هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟!

هل تعرف وصفة كانط التنويرية لنهوض العرب ؟! – د. محمد عجلان

يقول الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» وهو بصدد إجابته عن سؤال «ما هو التنوير»: «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. والكسل والجبن هما علة بقاء البعض من الناس عاجزين وقاصرين طوال حياتهم، رغم أن الطبيعة حررتهم منذ زمن طويل من كل سلطة ووصاية خارجية وغريبة عليهم، إن مبدأ التنوير هو: كن شجاعا واستخدم عقلك بنفسك».

وفقاً لهذا النص الكانطي، فإن جوهر التنوير هو استخدام العقل، وعدم الارتهان لرؤى الآخر، سواء كان هذا الآخر شخصاً ذا سلطة عليك، أو كان تراثاً يمارس سلطته باسم القداسة أو باسم العصور الذهبية التي ولّت ولا سبيل لتكرارها. فالتعلق بما رآه الآخر، سواء خوفاً أو كسلاً، هو توقيف للعقل عن إدراك حقيقة العالم الذي يعيشه، والدوران في فلك عقول لا تعيش عصرنا، سواء كانت عقولاً جاءت في الماضي وبالتالي فهي غير قادرة على قراءة عصرنا، أو كانت عقولاً تمارس وصايتها عليك تحت أي مبرر، فهي لا تؤمن بروح عصر العقل حتى لو كانت تحيا في ظله.

وإذا كان إعمال العقل هو جوهر التنوير، فإن احترام الإنسان صاحب العقل وتقديس حقوقه هو جزء أصيل لا ينفصل عن خطاب التنوير؛ لأن العقل الذي من المفترض أن يعمل بجرأة وفقا لطرح كانط لابد أن يجد مناخا مناسبا كي يعمل بهذه الجرأة، ولا يمكن أن يكون مناخ انتهاك حقوق الإنسان ومعاملته باعتباره قاصراً سيكون مناخاً مناسباً للفعل التنويري. وأي خطاب للتنوير في ظل مناخ الوصاية – أيا كان نوعها – لن ينمو، وفي أحسن الأحوال سينمو شائهاً؛ لأنه خالف جوهر التنوير وأخذ منه بعض مقولاته الشكلية لا أكثر.

ولذلك يمكن رصد حالة التوافق ما بين الخطاب الوصائي المنغلق، وبين الأنظمة الاستبدادية، فالخطاب المنغلق يحاصر العقل ويؤخّره إلى ذيل القائمة، هذا إن اعترف به أساساً، وبالتالي ينفي – سواء أدرك أو لم يدرك – عن الإنسان أهم مقوماته وهي التفكير، وهذه البيئة الوصائية هي المناسبة لأي نظام استبدادي، حيث تستكمل دور الوصاية تحت شعارات عديدة، وتؤخر استحقاقات الإنسان في حياة كريمة تلائم إنسانيته، وترفض بناء على ذلك أي فكر تنويري حقيقي يدفع الإنسان إلى تحقيق ذاته والتأكيد على إمكانياته. وإن كانت ترفع شعارات التنوير وتدعم بعض الجهات التي تتحدث باسمه، لكن هذا لا يخرج عن سياق الترويج الكاذب، مثل حديثها تماما عن الديمقراطية التي تحيا أزهى عصورها في ظل حكمها البغيض. ومن هنا ينشأ التحالف الوجودي ما بين الأنظمة الاستبدادية والتيارات الأصولية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك