الكتاب الذي تنبّأ بانهيار الحضارة الغربية .. لابد أن تقرأه في أقرب فرصة

الكتاب الذي تنبّأ بانهيار الحضارة الغربية .. لابد أن تقرأه في أقرب فرصة – لطفية الدليمي

رأى إشبنغلر التاريخ من منظور مغاير لما دأب عليه مؤرخو عالمنا واختطّ لنفسه رؤية غير مسبوقة للتاريخ في تقسيماته فقد عارض تقسيم التاريخ في زمن خطي: “قديم وقروسطي وحديث” فقسمه إلى ثقافات.

ترغمك البعض من الكتب على اتخاذ موقف متوجس من طروحاتها غير المألوفة في سياق الفكر والتأريخ والفلسفة وتدفعك إلى اتخاذ مواقف مناقضة لها وتحرضك على المضي في استكشاف رؤاك الشخصية وتمسي حافزا للعمل وتطوير الذات، بينما تغني ذائقتك وثقافتك في تسليطها الأضواء الكاشفة على الثقافات المختلفة في عالمنا.

أفضل مثال على هذه الكتب الثرية المحرضة كتاب “تدهور الحضارة الغربية” للفيلسوف أوزوالد إشبنغلر بمجلديه الكبيرين. شغلني هذا الكتاب الثري منذ بدايات تكويني الثقافي، وكان بالنسبة إليّ مرجعا أساسيا في متابعة تاريخ الحضارات من وجهة نظر مختلفة تماما عما ألفناه لدى المؤرخين، كما كان مرشدا مدهشا طاف بي في متاحف العالم وأروقة الفنون القديمة والحديثة، وتعرفت منه على أنماط فن العمارة في الحضارات المختلفة وفنون النحت ومدارس الرسم والموسيقى الكلاسيكية.

يصرح إشبنغلر: الرجل يصنع التاريخ؛ أي الحروب، دينية كانت أو سياسية، فالتاريخ والدين ذكوريان وكلاهما يقصي المرأة بعيدا إلى عالم الطبيعة الذي تعدّه القيم الذكورية أدنى مكانة من المطلق الذي يتبناه خطاب الذكورة، إنما تمثيل المرأة للطبيعة يعينها في الردّ على التاريخ والرجل والحرب، فهي تديم الحياة ومفردات الحضارة بابتكار “الفنون وأغاني الحب والرقص والنسيج والحصاد وحفظ الغذاء، لكن سرعان ما تدمر حروب الرجال هذه المنجزات الأنثوية”.

يعود إشبنغلر ليعدل منظوره للتاريخ وعلاقة الرجل والمرأة به، متقاطعا ومناقضا رؤيته عن كون المرأة تمثل الطبيعة، ينفيها عن مهمة مواجهة التاريخ فيقول “الرجل يصنع التاريخ والمرأة هي التاريخ”، ليجعلها غاية الفعل الذكوري التاريخي وهدفه -أي المقتولة والسبيّة- مادة الحدث العنفي وما يصاحبه من اغتصاب ومحو للوجود الأنثوي، وتكريس عبودية المخدع ونظام القنانة الجنسي.

يوضح إشبنغلر في تناقض لاحق “تاريخ الرجل يضحي بتاريخ المرأة من أجل ذاته، ولذا تحتقر المرأة ذلك التاريخ الآخر: أي سياسات الرجل التي تخطف منها زوجها وأبناءها على دويّ المدافع وصيحات المعارك”.

ويضيف “إن المرأة عرافة بالفطرة، ليس لأنها تعرف المستقبل، بل لأنها هي المستقبل”، وهي عبارة استعارها الشاعر “أراغون” لاحقا، ويقع فعل التاريخ على المرأة التي تمثل المستقبل، ويستهدف كل فعل عنفي المستقبلَ، ويَقسِر الإنسان على التلبّث في الزمن الساكن ليس التاريخي فحسب، بل الماورائي المثقل بالخرافة والعجز والبلادة ويعطل المخيلة الإنسانية عن ابتداع الجمال والفن، واستفدت في دراساتي عن النسوية من طروحات إشبنغلر منطلقة من تناقضاتها.

رأى إشبنغلر التاريخ من منظور مغاير لما دأب عليه مؤرخو عالمنا واختطّ لنفسه رؤية غير مسبوقة للتاريخ في تقسيماته فقد عارض تقسيم التاريخ في زمن خطي: “قديم وقروسطي وحديث” فقسمه إلى ثقافات لها مسيرة صيرورة وتطور كشأن الكائنات الحية، ورأى أن الثقافات تنقسم إلى ثمانية طرز أو أنماط: البابلية والمصرية والصينية والهندية والمكسيكية (المايا والأزتيك) والكلاسيكية (اليونانية/ الرومانية) والعربية والغربية أو الأوروبية- الأميركية، وحدّد لكل ثقافة عمرا افتراضيا يمتدّ نحو ألف عام ومتى ما نضجت تلك الثقافة فإنها تصبح حضارة.

كما طرح فكرة صدمت الغرب وهي أن المسلمين واليهود والمسيحيين وكذلك الفرس والساميين هم أصحاب ثقافات الحكمة القديمة التي أسماها المجوسية، واعتبر الثقافات المتوسطية الإغريقية والرومانية ثقافات أبولونية ونسب الشعوب الغربية المعاصرة إلى فاوست وأطلق عليها اسم شعوب الثقافة الفاوستية، وهي التي تقف عند حافة الأفول الحتمي الذي تمضي إليه الثقافات حين بلوغها مرحلة الحضارة المكتملة.

المصدر: جريدة العرب

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك