ثورة قد يكون الأخطر عربيا.

الخطورة محدقة بمن؟

– المؤسسة الدينية:

وبالتالي لا يكتفي الإلحاد بالانفكاك عن المؤسسة الدينية بل تحول إلى مرحلة أعمق في عالمنا العربي وهو التحول من النقد إلى النقض، فلطالما كان نقد المؤسسة الدينية الشغل الشاغل لمؤسسي الحداثة العربية (الجابري، جورج طرابيشي، محمد أمين العالم، محمد أركون…) بل وتبدوا الظاهرة الجديدة قوية ومتمرسة بالعلوم والمعارف ولم تتبلور في رموز بعد ولكنها مقبلة على ذلك، التي تعمل على تفكيك المؤسسة الدينية وملاحقتها أخلاقيا وثم اعتقالها كما في مثال الفاتيكان.

وزارة الاوقاف

من ناحية أخرى فإن الإلحاد يجر المؤسسة الدينية إلى أرض مجهولة تماما للمؤسسة، ومضمونة الهزيمة، وهي الساحة العلمية. فقد جرت تقاليد النقاشات الدينية بين الطوائف المتنوعة حول مدى قربها وبعدها عن المعاني اللاهوتية المتعالية، فالخلاف السني الشيعي مثلا ليس حول انسجام العقيدة وقوانين نيوتن، بل حول مدى طاعة (النبي) والإخلاص لتعاليمه ولا سيما فيما لو تعلق الامر بشأن الخلافة. والنقاش الإسلامي المسيحي قطعا ليس حول بعد أحداهما عن آخر تطبيقات ميكانيكا الكم، بل الخلاف حول مدى تنزيه الرب عن الأبوة وسواها من التنزيهات القدسية.

كما أن الالحاد يسحب مريدي المؤسسة الدينية ويفرغها من جماهيرها، فهل تعتقد أن رجل الدين الذي يميز المرأة عن الرجل بسبب غدة نسي اسمها سوف يقف على منبر لولا وجود آلاف المستمعين؟ وفيما لو انفض الناس من حوله ليلتفوا حول الحقيقة العلمية فلن تراه مرة أخرى، فسوق المريدين توقف والبضاعة المسجات كسدت.

– المؤسسة السياسية:

ومن ثم فإن المؤسسات السياسية العربية قائمة على مشروعية دينية بحته، فبالتالي فإن انهيار المنظومة الفكرية الدينية لا يعنى سوى انهيار السلطات الحاكمة ذاتها، بما في ذلك القوانين والدساتير، بل جملة التناقضات المذهبية التي يتعيش عليها السلطوي على سدة الحكم، فالملحد الحديث لا يعنيه الإشكال التاريخي حول الخلافة أهي لعلي أم لأبي بكر سوى مادة تاريخية قابلة للدراسة كأي تفاعل كيميائي تحكمه القوانين الطبيعة.

فلا عجب أن يجرم الالحاد في المملكة العربية السعودية كفعل إرهابي، ويلاحق الملحدون المجاهرون بتهم غريبة كإزراء الاديان في مصر والاردن وباقي البلدان العربية، بل والاكثر أثارة للاشمئزاز حين ”يتكاثر الحكماء حولك كالثعالب“، أقصد الوصاة على أخلاق المجتمع؛ من أنصاف المتعلمين المتخمين بكلمات غير واعية لعلوم رصينة يحاولون فيها حل (مشكلة الالحاد) فتحال لأسباب نفسية، وردات فعل، عدم فهم للدين، وأسباب أخرى مفترضة أخرى لا تكاد تنهي.

– المؤسسات البديلة:

مع تدهور الأوضاع السياسية والإجتماعية العربية، بدت ملامح لمؤسسات عنصرية ذات طابع معادي للدين، يمكن تسميتها (مناهضة ما هو عربي)، على اعتبار أن الاسلام دين عربي، وفي هذه المنطقة بالضبط يفشل الذهن البشري في التمييز بين الديني واللاديني.

القائد الملهم

القائد الملهم

بمعنى أن ظاهرة العنصرية في جوهرها تبني أربابا جدد (القائد الملهم، العرق المتفوق، الوطن السامي، المظلوميات التاريخية!) ومجرد عداء الأديان المتعارف عليها لا يعني شيئا سوى مستوى الضغينة التي تكنها للبشرية. وهنا يلعب الإلحاد المعرفي دورا غاية في الأهمية فهو ليس انعتاق من قيد من أجل التورط في قيد أقسى، بل انعتاق من أجل التحرر وقراءة الأشياء جميعا بالعين العلمية ذاتها التي قرأت بها الدين والأفكار أيًّ كانت.

وبالتالي فالإلحاد والحركات الفاشية والعنصرية التي أجملتُ تسميها بالمؤسسات البديلة على طرفي نقيض تماما، بل من الصحيح تصنيف المؤسسات البديلة ضمن خانة الاديان الجديدة، ولا يخفى على متتبع أن الحركات الدينية الحديثة فاشية عنصرية ضد كل مختلف.

قادة المجتمع الجدد

Scott Listfield

صورة لـScott Listfield

وعليه فإن الظاهرة الإلحادية العربية هي جزء من المتغيرات الإجتماعية الطبيعية للرأسمالية المعولمة بما هي خلق للفرد واضمحلال للمجموع، بالتالي لا يمكن أن تجد تجمعا إلحاديا على الإطلاق ومن المستحيل أن تتقسم إلى طوائف وآراء ولا حتى تيارات، بل هي بكل بساطة فردانية ذاتية وشأن شخصي وحسب.

– المبادرات الحقوقية:

ومن هنا ستجد مناهضي الأديان يعملون على خلق تجمعات مدنية كجمعيات حقوق المرأة في موجهة السلطوية الدينية والاجتماعية على المرأة العربية، ومناهضة جرائم الشرف والاستغلال الجنسي والزواج المبكر وتعدد الزوجات وجهاد النكاح… إلى آخره من مفاهيم اجتماعية رسختها المؤسسة الدينية ولا تزال تشجع عليها.

– المبادرات العلمية:

بدات بالفعل وبقوة فائقة على فضاء الانترنت التي تزود القارئ العربي تأليفاً وترجمةً بأحدث ما توصلت إليه الابحاث العالمية، تنازع في اتقانها المؤسسات العلمية الرسمية. فالحركة اللادينية وفرت الحامل الاجتماعي للمعارف الحديثة، وبمعنى آخر، أن الملايين الثلاثة اللادينيين خلقوا سوقا مهما لتبادل العلوم والمعارف، وبالتالي أوجدوا منابر علمية تواصل تطوير نفسها يوميا من حيث الدقة العلمية والاحترافية قد تصل يوما ما إلى خلق جو شعبي عام يدخل فيه العلم ضمن السلوك اليومي. بل ومؤسسات قادرة على الابتكار والتطوير والذي سيصب في مصلحة المواطن العادي.

هل سيحل الإلحاد شيء؟

الواقع ان الفردانية والإلحاد قولا واحد ليس حلا، إذ أن المشكلة في الانسان ذاته وليس في أفكاره مهما تغيرت، فلطالما أن بني البشر لازالوا على وجه البسيطة فالصراع مستمر وسيكفل نقص الموارد ديمومة الحروب ضد الانسانية والطبيعة معا.

ولكن الإلحاد يكشف الزيف الذي يموه الصراعات السياسية على حقيقتها، ويبدد الغمامة التي طالما حدت العقل البشري عن رؤية الواقع كما هو. فالمشكلة ليست (سنية – شيعية) بل مجرد صراع خليجي إيراني حول النفوذ في الشرق الاوسط وعلى إدارة أسعار النفط، بينما الثورات العربية في جوهرها لا علاقة لها بإقامة الشريعة بل صراع الاغلبية الفقيرة ضد الاقلية الغنية المعتاشة على دماء الشعوب، ولكن كفل الايمان خداع الجميع وأدخل الشرق الاوسط في حروب أهلية لا تبدو أنها منهية، علما أن تجار الحروب حقيقة مقتنعين بأن المشكلة دينية بحتة.

وبالتالي فالحركة اللادينية لن توقف الصراع بل ستعيد إدارة دفة الحروب في اتجاه آخر يحمل في طيات معانيه مرارة الحقيقة. وإن كانت تحمل بين جوانها الأمل فإن تعميم المعرفة حول الحروب كظاهرة قابلة للدراسة هي خطوة مهمة للتشخيص وأهم ركن من سيرورة الحل والتقدم.

المصدر: موقع دخلك بتعرف

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.






تعليقات الفيسبوك