ما الذي يخدش الحياء العام؟!

ما الذي يخدش الحياء العام؟! – د. محمد عجلان

كثر الكلام منذ فترة في مصر حول الذوق العام، والحياء العام، وكل ما هو عام، خاصة بعد حبس الكاتب أحمد ناجي بسبب أحد أعما له الروائية، وكانت التهمة أنها تخدش الحياء العام. ومن قبل ذلك تم تدشين حملة بعنوان “أخلاقنا”، هدفها زرع القيم التي كادت أن تندثر في المجتمع، ومحاولة استعادة زمن الخلق الجميل، حيث كان الناس رائعين، لكن السؤال: إذا كانت الأخلاق قد فسدت واستدعت من عباقرة هذا المجتمع أن يدشنوا حملة لضخ الحياة فيها من جديد، فهل كان السبب المباشر لذلك هو انتشار أعمال روائية من عينة عمل أحمد ناجي، أم أن ثمة أسباباً أخرى أدت إلى ما وصلنا إليه، وبالتالي فإن الذوق العام، والحياء العام، قد تم انتهاكهما قبل أن يكتب أحمد ناجي عمله، وبالتالي ينطبق على الحياء العام المثل القائل: “ضربوا الأعور على عينه” !

إذن الحملة التي تم تدشينها تحت رعاية الدولة هي تأكيد على الحالة المزرية التي وصلت لها أخلاقنا، وبالتالي فإن أحمد ناجي لم يساهم في هتك عرض الحياء العام المنتهك قبلاً باعتراف الدولة وعلى مرأى ومسمع من الحملة التي تدعمها. إذن خدش الحياء وخلل الأخلاق سابق على عمل أحمد ناجي وغيره من الأعمال التي يراها القائمون على شأن هذا الوطن أنها تتحرش بالحياء العام. وهذا يجعلنا نتساءل: إذن ما هو السبب المباشر لما وصلت إليه أخلاقنا، من انتشار للغش والفساد والانحلال والفهلوة والرشوة، والقائمة تطول، وجميعنا يعلمها جيداً؟ هل السبب ما يردده التيار الأصولي – على سبيل المثال – حول البعد عن صحيح الدين، أم أن هناك أسباباً ضاربة بجذورها في أعماق المشكلة؟ هل السبب هو ما أعلنه الرئيس المؤمن – أنور السادات -وهو البعد عن أخلاق القرية؟ يبدو أن أزمتنا الأخلاقية سابقة حتى على حملة “أخلاقنا”.

سأحاول أن أكون شخصاً أكثر عملية، وأضرب لكم مثالاً عما يفسد الإنسانية ذاتها وليس فقط الحياء العام، تخيل معي الازدحام الصباحي في مسيرة البحث عن مقعد في سيارة أجرة، مئات الركاب على أرض الموقف في انتظار السيارة، فما أن تلوح من بعيد حتى يهرول نحوها عشرات الرجال والنساء، مع محاولات بائسة من كبار السن، فما أن يقف السائق حتى يتزاحم الجميع للوصول إلى المقعد المطلوب، وفى هذه اللحظة بالذات تضيع الأخلاقيات وتُنسى كل القيم، فلا مكان لتقديم عجوز، ولا مجال لاحترام امرأة، فلو قدّم الآخرين على نفسه فلن يصل لعمله أو جامعته أو لأي مكان يريد الوصول إليه، ربما تأخّر ساعة أو ساعتين، فالخوف من الغياب عن العمل أو التأخر على المحاضرة أو ضياع وقت عمل البطاقة الشخصية أو انتهاء وقت زيارة المريض في المستشفى، كل هذه التخوفات أو بعضها يجعل المواطن يدوس إنسانيته، ويسحق أي تحضر علق به في رحلة الزمن البائس. لا مجال لكلمة طيبة في ظل الزحام، ولا مكان لأخلاقيات الإحساس بالآخر، هكذا يضيع ما بقي من إنسانية على أبواب الميكرو باصات كل صباح.

إذن الأمر هنا ليس أمر كلام نظري عن الأخلاق واسترجاعها، بقدر ما هي ظروف تجبر المواطن مع تكرارها على أن يتصرف بشكل معين، وفي حال تغير الظروف بشكل حقيقي سوف يتغير، تخيل لو توفرت سيارات بأعداد كافية، حتى لو كانت دون المستوى، فقط توافر كم كاف من السيارات، هذا جدير بأن يحافظ على ما بقي من إنسانية، إن كانت ثمة بقية. لكن لا يمكن اختزال ضياع الأخلاق في هذا الجانب فقط، فما هو سوى ضلع من أضلاع شكل هندسي متعدد الأضلاع، ربما يكون ثلاثياً أو رباعياً أو سداسياً، ولذلك يجب أن نرصد بعض التفاصيل الأخرى التي تشوه الضمير الجمعي للمواطنين، وتجعلهم يقترفون رذائل التصرفات دون حتى شعور بتأنيب الضمير، لدرجة تدعو إلى دق كل نواقيس الخطر، وإعلان أننا أمة في خطر.

إذا كان عمل روائي يخدش الحياء العام، فماذا يفعل الفساد بالضمير العام؟ ما هي الآثار المترتبة على وجود الفساد وعدم وجود إرادة حقيقية لدى السلطة السياسية في مواجهته بعد ثورتين على هذا الفساد؟ عندما يكون المواطن مجبراً على دفع رشوة للموظف العام كي ينهي له مصلحته، عندما يكون الدخول لوظائف الدولة عبر الرشوة والمحسوبية وليس عبر الكفاءة، أن يكون هناك وزراء في الدولة يعتبرون أنفسهم سادة بينما بقية المواطنين عبيد إحسانهم، ماذا تنتظر من ابن الزبال حين تتحدث عنه السلطة – ممثلة في وزير عدلها – باعتباره غير مؤهل لشغل وظيفة قاض لأنه غير لائق نفسياً، ماذا تنتظر من مواطن لا يضمن أن يدخل قسم الشرطة ثم يخرج على قدميه، وفي أحسن الأحوال لن يخرج وكرامته كما كانت قبل الدخول؟! هذه مجرد أمثلة على تفشي الفساد وتقنينه والإفصاح عنه من قبل الدولة، هذه الأمثلة تجعل المواطن في حالة يرثى لها، يجد نفسه مجبراً على فعل ما لا يريد حتى يعتده بعد ذلك ويصبح جزءاً من سلوكه اليومي.

ناهيك عن موروثات تاريخية ودينية ساهمت بشكل كبير في صياغة ضمير ازدواجي، يركز على الشكليات دون المضامين، ويراعي الظاهر دون الباطن، ويساهم في خلق مواطن خانع، سواء على صعيد التفكير أو على الصعيد السياسي، مواطن يرى أن التفكير خطر يهدده، وأن من يدفعه لإعمال عقله كأنه يلقي به من فوق قمت إفرست، ويرى أن معارضة الحاكم أو الثورة عليه نوع من معارضة الإرادة الإلهية، التي تنهى عن الثورة على الحاكم، حتى لو ضرب ظهرك أو أفسد في الأرض كما قال بعض الشيوخ الأجلاء مؤخراً، وكما يقولون دائماً. هذا الحصار باسم الدين، أو باسم العيب، يخلق مواطناً رخواً، لا قدرة لديه على إعمال عقله، ولا طاقة لديه لمواجهة الظلم، يرى الفساد أمام عينيه، فإن لم يساهم فيه فلن يحاول منعه، لأن الفساد كما رسّخ الخطاب الديني على مدار قرون أهون من الفتنة، ولم يعرضوا الحرية كمقابل للاستبداد، بل عرضوا الفتنة كمقابل للاستبداد، نفس ما قاله مبارك ورجاله: أنا أو الفوضى.

ولذلك لن تجدي لا حملة “أخلاقنا” ولا حتى الحملة الفرنسية في مواجهة الأزمة التي يعانيها المجتمع، لن يتخلص هذا المجتمع من حالته المزرية أخلاقياً إلا بحضور دولة القانون، التي لا تميز بين مواطنيها، ولا تعتبر بعضهم سادة والآخرين مجرد عبيد، دولة ترى أن شرطتها لا وظيفة لها سوى حفظ أمن المواطن، لا البلطجة باسم النظام، دولة تطبق القانون على الجميع، بدءاً من رأس السلطة وصولاً إلى أصغر مواطن. هذا الفساد وهذه الموروثات البالية هي التي تخدش الضمير العام وتشوهه وتجعله عرضة لتأثير كل رديء، فلن ينتهك الحياء العام أي عمل إبداعي أياً كان، فلو افترضنا جدلاً أن الذوق العام بحالة جيدة، وأن الضمير ليس مليئاً بالثقوب، فلن تقدر رواية أو أي عمل آخر على هتك عرض الضمير العام، لأنه سيكون محصناً، ولن يجدي في نفس الوقت منع أي عمل تحت لافتات حماية الذوق العام أو ما شابه ذلك، فكما فصّلنا فالوضع سيئ بما يتجاوز حدود تأثير أي عمل مكتوب. فلنحاول علاج المرض من جذوره، لا أن نتحجج بعمل روائي كي ندفن رؤوسنا في الرمال، أو ربما هي حيلة لإبعاد الأنظار عن حقيقة المآسي التي نتعرض لها ليل نهار.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك