تأملات حول فلسفة الرقص

تأملات حول فلسفة الرقص – بقلم: خيال بعيد

الرقص هو ضرب من ضروب التعبير الجميل ولكنه ليس تعبيرا بالصورة أو الصوت أو الحكاية وإنما تعبير بالحركة المتناسبة المتوازنة فالتناسب والتوازن هو سر جمال الحركة وتلذذنا برؤيتها ولا يمكن تحقيق هذا التناسب فى الحركة إلا بقدرة جسدية عضلية على التحكم فى الاعضاء ومرونة فى التفاعل مع القوانين الفزيائية التى تخضع لها الاجسام فى حركاتها وتغيرات أوضاعها ونقلات أجزائها وكل راقص محترف لابد له ليكون موهوبا فى فنه أن يملك هذه القدرة العضلية وهذه المرونة فى التعامل مع قوانين الحركة وهذا قد يتأتى بالتدريب المتواصل على الحركات حتى يكتسب الجسد صفة الليونة والمرونة فيكون مطيعا للارادة لا تعوقه الجاذبية الارضية أو قوانين التوازن ولكن هذا التدريب يكون اكثر نفعا وثمرة لوكان الجسد موصوف بالليونة والمرونة على سبيل الفطرة ولعل هذا هو السر فى تميز راقص عن راقص اّّخر ولكن الأمر لا يقتصر على الجسد وحده بل العقل ايضا له نصيب كبير فى مدى مهارة الراقص واحترافه لأن العقل هو الذى يوجه الاعضاء نحو حركاتها الجزئية ويراعى التناسب الزمنى بينها والهرمونية والتناغم فى تواليها وتأخرها وتقدمها فالعقل هو ضابط الايقاع للحركات والحافظ لما بينها من فترات زمانية .

وهذا هو الرقص من حيث المادة التى يستعملها فى التعبير الجميل أعنى الحركة المتناسبة أما من حيث المضمون فلابد لكل رقصة أو مجموعة حركات متناسبة أن تكون معبرة عن حالة من الحالات وشعور من المشاعر مثلها فى هذا مثل شتى أصناف التعبير الجميل كالموسيقى والشعر والرسم والقصة فرب رقصة تعبر عن الفرح والطرب ورب رقصة تعبر عن الحزن والشجن ورب رقصة تعبر عن اليأس والعدم فلا يكفى أن تكون الحركات متناسبة متوازنة بل لابد من أن توحى الحركات بحالة نفسية أو شعور نفسانى يعبر عنه الراقص بحركاته تماما كما أن الألحان الموسيقية تتباين فيما تعبر عنه من حالات ووجدانات من حب وكبرياء وصراع واحباط وسخرية وقلق وتوتر وانبهار وصدمة وبكاء وحزن وفرح فليس الغرض من الرقص أن تكون حركاتنا متوازنة فقط وإنما لابد من وجدان تعبر عنه هذه الحركات وإلا لم يكن هناك تعبير اصل فكل تعبير يستلزم أن يكون هناك معبر عنه والفنون برمتها تشترك فى كون المشاعر هى المعبر عنه وانما تختلف فى مادة التعبير .

الرقص الشرقي

والرقص الشرقى هو صنف من اصناف الرقص وله قواعد ومهارات لابد من الاحاطة بها لإجادة فعله وإن كانت المرأة الشرقية تولد من بطن أمها وهى عارفة بالرقص الشرقى واصوله وهذا من الغرائب التى لم اعرف لها سببا حتى الاّن فقد رأيت نساء يجهلن كل شئ أو بعض الاشياء ولكنى لما ارى واحدة تجهل هذا الامر ولابد وأن وراء هذا الشمول سر وإن كان عقلى يعجز عن كشف طلاسمه (ولكن لا يأس مع الحياة ) ولكنى إرجح أن السبب فى هذا الشمول هو وجود خاصية فى الرقص الشرقى لا توجد فى غيره من انواع الرقص وأعنى كونه مقترنا فى الغالب بالإثارة الجنسية واعتماده على حركات الاعضاء المغرية فى المرأة وهل هناك ما هو اهم عند المرأة الشرقية من الرجل وهل يخضع الرجال الشرقيون ويركعون إلا بسبب شهواتهم الجنسية ……..اقول لعل هذا هو السبب .

ورغم أن قوانين الرقص الشرقى واحدة إلا انك تجد تباينا واختلافا فى اسلوب كل راقصة فلكل واحدة منهن شخصيتها المستقلة ولكل واحدة منهن حركاتها المفضلة وعضو معين يكون اغلب اعتمادها على اظهار حركاته فلا تتشابه النساء فى رقصهن ولعل هذا يدعو للتساؤل عن سر هذا الاختلاف الفطرى وهل له علاقة بشخصية المرأة وطباعها النفسية — هذا محتمل — وإن لم يكن مؤكدا ويمكن اعتباره من ضمن الاسرار المنغلقة على الفهم فى شخصية المرأة واحوالها وتناقضاتها فالمرأة ذات الكبرياء لها طريقة فى الرقص تخالف طريقة الساذجة أو البريئة أو الماكرة أو الغضوبة أو الرقيقة أو المتعلمة أو الجاهلة أو الغيورة وكما قالوا لكل شيخ طريقة .

الرقص العالمى

الرقص ظاهرة موجودة فى كل الامم مهما كان بينها من تباعد فى المسافات والطباع والأمزاج والأحوال ولكن هذا الإختلاف لابد وأن يظهر اثره فى الرقصات وانواع الحركات السائدة بين الامم بل ولابد وأن يظهر أثره حتى فى نوعية المشاعر والمعانى التى تميل الامة للتعبير عنها فى شعرها ورقصها وغنائها وحكاياتها فرب امة تميل للفرح والخفة ورب امة تميل للأحزان والقداسة ورب امة تميل للفتوة والاقدام ولابد وأن تظهر اّثار هذه الميول فى تعبيرها الجميل فما أصدق الرأى الذى يقول أن الفن هو مراّّة للامة تعكس روحها بصدق وإذا أردت التعرف على امة فانظر فى فنونها واّدابها ورقصها وغنائها وامة لا فن لها فهى بلا روح وبلا هوية بل وبلا حياة .

الرقص الافريقي

وإذا نظرنا للرقصات الشائعة فى الامم وجدنا صدق هذا الرأى فما اشد مناسبة الرقص الافريقى بحركاته السريعة العنيفة لحياة الغابة وعنف الطبيعة والصراع المرير على البقاء رغم الاخطار المحدقة من كل صوب وحدب وما اجدر بالافارقة أن يميلوا للتعبير عن شجاعتهم فى مواجهة حياة الغابة بخفة الحركة وسرعتها وهل هناك ما هو أهم من سرعة الحركة فى غابة مكدسة بكل اصناف الوحوش المفترسة والتى تهدد حياة الانسان فى كل لحظة وهل هناك ما هو أهم من تقدير صفات النشاط ومتانة البنية وقوة العضلات فى مكان لا يحصل فيه على الطعام إلا من كان بهذه الصفات ولعل هذا هو السر فى ميل الرقص الافريقى للحركات المعبرة عن هذه المعانى بالاخص لإنها صفات كمال فى هذه البيئة الشرسة وجدير بالرجل أن يعبر عن اتصافه بها لينال اعجاب المرأة بشتى اصناف الحركات العنيفة السريعة وجدير بالمرأة أن تعبر عن اتصافها بالليونة والسرعة ومتانة البنية لتنال اعجاب الرجل فما أشد مناسبة هذه الصفات لبيئتهم القاسية وما كان اجدر بهم ان يغرموا بالتعبير عنها فى المباهات وحفلات الزواج .

الرقص الفرنسى

هناك رقصة فرنسية اسمها رقصة (الكان كان) وهى الرقصة الشعبية عند الفرنسيين وهى اكثر الأشياء دلالة على الروح الفرنسى بكل ميله للمرح الصاخب والطرب الماجن وافتتان بذئ وحسية مفرطة فى تأمل جماليات جسد المرأة من منظور الشهوة التى لا تفرق بين مقدس وبذئ وتستوى عندها جميع الامور وترتفع كل تفرقة وتمييز ولا يبقى إلا محض الرغبة الحيوانية العمياء والتى تبحث عن الإشباع بلا اعتبار لاى اعتبار ويمكننا أن نطلق هذه الرقصة إسما اصطلاحيا وهو (رقصة المجون ) لأنها بالفعل تخلق فى النفس حالة من المجون والمرح الصاخب عند مشاهدتها وهى حالة سائدة فى الروح الفرنسى حتى فى اشعارهم التى يعبرون بها عن عشقهم وهيامهم تجد لمحات من المجون والتغنى بجسد المحبوبة وتتبع لكل عضو من أعضائها الجسدية .

الرقص الاسبانى

من أجمل الرقصات العالمية رقصة الفلامنكو وقد يميل إليها العرب كثيرا ويتجاوبون معها وجدانيا على البديهة لما فيها من روح عربية مستترة تسربت إليها من خلال التأثير الأندلسى فى الاسبان واّّدابهم وفنونهم وحتى عاداتهم وأخلاقهم فى النظر للمرأة نظرة فارس شجاع عاشق قد يخسر حياته بكل رضا واقدام من أجل شرف حبيبته وما أجمل تسبيحات الجيتار وعزفه لأنشودة الحزن السامى والكبرياء الشامخة مع حركات الفلامنكو والتى تشعر معها انك امام قديسة تنظر لك بكبرياء وتعالى ولكنها كبرياء القداسة لا كبرياء الغرور وما أجمل نواحها على حبيبها ومشاعر الشوق والأسى على فقده وكأن الكواكب والشمس والقمر والأشجار والجبال والبحار تبكى معها وترد على نواحها بنواح الطبيعة الحزين ولحن الوجود الخفى الذى يراقبها من بعيد ويرثى لحالها فهي بحق رقصة (الكبرياء والشموخ الحزين ) .

الرقص الحديث

وما أجدر بنا أن نختم هذه التأملات فى اصناف الرقص عند الأمم وأرواحها بالكلام عن الرقص الحديث بكل اطواره وتقلباته ومراحله بدءا من الرقص على موسيقى الجاز ومرورا بالروك اّند رول والهيبز وحتى نصل الى رقصة المكارينا فكل هذا داخل تحت مسمى الرقص الحديث ولعل أفضل إسم اصطلاحى يمكن أأن نطلقه على هذا النوع هو (رقصة الجنون) فحقا هو دلالة على حالة الجنون التى وصل إليها العالم فى أذواقه ومعتقداته ونظمه وأحواله وحقا هو دلالة على حالة جنون الغريزة وخروجها عن السيطرة وعجز العقل عن التحكم فيها أو رد رعوناتها بل وعجزه عن كبح جماح الرغبة الهستيرية فى العبث حتى صار هو نفسه خادما لها مطيعا لأوامرها يتفنن لها فى ابتكار عجائب الطرق والوسائل لمزيد من العبث والجنون وما يحدثانه فى النفس البشرية من لذة وقتية سرعان ما تزول وتتلاشى ولا يمكن نيلها مرة اخرى إلا بمزيد من العبث والجنون تماما مثل لذة المخدر سرعان ما تزول وتنمحى ولا يمكن اعادتها إلا بجرعة جديدة ولكنها أكبر وأزيد من سابقتها وإلا فلا عودة للذة مرة اخرى.

ــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك