كل ما تريد معرفته عن «نهاية التاريخ» والإنسان الأخير

كل ما تريد معرفته عن «نهاية التاريخ» والإنسان الأخير – د. محمد عجلان

إن فكرة نهاية التاريخ، فكرة طرحها فرانسيس فوكوياما في كتاب بنفس الاسم، حيث تحدث فيها عن انتصار الأيديولوجية الليبرالية على غريمتها الاشتراكية، وكان الكتاب تأكيد طويل على هذه الفكرة، والتي أعلنت موت الأيديولوجيات وانتهاء الصراع، وهذا البحث يدور في فلك هذه الفكرة، وما هي أهدافها، ومدى صوابيتها من عدمه.

ركائز أطروحة نهاية التاريخ عند فوكوياما:

حاول فوكوياما بكل ما أوتي من حجة أن يعضّد أطروحته حول نهاية التاريخ؛ لذا لزم أن نعرض للمرتكزات التي انطلق منها فى تأسيس بنائه الفكري، قبل الولوج إلى الأبعاد الأيديولوجية لأطروحته.

يبدأ فوكوياما بالتأكيد على أنه لم يكن مبتدعاً لفكرة “نهاية التاريخ”، وإنما سبقه إليها آخرون، فيقول: “كان فى اعتقاد كل من هيجل وماركس أن تطور المجتمعات البشرية ليس إلى ما لا نهاية، بل أنه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يشبع احتياجاتها الأساسية والرئيسية. وهكذا افترض الاثنان أن للتاريخ نهاية، هي عند هيجل الدولة الليبرالية، وعند ماركس المجتمع الشيوعي ([1]). وسوف يعرض الباحث فى البداية لتصور ماركس عن نهاية التاريخ، على اعتبار أن فوكوياما يعلن تبنيه للطرح الهيجلي، وبالتالي سيكون تناول الفكرة عند فوكوياما بمثابة عرض لها عند هيجل، إلا إذا لزم الأمر أن نزيل لبساً أو نشير لتعارض أو تحميل هيجل ما لا يحتمله.

أ- دورة التاريخ عند ماركس: 

الماركسية Marxism بصفة عامة نظرية متعددة الجوانب، لا تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وتحاول أن يكون لها دور فيه، عن طريق إعادة تنسيق معطياته الفكرية، بصورة تكاد أن تكون كلية، وهي فكر لم ينبع من فراغ مذهبي، وإنما استقى من أسلاف عديدين، فبالإضافة إلى تأثر ماركس بهيجل فى مجال الفلسفة، خصوصاً فى الجدل Dialectic، فإنه تأثر بآدم سميث وديفيد ريكاردو فى مجال الاقتصاد، وبسيمون وأوين وفورييه فى المجال الاشتراكي ([2]).

استعار ماركس المنهج الجدلي من هيجل، إلا أن الجدل الماركسي اختلف عن الجدل الهيجلي فى أن الأخير لم يبرح دائرة الفكر إلى عالم الواقع؛ فى حين اعتبر ماركس أن القوة الدافعة الرئيسية التي تسبب التغييرات فى الإدراك البشري، ومن ثم فى التنظيمات الاجتماعية، لا يمكن العثور عليها فى العقل البشري ولا فى أي فكرة سامية أو وحي مقدس، وإنما يمكن العثور عليها فى الظروف المادية للوجود، وأهم هذه الظروف إنتاج ضروريات الحياة، ويعتمد على “قوى الإنتاج” التي يكون بعضها جماداً (مثل التربة والماء والخامات والأدوات والآلات) وبعضها الآخر بشرياً (مثل العمال والمخترعين والمكتشفين والمهندسين) ([3]).

وللماركسية مفهومها الخاص عن التاريخ، حيث تؤكد على أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية، وما إليها من ظواهر الوجود الاجتماعي ([4]). فالبنية الاقتصادية للمجتمع هي الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه صرح قانوني وسياسي تتوافق معه أشكال محددة من الوعي الاجتماعي. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم بل على العكس، إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم ([5]). فنمط الإنتاج فى مجتمع ما يتألف من القوى المنتجة (الناس والآلات والتقنيات) ومن علاقات الإنتاج (العبودية، المزارعة، الحرفية، المأجورة). ويشكل نمط الإنتاج هذا القاعدة التي تقوم عليها البُنى الفوقية السياسية والقانونية والأيديولوجية فى المجتمع ([6]).

وطبقاً للجدل الماركسي، تصور ماركس أن المجتمع يتألف من حلقات نفي أو نسخ النظم الجديدة للنظم القديمة، فقد ذهب إلى أن هناك خمسة أشكال حتمية تمر بها المجتمعات الإنسانية خلال تطورها، وهي: المرحلة البدائية، المرحلة الإقطاعية، المرحلة الرأسمالية، المرحلة الاشتراكية، وأخيراً المرحلة الشيوعية. ويقرر ماركس طبقا لماديته الجدلية أن كل نظام يشتمل فى نفسه على بذور هدمه، أي على مبادئ كامنة فى ذاته تكون هي السبب فى القضاء عليه، ولكن ليس معنى ذلك أن الجديد ينسخ أو ينفي كل القديم، بل يستبقي منه أفضل ما فيه ويدمجه فى الجديد بشكل تطوري إلى ما لا نهاية ([7]).

ويعتبر تحرير الطبقة العاملة Working Class من الاستغلال الرأسمالي، وضرورة تملك البروليتاريا لوسائل الإنتاج فى المجتمع، هو الأساس الذي تدور حوله كل أعمال ماركس، باعتبار أن نمط الإنتاج الذي تمخض عن الثورة الصناعية Industrial Revolution هو أساس شقاء طبقة العمال فى كل أرجاء العالم، وهو الذي أفرز الصراع الطبقيClass Struggle فكل طبقة اجتماعية تفرز تصورها الخاص للعالم، تعبيراً منها عن وضعها فى التاريخ، وعن مصالحها وعلاقاتها بالطبقات الأخرى، والطبقة ذات القوة السائدة فى المجتمع هي فى الوقت ذاته صاحبة القوة الفكرية السائدة، ومن ثم فإن الطبقة هي علة سيادة الأفكار وليس العكس. وانتشار القوة الفكرية للطبقة مرهون ببقاء الشكل الطبقي المسيطر، فإذا ما تراخت قبضة السيادة الطبقية، تحرر المجتمع من اعتناق تلك المبادئ وتلاشت سيطرة الطبقة الفكرية، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأفكار لا تستطيع أن تبقى فى الحياة بعد زوال الطبقة التي أنتجتها، ولكنها لا تستمر فى هذه الحالة كأفكار سائدة ([8]).

وترى الماركسية أن السلطة السياسية Political Authority ما هي إلا مجرد ظل للسيطرة الاقتصادية، فهي لا تقوم بذاتها أو توجه العلاقات الاجتماعية، وإنما تخضع للمستحوذين على وسائل الإنتاج والمالكين لها ملكية خاصة. فالنظام الاجتماعي (أي نظام الإنتاج وعلاقاته) هو مصدر كل صور الحياة الإنسانية من سياسية وقانونية ودينية. والسيطرة الاجتماعية التي يتيحها هذا النظام الاجتماعي هي مصدر كل ما عداها من سلطات سياسية وقانونية وأدبية، فلا قيمة لأي نظام سياسي فى ذاته، وإنما هو مجرد إطار للنظام الاجتماعي القائم ([9]).

وتؤكد الماركسية على أن التطور الحتمي للمجتمع سيؤدي إلى ذبول سلطة الدولة بقيام الشيوعية Communism، أي عندما يتملك المجتمع وسائل الإنتاج ويقوم بتوزيع ثمراته على الجميع من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته، وبالتالي إلى اختفاء الطبقات الاجتماعية التي تقوم الدولة بسبب تصارعها. فقيام الدولة كسلطة قهر سياسية مرهون بانقسام المجتمع إلى طبقات، وهي لا تستخدم إلا كأداة فى يد الطبقة المالكة للقهر السياسي والاجتماعي، وأنه حالما تختفي الطبقات وتختفي الدولة والقانون، وكافة الصور الإكراهية التي يحتاج إليها مجتمع طبقي للإبقاء على سيطرة الطبقة المالكة والمحافظة على استغلالها، يحل التنظيم والإدارة محل أدوات الإكراه هذه والسلطة والحكم ([10]). وبالوصول إلى مرحلة الشيوعية وزوال الدولة تتوقف دورة التاريخ؛ لأنه وصل لغايته، وهي القضاء على النظام الطبقي وتحقيق المساواة والحرية الحقيقية.

ب- فوكوياما بين الثيموس والعلوم الطبيعية:

جاءت رياح التطور التاريخي بما لا تهوى سفن الماركسية، فكان عام 1989 كارثياً بالنسبة لها، حيث سقط جدار برلين وتهاوت الشيوعية فى بلد تلو الآخر فى أوروبا الشرقية، ثم كانت القاضية بسقوط الاتحاد السوفييتي عن عمر يناهز السبعين عاماً بعد محاولات إنعاش يائسة. تزامن مع تلك الأحداث وكرد فعل لها نشر فوكوياما مقالاً تحت عنوان “نهاية التاريخ” والذي وسّعه بعد ذلك ونشره ككتاب.

استهل فوكوياما أطروحته بالتأكيد على أن الرأسمالية الليبرالية قد هزمت الاشتراكية الماركسية على الصعيد العالمي ([11]). وأعلن أن ثمة إجماعاً فى جميع أنحاء العالم – على حد قوله – حول شرعية الديمقراطية الليبرالية كنظام للحكم ([12]) بعد أن لحقت الهزيمة بالأيديولوجيات المنافسة من الملكية الوراثية، والفاشية، والشيوعية فى الفترة الأخيرة. وأضاف أيضا الديمقراطية الليبرالية قد تشكل نقطة النهاية فى التطور الأيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري، وبالتالي فهي تمثل نهاية التاريخ ([13]).

بداية تجدر الإشارة إلى كون فوكوياما اعتمد فى تواصله مع هيجل على قراءة ألكسندر كوجيف لهيجل من خلال كتابه “مدخل إلى قراءة هيجل”([14]) وكان كوجيف قد أصدر كتابه عام 1947 للبرهنة على “نهاية التاريخ” استناداً إلى تأويل يمزج بين أفكار هيجل وماركس لنص هيجل “ظاهريات الروح”، وأكد الأطروحة “دومينيك أوفريه” فى كتابه “ألكسندر كوجيف: الفلسفة والدولة ونهاية التاريخ” ([15]).

وثمة مآخذ على تناول كوجيف لهيجل، حيث يرى جارودي أن كوجيف قد اختزل هيجل فى جانب واحد من جوانبه، وأسقط عليه وجوديته، مما دفعه للقول أن هيجل الذي تناوله كوجيف هو هيجل الوجودي. وقد تسبب ذلك فى إصابة الديالكتيك الهيجلي بتغيير كبير وتم حصره فى لحظة الذاتية. ويشير جارودي إلى أن التأويلات الوجودية تخالف ما يؤدي إليه مذهب هيجل، بما يعني أنه لن يكون ثمة ديالكتيك إلا عن طريق حضور الإنسان فى التاريخ ([16]). لكن يبدو أن اختيار  فوكوياما لكتاب كوجيف بالذات سببه الرئيسي هو أنه يخدم رؤيته حول فكرة نهاية التاريخ، لكن لن نقف كثيراً عند دلالات هذا الاختيار وسنستمر مع مقولات فوكوياما نفسه حول نهاية التاريخ.

والسؤال المطروح أولاً: هل صدقت فكرة هيجل حول نهاية التاريخ كي يقوم فوكوياما باستحضارها من جديد؟ هل توقف التاريخ حقاً بعد هيجل؟ لقد أثبت التطور التاريخي خطأ نظريته القائلة بنهاية التاريخ عند مرحلة الدولة الليبرالية، وحسبنا بروز تيارات فكرية في أوروبا بعد ظهور نظرية هيجل خلفت آثاراً واضحة في صيرورة التاريخ الإنساني خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ممثلة في التيارات الاشتراكية والفاشية والنازية والوجودية والسريالية، فضلاً عن التيارات القومية والدينية والأيديولوجية المتطرفة التي لعبت أدواراً أساسية في المجتمعات الحديثة، ولا تزال تلعبها في ظل النظام الدولي الجديد. وإذا كانت المرجعية التي تبناها خاطئة، فإن نتيجة التحليل تكون بالضرورة خاطئة([17]).

إن المنطلق الذي انطلقت منه مقولة نهاية التاريخ مقولة لا تستند على واقع علمي، بل تنطلق من فكرة خاطئة أساساً، مفادها إمكانية حدوث الانقطاع في صيرورة التاريخ، علماً بأن التاريخ يسير دوماً في حركة تصاعدية لا تعرف الانقطاع أو الدائرية، ولا يمكن أن تتوقف بإرادة ذاتية من شخص معين أو جهة ما، علماً أن من أبجديات التعريفات المتواترة للتاريخ أنه علم تطور الإنسان داخل مجتمع ما، يعيش تبدلات وتغيرات نتيجة الصراعات اللامنتهية وحاجات البشر التي لا تنقطع، ولم يكن إشباعها إشباعاً نهائياً في أي مرحلة من المراحل. ولا شك أن سعي الإنسان لتحدي الطبيعة وتحدي التحدي بتعبير أرنولد توينبي ما تزال وستظل مقولة تمارس تأثيرها على البشر وعلى حركة التاريخ، خاصة من ناحية التحدي العلمي ([18]). ومهمة المؤرخ تكمن في ملاحقة هذه التغييرات وكتابتها انطلاقاً من المرجعية الوثائقية، وهي مرجعية تتغير باستمرار بفضل ما يتم الكشف عنه من وثائق جديدة تعطي مناهج متعددة يغتني بها علم التاريخ، وتعجل بظهور مقولات جديدة، لكنها ليست مقولات نهائية، بل هي مقولات تتغير باستمرار ما دام التاريخ يتغير ويسير بإيقاع قوي، فلا معنى إذن لوضع نقطة نهاية لتاريخ تعد كل نقطة فيه بداية مرحلة جديدة، ما دام الجدل يشكل صيرورة مستمرة تعبر عن نهاية حقبة لتعلن عن ميلاد حقبة أخرى ([19]).

صحيح أن ثمة علامات تنحت نفسها وتشكل منعطفات حاسمة في مسيرة الزمن، بدءاً من هبوط آدم من الجنة ووقوع الطوفان ومبعث الأنبياء، مروراً باكتشاف أمريكا وظهور آلة البخار، وصولاً إلى الثورة الفرنسية والحربين العالميتين وظهور الإنترنت، وكلها محطات هامة غيرت من وتيرة تاريخ البشرية، وشكلت نقطة نهاية عصر وبداية عصر آخر، لكنها لم تشكل نقطة انقطاع في التاريخ. وبكلمات أخرى، فإن هذه المحطات الحاسمة لا تجسد نقط بداية أو نهاية بقدر ما هي أحداث كبرى وقضايا ثقافية تساهم في فرز نظرية للمعرفة. والتاريخ بهذا المعنى لا يتوقف في كليته أو شموليته، وإنما تتحول بعض الظواهر الجزئية فيه، وهي الظواهر التي عممها فوكوياما، متخيلاً أنها تؤدي إلى النهاية، متناسياً أن التاريخ حركة كلية ديناميكية متدفقة ومتجددة، تندرج فيها حركة الكون والأرض والإنسان والمجال بجميع حيثياته وأبعاده. والحاصل أن الجبرية التي يتحدث عنها فوكوياما والحالة الإلزامية التي يسعى لفرضها على مسار الإنسانية بهذه الميكانيكية العمياء، لم يحن أوانها بعد؛ لأنها اتخذت أبعادا وتأويلات بعيدة عن المرجعية التاريخية الدقيقة.

إذا كان فوكوياما قد أكد على أن ثبات الديمقراطية الليبرالية هو الطريق الوحيد الذي يجب سلوكه لدخول التاريخ الكوني، معتبراً أن كل المراحل السابقة على الديمقراطية الليبرالية مراحل ما قبل تاريخية، وأنه بوصول المجتمعات البشرية إلى هذه المرحلة من التاريخ الكوني ينتهي التاريخ، فإنه يناقض نفسه بوضوح في ارتكاز تحليله على البعد المركزي الأوروبي. وهذه واحدة من المآخذ التي تؤخذ كذلك على أطروحته حول نهاية التاريخ. فعلى الرغم من أن فلاسفة عصر الأنوار ومؤرخي الحضارات ورواد التاريخ الجديد الذين جاءوا من بعدهم قد تحدثوا عن التاريخ الكوني Global History وشمولية التطور البشري، فقد ظل هذا التاريخ في عالميته وتطور سيرورته يخضع للزمن الأوروبي، بينما أزمنة المجتمعات الأخرى مجرد دوائر تحيط بالمركز، وليس لها أي تأثير في مجريات تطور الإنسانية. فالتاريخ الأوروبي في نظر فوكوياما هو التاريخ الجوهري المستمر، بينما تواريخ العالم الأخرى مجرد تواريخ سطحية عارضة يمكن القفز عليها، ومن ثم فإن نهاية التاريخ تتجسد في إخضاع الأوروبي- الغربي المنتصر لغير الأوروبي كتاريخ متخلف. ومن هذا المنطلق اتخذ فوكوياما من التاريخ موقعاً متشائماً في وجه المجتمعات غير الأوروبية، فعندما يقف المفكر الأوروبي في موقع مرجعي غير الذي انطلق منه صاحب أطروحة نهاية التاريخ، فإنه يرى الواقع المعاصر لا من حيث نهايته للتاريخ، بل هو استمرار لتاريخ لم ينته بعد بالمعنى الذي يجري وراءه فوكوياما، لأن إنسان العالم الثالث- ما زال مكبلاً بمشكلات عديدة تحول دون وجوده على خط السير نحو الليبرالية الديموقراطية([20]).

وأقام فوكوياما أطروحته على دعامتين أساسيتين هما:

– العلوم الطبيعية الحديثة.

– الثيموس أو الرغبة فى نيل الاعتراف.

– العلوم الطبيعية الحديثة:

يطرح فوكوياما سؤالاً ويحاول الإجابة عليه، وهو هل التاريخ غائي Teleological، وهل هناك ما يجعلنا نعتقد أنه سوف يحدث تطور على الصعيد العالمي نحو الديمقراطية الليبرالية؟ ويجيب بأن التاريخ ليس متكرراً، لكنه يتحرك صوب اتجاه محدد ([21]) ويلجأ فوكوياما إلى العلوم الطبيعية Physical Science لتسويغ نتائجه وحتميته التاريخية، ويستشهد بما أسماه منطق العلوم الطبيعية الحديثة، ليذكرنا أن منهج العلوم الطبيعية هو النشاط الاجتماعي الوحيد الذي تحقق حوله الإجماع على أنه غائي وتراكمي، وذو اتجاه محدد، وهذا المنهج سيؤدي فى النهاية إلى أن تعمل الآثار الاجتماعية والاقتصادية والاتصالاتية للحركة العلمية والتقنية على إيجاد التجانس بين المجتمعات البشرية ([22]).

ويرى فوكوياما أن الوسيلة الأولى التي تحقق بها العلوم الطبيعية الحديثة تغيرات تاريخية هي غائية وعالمية فى آن واحد، هي التنافس العسكري. فالطابع العالمي للعلم يوفر الأساس لتوحيد البشرية كلها بالنظر إلى انتشار الحروب والصراعات فى النظام الدولي. والعلوم الطبيعية الحديثة تتيح مزية عسكرية حاسمة لتلك المجتمعات القادرة على تنمية التكنولوجيا وإنتاجها واستخدامها على أكمل وجه، وتزيد هذه المزية النسبية التي توفرها التكنولوجيا بازدياد سرعة التحول التكنولوجي ([23]). ودلّل فوكوياما على ذلك بالعديد من الأمثلة التاريخية، بدءاً من ظهور الدولة الحديثة فى أوروبا، مثل أسبانيا وفرنسا، وكذلك الإمبراطورية العثمانية بعد غزو نابليون، واليابان فى منتصف القرن التاسع عشر، وصولاً إلى أحدث أمثلة التحديث الدفاعي المتمثلة فى المرحلة الأولى من البيروسترويكا التي دشنها جورباتشوف ([24]).

وعن الوسيلة الثانية التي يمكن بها للعلوم الطبيعية الحديثة أن تحدث تغييرات تاريخية غائية هي التذليل الدائب والمرحلي للطبيعة بهدف إشباع الاحتياجات الإنسانية، وهو ما نسميه التنمية الاقتصادية. فالتصنيع ليس مجرد تطبيق مكثف للتكنولوجيا فى عملية الصناعة وابتداع آلات جديدة، وإنما هو أيضا استخدام العقل البشري فى حل مشكلة التنظيم الاجتماعي وابتداع تقسيم منطقي للعمل. هذه الاستخدامات المتوازية للعقل لابتداع آلات جديدة وتنظيم العملية الإنتاجية، قد نجحت إلى حد أبعد مما كان يحلم به الدعاة الأوائل إلى تطبيق المنهج العلمي. وقد زاد دخل الفرد فى أوروبا الغربية الآن أكثر من عشرة أضعافه فى منتصف القرن الثامن عشر، حين كان هذا الدخل أعلى منه فى كثير من دول العالم الثالث اليوم. وأحدث النمو الاقتصادي تحولات اجتماعية متشابهة فى كل المجتمعات بصرف النظر عن بنائها الاجتماعي السابق عليه ([25]).

وقد أعلن فوكوياما فى إطار التبرير العلمي أن الآلية التاريخية المتمثلة فى العلوم الطبيعية الحديثة كافية لشرح قدر كبير من طبيعة التغير التاريخي والتجانس المتنامي بين المجتمعات الحديثة. ولكن فوكوياما بعد جهد واضح فى محاولة استخدام المنهج العلمي لتسويغ أطروحته، يعترف بأن ذلك فى حد ذاته غير كاف لتبرير ظاهرة الديمقراطية، وبالتالي فإنه يهدم ما بدأ به محاولة استغلال الفكر العلمي لتبرير رؤيته السياسية وتسويغ خطابه الأيديولوجي ([26]).

فيقول: غير أنه بالرغم من أن الآلية التاريخية التي تمثلها العلوم الطبيعية الحديثة تكفي لتفسير الكثير مما يتصل بطابع التحول التاريخي وتزايد التجانس بين المجتمعات الحديثة، فهي غير كافية لتفسير ظاهرة الديمقراطية، فما من شك فى أن أرقى دول العالم فى مضمار التنمية، هي أيضاً أنجحها فى مضمار الديمقراطية. بيد أنه فى حين تقودنا العلوم الطبيعية الحديثة إلى أبواب أرض الميعاد (وهي الديمقراطية) فإنها لا تدخل بنا إلى أرض الميعاد ذاتها، حيث إنه ليس ثمة سبب يحتمه الاقتصاد يجعل الحرية السياسية ثمرة أكيدة للتصنيع المتقدم. فقد شهدت بعض العصور بزوغ ديمقراطيات مستقرة فى مجتمعات سابقة على عصر التصنيع (كما فى الولايات المتحدة عام 1776). ومن ناحية أخرى نجد أمثلة تاريخية ومعاصرة كثيرة لرأسمالية متقدمة التكنولوجيا متعايشة مع ديكتاتوريات سياسية (كما فى اليابان فى عهد الميجي، وألمانيا فى زمن بسمارك). وثمة أمثلة عديدة أمكن فيها للدول الديكتاتورية الوصول إلى معدلات نمو اقتصادي لم تتمكن المجتمعات الديمقراطية من تحقيقها ([27]).

يبدو أن هذه كانت مجرد محاولة من فوكوياما لخلق حالة من الترافق بين العلم الحديث والأيديولوجية الليبرالية التي يسعى إلى تأبيدها، وليست محاولة فوكوياما بالجديدة أو غير المسبوقة فى تاريخ الفكر السياسي الغربي، فلقد أعلنت الماركسية من قبل أنها اشتراكية (علمية) تمييزاً لنفسها عن سابقاتها؛ وإيهاماً للمتلقي أنها غير قابلة للرفض، وإلا يكون بذلك رافضاً للعلم الذي يمثل العمود الفقري للحضارة الحديثة. بل وصل الأمر إلى استعانة النازيين بأبحاث قيل أنها علمية لدعم مقولاتهم التمييزية؛ لتثبت أن الجنس الآري له خصوصية ترفعه فوق ما عداه من أجناس.

– الثيموس أو الرغبة فى نيل الاعتراف:

ضمن محاولة إيهامية كبرى سار فى دربها فوكوياما، حاول أن يُلْبس أطروحته رداء العمق الفلسفي؛ ظناً منه أن إقحام أسماءٍ من قبيل أفلاطون وهيجل وماركس سوف يحول الأيديولوجي بآنيته التبريرية إلى الفلسفي بإمكاناته العميقة. لكن سيُظهر التتبع لأطروحته أنه يُحمّل الأمور أكثر مما تحتمل، وسيتضح أنه زج بتلك الأسماء فى نوع من الألاعيب البهلوانية ليخدع عين وعقل قرائه؛ ليصل فى النهاية إلى نتيجة لا تقرها مقدماته، وهي أن التاريخ الأيديولوجي قد رضي من الغنيمة بالليبرالية فى حُلتها الأمريكية. وقام فوكوياما باقتناص فكرته عن الثيموس ([28]) Thymus من أفلاطون وهيجل وأفلاطون ليجعلها التكأة المركزية لأطروحته بعد أن غض الطرف عن العلوم الطبيعية الحديثة فى تبرير أطروحته عن نهاية التاريخ.

يقول فوكوياما: رأى هيجل أن الكائنات البشرية – شأنها فى ذلك شأن الحيوانات – لديها احتياجات طبيعية وتطلعات إلى أشياء خارجها، كالطعام والشراب والمأوى، ثم فوق كل شيء، إلى حماية أجسامها. غير أن الإنسان يختلف اختلافاً أساسياً عن الحيوان من حيث أنه علاوة على ما سبق، “يرغب” ويتطلع إلى “رغبة” الآخرين، أي أنه يريد منهم الاعتراف به وتقديره. إنه يريد أولاً وأساساً أن يعترف الغير به “كائناً بشرياً” كائناً له قدره أو كرامته. ويتصل هذا فى المقام الأول باستعداده للمخاطرة بحياته فى صراع من أجل المنزلة المجردة. ذلك أن الإنسان هو وحده القادر على التغلب على أكثر غرائزه الأساسية حيوانية، وأهمها غريزة حب البقاء، فى سبيل مبادئ أرقى وأكثر تجريدا ([29]).

ويذهب هيجل – والكلام مازال لفوكوياما – إلى أن الرغبة فى نيل الاعتراف هي التي كانت تدفع أي متصارعين بدائيين فى قديم الزمان إلى المخاطرة بحياتيهما بالدخول فى عراك حتى الموت، حتى إن كلاً منهما يسعى إلى نيل اعتراف الآخر بآدميته. فإن حدث وأدى الخوف الطبيعي من الموت بأحد المتصارعين إلى الخضوع والإذعان، نشأت علاقة السيد بالعبد. فالمخاطرة فى هذه المعركة الدموية فى فجر التاريخ ليست مخاطرة بالطعام أو المأوى أو الإحساس بالأمن، بل هي مخاطرة من أجل المنزلة المحضة. وحيث إن الهدف من المعركة لا تحدده اعتبارات بيولوجية، فإن هيجل يرى فيها أول بوادر الحرية الإنسانية ([30]).

وقبل الاسترسال فى طرح فكرة فوكوياما عن “الثيموس” يجب أن نلفت النظر أولاً إلى أنه طرح رؤية هيجل عن طبيعة المعركة الأولى، وأنها كانت لنيل الاعتراف والتقدير وليس من أجل الحصول على طعام أو إيجاد مأوى أو تحقيقاً لأمن، رغم أنه ليس ثمة ما يؤكد ها الطرح تاريخياً، مجرد تصور نظري لفيلسوف فى سياق عام لفلسفته النظرية، ورغم ذلك يعتمدها فوكوياما عموداً فقرياً لأطروحته ويقيم عليها كامل بنائه، مما يجعلنا نلمّح من البداية أنه أقام بنيانه على جُرف هار، فما من سبيل أمامه سوى السقوط.

ويطوف بنا فوكوياما عبر تاريخ الفكر الفلسفي، فيشير إلى أن الرغبة فى نيل الاعتراف والتقدير تبدو للوهلة الأولى غير مألوفة، إلا أنها قديمة قدم الفلسفة السياسية الغربية، فلم يكن هيجل هو الذي اخترع المفهوم وراء “الاعتراف”. ولم يكن ثمة كلمة واحدة لآلاف السنين تستخدم للإشارة إلى ظاهرة الرغبة السيكولوجية فى نيل الاعتراف. فقد تحدث أفلاطون عن الثيموس، وتحدث ميكيافلي عن تعطش الإنسان إلى المجد، وتحدث هوبز عن كبريائه أو خيلائه وغروره، وتحدث روسو عن أنانيته، وألكسندر ملتون عن حب الشهرة، وجيمس ماديسون عن الطموح، وهيجل عن الاعتراف، ونيتشه عن الوحش ذي الخدين الأحمرين. وكل هذه الصفات إنما تشير إلى ذلك الجانب من الإنسان الذي يشعر بالحاجة إلى إسباغ قيمة على الأشياء، ومن بينها نفسه أولاً، وكذا تقييم الناس والأفعال، أي الأشياء حوله ([31]).

هذا الجانب من الشخصية المصدر الرئيسي لعواطف الكبرياء والغضب والخجل، ولا يمكن إرجاعه لا إلى الرغبة ولا إلى العقل. والرغبة فى الاعتراف هي بالذات الجانب السياسي من شخصية الإنسان؛ لأنها هي التي تدفع الناس إلى الحاجة إلى تأكيد أنفسهم فى مواجهة الآخرين. ولا غرابة فى أن العديد من الفلاسفة السياسيين رأوا أن المشكلة المحورية فى السياسة هي ترويض الرغبة فى الاعتراف، بصورة تجعلها تخدم المجتمع السياسي ككل([32]). وهذا منطلق آخر يتخفى خلفه فوكوياما ليصل إلى نتيجة مؤداها أن الليبرالية هي ما يحقق هذا الإشباع، ولا يتوقف عند هذا الحد بل يصل إلى حد اعتبارها نهاية التاريخ، وهذا عين ما يسعى إليه منذ البداية.

كان من الممكن أن تمر أطروحة فوكوياما دون إحداث كل هذا الصخب على الصعيد العالمي، وتصنيفها فى سياق الأطروحات الأيديولوجية ككثير غيرها، لولا توافر عاملين: أولهما، هو الآلة الإعلامية الضخمة التي نفخت فى الأطروحة وأسبغت عليها بسخاء هرمونات التضخيم كي تظهرها فى عداد الأطروحات الكبرى؛ سعياً وراء تأبيد اللحظة التاريخية التي تخدم مصالح الغرب وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية. ثانيهما، أن فوكوياما قام بقفزة كبرى من مستوى الحدث إلى أوسع المفاهيم الفلسفية؛ محاولاً بذلك أن يفلسف الأمر الواقع، أن يرفع وقائعه إلى مستوى من التعليل الإطلاقي، أن يجعل ما هو من صنف الوقائع العسكرية والسياسية، كما لو كان نتاجاً لكلية المفهوم، فهو يقلب العادة المتبعة فى هذا المجال، إذ لا يقول إن الواقع يشهد لصحة الرأي أو المفهوم، بل يريد من المفهوم أن يشهد على صحة الواقعة، ويعتبرها نابعة من صلاحته المنطقية الخالصة، ومؤيَّدة أنطولوجياً كذلك بماهية الفكر عينه الذي يستند إليه. فالمفهوم لا يستخدم لإضاءة الواقعة، بقدر ما تؤخذ الواقعة كمادة خام، وتُلصق بجسد المفهوم وكأنها وليدته وصنيعته. وقد يكون المفهوم حقاً براء من كل هذا الذي يجرى باسمه ([33]).

وما يحاوله فوكوياما عبر أطروحته تلك أن يحشو جسد الفكر الأمريكي البعيد عن العمق الفلسفي ببعض منتجات هذا الفكر لإكسابه عمقاً ليس فيه، فيبحث عن المصادر الأوروبية، وبالأخص الفكر الألماني، لدى كبيرهم هيجل، ولكنه لا يقنع أن يحط رحاله وسط واحة الفكر الألماني، لكنه يرجع إلى الوراء وصولاً إلى عمق الفكر الإغريقي – كما سبق وأشير – ولا ينسى أن يطوف بكعبة روسو وهو فى طريق عودته من رحلته اليونانية، إلا أن هيجل يبقى معينه التي ينهل من فيضه لإشباع أطروحته بالماء الفلسفي.

إلا أن محاولة فوكوياما لا ترقى إلى مستوى المذاهب الفلسفية الكبرى، سواء الأوروبية، أو حتى ذات الجذور الأمريكية كما هي لدى ديوي وراولز([34]). فهو لا يتطلع إلى بناء مذهب فلسفي متماسك، بقدر ما يدلي بجملة من التحليلات والحجج التي تفيد فى سجال أقرب إلى الخطاب السياسي اليومي. وحالة الالتباس التي أصابت البعض بالتشويش ترجع إلى هذا النوع من المزج بين الخطاب السياسي الإعلامي والمفهمة الفلسفية الشمولية. فهو اختار أن يصعد من طريقته هذه حتى يبلغ أعلى مراتب العقلنة التي تمس الاختيارات الأنطولوجية الكبرى المتعلقة بمفهوم الكينونة من جهة، ومصير التاريخ من جهة ثانية. وبذلك يفرض على قارئه وناقده نوعاً من إستراتيجية التعامل مع نصه التي تضل طريقها دائماً بين أن يتصدى نقدها إلى أطروحاته الأيديولوجية، أو يواجه برهنات فلسفية كبرى، ليس النص الفوكويامي مسئولاً عنها، وإن كان يفرض عليها أن تحميه، وتعقلن اجتهاداته الخارجة أصلاً من أصول التعاطي الفلسفي ([35]).

حاول فوكوياما أن ينصّب الثيموس محركاً مركزياً للتاريخ، حيث انتزع من الأفلاطونية الترسيمة التبسيطية التي جاء بها أفلاطون؛ ليصور صراع الميول والقيم فى ذات الفرد الإنساني. واختار جانب الميول، أو ما كان أطلق عليه أفلاطون اسم الثيموس. وهذا هو الجزء الراغب من النفس والطامح إلى تأكيد الذات، وانتزاع اعتراف الآخرين بها. ولقد اعتقد فوكوياما أن هيجل تبنى هذا الثيموس بمعزلٍ عن بقية قوى النفس، وخاصة منها الوعي، ولم ير فى العملية الجدلية الكبرى، سواء فى صورتها التبسيطية عند أفلاطون، أو فى صورتها الأكثر تركيباً لدى هيجل، إلا جانب الرغبة فى تأكيد الذات. لقد أُعجب فوكوياما بالثيموس، كجانب مجتزأ من النفس، ومن المجتمع، ومن حركة ومحركات التاريخ، وصعّده إلى مستوى أقنوم الأقانيم. اختزل به تاريخ الجدل الهيجلي، وقدمه على أنه البديل الحيوي عن النفعية الأنجلوسكسونية والبراجماتية الأمريكية فى آنٍ معا. ولكنه يصب فى الهدف الواحد الأخير الذي يربط المسار النهائي للوجود بنظام سياسي اقتصادي معين هو الرأسمالية الراهنة، باعتبارها أعلى تجسيد للرغبة الثيموسية ([36]).

ويؤكد فوكوياما ما سبق بقوله: هذا الفهم من جانب هيجل لمعنى الديمقراطية الليبرالية المعاصرة يختلف على نحو مهم عن الفهم الأنجلوسكسوني الذي كان يشكل الأساس النظري لليبرالية فى أقطار مثل بريطانيا والولايات المتحدة. ففي تراث الأنجلوسكسونيين يحتل هذا السعي إلى نيل الاعتراف والتقدير مرتبة أدنى من الصالح الشخصي المستنير؛ أي الرغبة المقترنة بالعقل، وبالأخص تلك الرغبة فى الحفاظ على الجسد وحمايته. ففي حين كان هوبز Thomas Hobbes (1588 – 1679) والآباء المؤسسون الأمريكيون من أمثال جيفرسون وماديسون يعتقدون أن الحقوق Rights هي، إلى حد بعيد، وسيلة لحماية مجال خاص يستطيع الناس فيه أن يحققوا الثراء لأنفسهم، وأن يشبعوا قوى الشهوة من أرواحهم، كان هيجل يرى فى الحقوق غايات فى حد ذاتها، حيث إن ما يرضي البشر حقاً ليس الرخاء المادي بقدر ما يرضيهم الاعتراف بوضعهم وكرامتهم. وقد أكد هيجل أن التاريخ وصل إلى نهايته بقيام الثورتين الأمريكية والفرنسية، بالنظر إلى هذا النضال من أجل الاعتراف الذي كان يحرك عملية التحول التاريخي، وقد حقق مراده فى مجتمع يتميز بالاعتراف المتبادل والشامل. ونظراً لأنه ليس هناك ترتيب آخر للمؤسسات الاجتماعية الإنسانية يمكنه أن يشبع هذه الحاجة على نحو أفضل، فليس بالإمكان حدوث المزيد من التحولات التاريخية بعد الآن ([37]).

من الواضح أن أطروحة فوكوياما تعاني من تناقضات عدة، خاصة فيما يتعلق بتناوله لفكرة الثيموس، فهو فى الوقت الذي يؤكده كماهية ثابتة للإنسان – بصرف النظر طبعاً عن توأمه المعارض والمتحكم، المتمثل بالعقل – يفرغ من تحديده كمحرك وحيد للتاريخ؛ فيعزو إليه مبدأ الصراع الفردي والجماعي من أجل الاعتراف وتأكيد الذات؛ لكنه فى الوقت نفسه يرى فيه الأساس الحيوي القابل لبناء الديمقراطية، وذلك بفضل نظام اجتماعي سياسي ممكن، يتمثل بالليبرالية. ولم يكلف فوكوياما نفسه عناء التساؤل عما يسمح لذات المبدأ الواحد أن يكون سبب الصراع والاقتتال، وبالتالي العنف Violence الجماعي بالإضافة إلى عنف الأفراد، وأن يتحول فى الوقت نفسه إلى نظام عقلاني يضبط علاقات الفئات والأفراد ضمن مجتمع من الحرية والمساواة للجميع ([38]).

يسْدَرُ فوكوياما فى غيه ويحاول بكل ما أوتي من حيلة أن يفلت بخدعته حول الثيموس، الذي يقدمه كمحرك وحيد للتاريخ؛ نافياً العوامل الاقتصادية وغيرها، على اعتبار أن هذا الاختزال للصراع التاريخي فى حيز نفسي، متمثلاً فى الثيموس، يلفت الأنظار بعيداً عن توحش رأسماليته التي يقدمها فى سياقها الليبرالي باعتبارها نهاية التاريخ الأيديولوجي، وبهذا التشويش تتحول – هكذا يأمل – الصراعات من ميدانها الحقيقي، المتمثل فى الصراعات الاقتصادية والسياسية، إلى أرض جديدة يستطيع عبر أيديولوجيته أن يمسك بذمامها.

يدق فوكوياما أوتاد مقدماته لينطلق بعد ذلك نحو بناء خيمته الأيديولوجية، فيقول: إذا كان الحافز إلى الحرب يتمثل أساساً فى رغبة الحصول على الاعتراف والتقدير، فمن المقبول منطقياً القول بأن الثورة الليبرالية التي تلغي العلاقة بين السيد والعبد بتحويلها عبيد الماضي إلى سادة أنفسهم، سيكون لها بالضرورة تأثير مماثل فى العلاقات بين الدول. فالديمقراطية الليبرالية تبدل الرغبة غير العقلانية فى الاعتراف بالدولة أو بالفرد، باعتبار أيهما أعظم من الآخرين، وتحل محلها رغبة عقلانية فى الاعتراف على أساس من المساواة. والعالم الذي تكون كل الدول فيه ديمقراطيات ليبرالية، سيقل فيه حتماً الحافز إلى الحرب؛ حيث إن كل الدول ستتبادل الاعتراف بشرعية الدول الأخرى. والواقع أن ثمة دلائل عملية قيمة شهدها القرنان الماضيان على أن الديمقراطيات الليبرالية لا يسلك بعضها تجاه البعض الآخر سلوكاً إمبريالياً، وإن كانت قادرة تماماً على الدخول فى حرب مع دول غير ديمقراطية لا تشترك معها فى القيم الأساسية ([39]).

يجتهد فوكوياما فى معارضة النزعة الاقتصادية، ويطرح الجانب الإنساني المتمثل فى الثيموس بديلاً عنها. إلا أن النص الفوكويامي يلجأ إلى ضرب الأمثلة من حياة الأمم والأفراد ماضياً وحاضراً لدعم أطروحته، أكثر من اجتهاده فى مجال المفهمة الفكرية والبرهنة المنطقية. فعلى الرغم من طرح فوكوياما لمفاهيم من سياقات فلسفية أفلاطونية وهيجلية، إلا أنه لم يكن على قدر تلك السياقات الفلسفية، فنجده متورطاً فى نوع من الصحافة التاريخية والسياسية المأخوذة أولاً برغبة التأثير الآني، واعتماد الأدلة المرتكزة إلى تأويلات مجتزأة لأحداث السنوات الأخيرة من الثمانينيات.

ورغم محاولة فوكوياما أن يصنف أطروحته على التناولات الفلسفية، إلا أنه لم يكلف نفسه عناء البحث عما تعنيه نزعة الاعتراف، وكيف يمكن أن تنزاح فى لمح البصر إلى تشكيلة الكينونة بكليتها. ذاك على صعيد الطرح المعرفي الذي يتجنبه فوكوياما تماماً، ويسارع إلى استنباط بعض نتائجه ليستخدمها فى دعم أحكامه المطلقة التي يصدرها وكأنها مسلمات تسبق النص ونسيجه الفكري. وأما على الصعيد التاريخي، فإن النص الفوكويامي يتشبث بلحظة استثنائية من حاضر استحوذ على المشهد العالمي. وتمت صياغة الأطروحة تحت وطأة العنف المادي لهذا الحدث المباشر. كل ما ملك على فوكوياما عقله هو أن يقوم على عجلٍ بمحاولة تأبيد لحظة سقوط المنظومة الاشتراكية، باعتبارها انتصاراً لأيديولوجيته، مصادِراً بذلك على المستقبل من خلال إعلانه لنهاية التاريخ، ناسياً أو متناسياً أن المرحلة التي يحاول تجميد التاريخ عندها ما هي إلا مجرد مرحلة انتقالية لا يمكن اتخاذها معياراً، بل الموضوعية تقتضي معاملتها معاملة استثنائية حذرة لحين أن تقر الأوضاع والتأكد مما سيسفر عنه هذا الحدث. إلا أن الأيديولوجيا لا تؤمن بالحياد أو الموضوعية، بل هي معركة يحاول كل طرف أن ينهيها فى الوقت المناسب له معلناً انتصاره ونهاية العراك، حتى وإن كان انتصاراً وهمياً ونهاية كاذبة.

ويتماس فوكوياما مع السياق ما بعد الحداثي من خلال سياقه الثيموسي المتوجه صوب نهاية التاريخ، انطلاقاً من تركيزه على جانب عاطفي وهو “الثيموس”، معتبراً إياه المحرك الوحيد للتاريخ، فى حالة إزاحة مقصودة للعقل. إلا أن فوكوياما يختلف عن مفكري ما بعد الحداثة من زاويتين: أولاهما، أنه لم يعلن عداءً للعقل ولم يدع تهميشاً لدوره، ولم يضعه موضع الاتهام كما فعل ما بعد الحداثيون، إلا أنه كان أكثر التفافاً حين أقصاه أو على الأقل أخّر دوره لكن فى صمت ودون صخب، مانعاً بذلك اتهام أيديولوجيته بأنها محاربة للعقل. الثانية، أنه لم يكن فى عمق فلاسفة ما بعد الحداثة، حيث لم يكن بمقدوره أن يقدم مذهباً فلسفياً يصطف فى قائمة الأطروحات الفلسفية الكبرى.

وبناء على ما تقدم، نجد أن فوكوياما قد قدّم أطروحةً ساندة لظاهرة العولمة، والتي  كان هو نفسه من أوائل المبشرين ببزوغ فجرها، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الغريم التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أن فوكوياما لم يعلن عن حقيقة دوره صراحة، إلا أن أطروحته كشفت بتهافتها عن حقيقة الدور الذي يلعبه للترويج لظاهرة العولمة. وقد كان للآلة الإعلامية، والتي تمثل أحد أبرز الأدوات الأيديولوجية، دور كبير في تقديم أطروحة فوكوياما حول نهاية التاريخ باعتبارها فتحاً علمياً، رغم ما يعتري تلك الأطروحة من عوار ظاهر، قد تم الكشف عن جوانبه فيما سبق.

المراجع:

(1) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، مرجع سابق، ص: 9.

(2) Cole, G. D: A History of Socialist Thought (London, 1959) P: 16.

(3) م. بير: تاريخ الاشتراكية البريطانية، ترجمة نبيل موسى علام (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، د. ت) ص: 121 – 122.

(4) محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ط 20 (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1987) ص: 41.

(5) فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، من النظريات الكبرى إلى الشئون اليومية، أعلام وتواريخ وتيارات، ترجمة إياس حسن، ط1 (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2010) ص: 36. لمزيد من التفاصيل انظر:

– أوجين كامنكا: الأسس الأخلاقية للماركسية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011) ص: 179 – 180.

– زكي نجيب محمود: فى حياتنا العقلية، ط3 (القاهرة: دار الشروق، 1989) ص: 225.

(6) فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، مرجع سابق، ص: 36.

(7) أمين حافظ السعدني: أزمة الأيديولوجيات السياسية، مرجع سابق، ص: 39.

(8) أمين حافظ السعدني: أزمة الأيديولوجيات السياسية، مرجع سابق، ص: 39 – 40.

(9) محمد عصفور: الحرية فى المذهبين الديمقراطي والاشتراكي، مرجع سابق، ص: 168 – 169.

(10) محمد عصفور: الحرية فى المذهبين الديمقراطي والاشتراكي، مرجع سابق، ص: 185.

(11) Steve Fuller: The New Sociological Imagination (London: Sage Publication Ltd, 2006) P: 108.

(12) يذكرنا هذا الكلام بما قاله دانيل بيل حول الانتصار النهائي لليبرالية فى مقابل غيرها من الأيديولوجيات، لدرجة تكاد تصل حد النصية، وهذا ما يؤكد على تعالق أطروحتي نهاية الأيديولوجيا ونهاية التاريخ التي سبقت الإشارة إليها.

(13) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، مرجع سابق، ص: 8.

(3) Alexandre   Kojeve: Introduction to  the Reading of Hegel, Lectures on the Phenomenology  of  Spirit (London: Cornell  University  Press, 1969).

(41) وائل غالي: نهاية الفلسفة، دراسة فى فكر هيجل (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002) ص: 284.

(51) روجيه جارودي: نظرات حول الإنسان، ترجمة يحيى هويدي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1983) ص: 154 – 155.

(16) إبراهيم القادري بوتشيش: حول مسألة نهاية التاريخ، تأملات في أطروحة فوكوياما

http://www.aljabriabed.net/n44_02butchich.htm

(17) لمزيد من التفاصيل انظر:

– ر. ج. كولنجوود: فكرة التاريخ، ترجمة محمد بكير خليل (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2012).

– أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011).

(18) إبراهيم القادري بوتشيش: حول مسألة نهاية التاريخ، مرجع سابق.

(19) إبراهيم القادري بوتشيش: حول مسألة نهاية التاريخ، تأملات في أطروحة فوكوياما، مرجع سابق. لمزيد من التفاصيل انظر:

– عبد الله إبراهيم: المركزية الأوروبية، مرجع سابق، ص: 13 – 19.

(20) M. C. Lemon: Philosophy of History, A Guide for Students (London: Rutledge, 2003) P: 393. see too:

– Richard H. Roberts: Religion, Theology, and Human Science (United Kingdom: Cambridge University Press, 2004) P: 22.

(21) عبد العزيز قاسم: نهاية التاريخ تحت مجهر الفكر العربي، حوار فوكوياما بمرآة المثقفين العرب، ط1 (الرياض: مكتبة العبيكان، 20007) ص: 251 – 252.

(22) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، مرجع سابق، ص: 78.

(23) M. C. Lemon, op. cit, P: 393.

(24) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، المرجع السابق، ص: 81.

(25) عبد العزيز قاسم: نهاية التاريخ تحت مجهر الفكر العربي، مرجع سابق، ص: 252.

(26) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 11.

(27) تعني كلمة الثيموس Thymus الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير، وهي ليست جديدة من اختراع فوكوياما أو هيجل، لكنها تضرب بجذورها في عمق الفلسفة السياسية الغربية، فأفلاطون كان أول من استخدمها في تاريخ الفكر الفلسفي. لمزيد من التفاصيل انظر، فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 150.

(28) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 12.

(29) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 12.

(30) نفس المرجع، ص: 150.

(31) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 150 – 151.

(1) مطاع صفدي: نهاية التاريخ، بيان التيموسية المظفرة، تقديم لكتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1993) ص: 5 – 6.

(32) انظر في آليات عمل العقل الأمريكي:

– شوقي جلال: العقل الأمريكي يفكر، من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010).

– زكي نجيب محمود: حياة الفكر فى العالم الجديد (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، د. ت).

(33) مطاع صفدي، مرجع سابق، ص: 7.

(34) نفس المرجع، ص: 8.

(35) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 14.

(36) مطاع صفدي، مرجع سابق، ص: 9.

(37) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ، مرجع سابق، ص: 15 – 16.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك