كيف تسببت بقرة في إشعال أضخم حريق في التاريخ؟

كيف تسببت بقرة في إشعال أضخم حريق في التاريخ؟ – محمد العتر

شهد العالم على مرّ التاريخ تغييرات جمّة على مستويات عدّة، من بين محدثات التغيير، الكوارث، سواء تلك التي للإنسان يد مباشرةٌ فيها، أو التي هيأتها الأقدار على يد قوى الطبيعة، وبالطبع مع وجود العامل الإنساني. لكنّ العجيب، أن يتسبب الكعك – مثلًا – في كارثة من أضخم ما شهدته أوروبا، أو أن تتسبب بقرة في تدمير مدينة كاملة!

نعم، هذا حدث بالفعل، وسجلته ذاكرة التاريخ، بعد أن أدى الكعك في أوروبا، وبقرة في أمريكا، لاثنتين من أعظم الحرائق التي شهدها العالم، والتي أدت بدورها إلى تدمير مركزين من مراكز الحضارة البشرية!

1- حريق لندن العظيم: احذر.. الكعك قد يؤدي إلى كارثة!

تبدأ حكاية واحد من أكبر حرائق المدن في التاريخ، من مخبز مختص بصناعة الكعك الملكي، الذي كان يتناوله الملك الإنجليزي تشارلز الثاني. ففي الثاني من سبتمبر 1666، اشتعلت النيران في مخبز توماس فارينور، الذي استطاع الفرار ومعه عائلته، بعد أن تمكنت ألسنة اللهب من جدران المبنى تمامًا، لكن وللأسف لم تنجُ خادمة العائلة من الحريق، الذي امتدت نيرانه للمنازل المجاورة. ولهذه حكاية!

“في كل أنحاء العالم، الجميع يصرخ متألمًا بسبب حماقة عمدة المدينة، بخاصة بعد الحريق، مُلقين كل اللوم عليه وحده” – الكاتب الإنجليزي صامويل بيبس.


الروايات التاريخية تقول، إن توماس بلودوورث – عمدة لندن في الفترة التي اندلع فيها الحريق – وصل إلى منصبه عبر التمّلق، وأنه لم يكن يمتلك أي مقوّمات ذاتية تساعده على إدارة الأزمات، ويتجلى هذا في تعامله مع الحريق منذ البداية، فبعد أن تمددت النيران للمباني المتاخمة للمخبز، أعرب الإطفائيون عن خوفهم من وصول النيران إلى مستودعات مواد قابلة للاشتعال، لذا طالبوا بهدم المنازل في طريق النيران، ما يُسهل السيطرة عليها، ومنع تمددها، إلا أن بلودوورث رفض، بحجة أن المباني والأراضي التي عليها هي لمستأجرين، ويصعب الوصول إلى ملاكها الأصليين!

بعض الروايات تصل لمناطق أبعد في هجومها على عمدة لندن آنذاك، وفي تحميله وحده المسؤولية التاريخية لهذا الحدث الجلل، إذ تنسب إليه قوله (بعد أن حضر إلى مكان بداية الحريق في شارع بادين لينج): “لو أنّ امرأة بالت عليه لأطفأته”! قبل أن يغادر المكان.

في كل الأحوال، سواء صدقت الروايات أم لا، إلا أنه لا يمكن إلقاء اللوم فقط على بلودوورث في تلك الكارثة، إذ جزء أساسي من تفاقمها هم سكان المدينة، وبخاصة جيران المخبز الذي اندلعت منه الشرارة، لرفضهم هدم منازلهم عندما طالبهم رجال الإطفاء بذلك، بعد أن ارتفعت ألسنة اللهب بشدة في المخبز، إذ تظاهر سكان المنازل المجاورة أمامها لمنع رجال الإطفاء من تنفيذ ما اعتبروه الحل الوحيد والأمثل لمنع تمدد النيران، التي التهمت المدينة بأكملها.

  • هل تعلم أن الخشب وقود جيّد للنيران؟!

غالبًا أنت تعلم ذلك، والجميع، حتى الملك تشارلز الثاني كان يعلم ذلك، إلا أن سكان لندن وحدهم، من تجاهل هذه الحقيقة، وكرّس لذلك أيضًا عمدتهم توماس بلودوورث، الذي تجاهل بدوره تحذيرات الملك المتكررة له، من خطر الشوارع الضيقة، والمنازل الخشبية المتلاصقة والمركّبة فوق بعضها، الأمر الذي ساهم بلا شك في انتشار النيران بسرعة، لتحوّل واحدة من كبريات مدن أوروبا في القرن السابع عشر، إلى رماد متطاير.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ ربما يزيد من تعجبك، أن البعض تنبأ قبل قرابة المائة عام باشتعال حريق بهذه الضخامة في المدينة التي حوت وقتها أكثر من نصف مليون نسمة.

  • ما هي خسائر 3 أيام متواصلة من الحريق؟

“لقد أبكاني المشهد.. لم أرَ في حياتي ما هو أكثر إيلامًا وخرابًا من هذا؛ من شدة الحرائق، تمّ شواء الحمام في السماء”- صامويل بيبس.

طالت الحرائق أرجاء المدينة شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وولّد الحريق الكبير الأساسي حرائقَ أخرى صغيرة هنا وهناك، ولمدة ثلاثة أيام شهدت بريطانيا واحدة من أشد فجائعها؛ إذ لحق الدمار بنحو 14 ألف بناية، بينها 13500 منزلٍ سكني، فضلًا عن الكنائس والبنايات الحكومية، والمناطق التجارية، والقصور، ولكن أكثر ما أحزن سكان لندن، هو تحوّل كاتدرائية القديس بولس (سانت بول) إلى مجرد ركام، بعد أكثر من ألف سنة منذ بنائها الأول.

وبالجملة، فإن الخسائر المادية لحريق لندن العظيم، تُقدّر بنحو 100 مليون جنيه إسترليني بقيمته آنذاك، التي تفوق المليار جنيه إسترليني بكثير، بحسب قيمته الحالية. لكن، وفيما يخص الخسائر البشرية، ففي الأمر اختلاف تاريخي، إذ إن السجلات الرسمية تشير إلى حالات وفاة فردية، تصل في أقصاها إلى 8 قتلى، لكن في المقابل، يُصر كتاب ومؤرخون بريطانيون على أن الأعداد الحقيقية أكثر من ذلك بكثير، بل ربما تقدّر بالآلاف، إذا ما اعتبرنا الذين لقوا حتفهم جراء النزوح من مناطقهم السكنية إلى العراء حول المدينة، وكذا هؤلاء الذين ظلوا دون طعام أو ماء لفترة طويلة.

“أعداد الضحايا الرسمية لم تأت على ذكر الفقراء غير المسجلين في الدولة، مع الأخذ في الاعتبار أن حرارة قلب العاصفة النارية، من شأنها أن تلتهم أجساد الناس بالكلية، فلا تذر منها شيئًا إلا بعض شظايا عظام الجمجمة. لقد صهرت نيران الحريقِ، الحديدَ الذي ينصهر عند 2300 درجة فهرنهايت!” – نيل هانسون.

كذلك أرجع هانسون (وهو من أهم مؤرخي العصر الحديث لحريق لندن العظيم، اعتمادًا على ما توفر له من وثائق وتأريخات سابقة)، قلة أعداد الضحايا المسجلة رسميًا، إلى أن ألسنة اللهب “باغتت بيوت الفقراء المتداعية بسرعة هائلة، فلم ينجُ منها أحد، بخاصة الشيوخ والرضع وأصحاب الإعاقات الجسدية”، مؤكدًا أن أعداد الضحايا أكثر بكثير مما هو مسجل رسميًا، فبحسبه، ربما بلغت الوفيات بضعة آلاف.

ويعزز من فرضية هانسون، انتشار المنازل الخشبية بكثرة في المدينة نصف المليونية، بخاصة في أحياء الفقراء، ومع اندلاع النيران سريعًا، وامتدادها في أنحاء المدينة، فضلًا عن شدة حرارتها، كان من الصعب إحصاء جثث تحوّلت بالكامل إلى رماد.

“كانت هناك رائحة منبعثة من جثث فقراء غير معروفين” – جون إفلين.

وفيما يخص النازحين والمشردين نتيجة الحريق، فإن جون إفلين (أبرز من أرّخ للحدث من داخله، هو وصامويل بيبس)، سجّل لمشاهدته أكثر من 200 ألف نزحوا إلى الحقول والغابات حول المدينة، وهو ما يعني أكثر من سدسي سكان المدينة.

هذا، وظلت حادثة حريق لندن في الذاكرة التاريخية لدى سكان المدينة على مر العقود والقرون اللاحقة، كأفجع كارثة طالت عاصمة التاج البريطاني، ليخلّد ذكراها وذكر ضحاياها في الغناء والقصص الشعبي، وكذا بنصب تذكاري عملاق، شيّد بعد سنوات قليلة من الحريق، ضمن تنفيذات إعادة تخطيط وإعمار المدينة المتهالكة، وللآن يقبع النصب العملاق بجوار جسر لندن، مذكرًا بكارثة مروّعة؛ كان الكعك سببًا فيها!

2- حريق شيكاغو العظيم: كيف تسببت بقرة واحدة في تدمير مدينة كاملة!

على مدار أكثر من يومين، شهدت الولايات المتحدة، أعظم حرائقها منذ مهدها وإلى الآن. ففي الثامن من أكتوبر 1871، تسببت بقرة غاضبة في اندلاع حريق لم يستطع أحد إيقافه ليومين متتالين، حتى العاشر من أكتوبر. بدأت الحكاية من حظيرة صغيرة، غضبت بقرة فيها فركلت فانوسًا، تسببت شرارة نيرانه في اندلاع واحد من أضخم حرائق التاريخ!

في المقابل، فإن السجلات الرسمية تشير إلى عدم إمكانية تحديد السبب بدقة، رغم أنها لم تنفِ أن أول مبنى اندلعت فيه النيران، هو مبنى الحظيرة المذكورة، ما فتح باب التكهنات، لتذكر بعض الروايات التاريخية أن صاحب الحظيرة هو المتسبب في الأمر، دون توضيح، فيما زعمت أخرى أن مجموعة من الرجال كانوا يلعبون الورق داخل الحظيرة، قبل أن يحتدوا على بعضهم، ويتبادلوا إطلاق النيران، التي أدت لاحقًا لتدمير مدينة شيكاغو عن بكرة أبيها.

الرواية الأشهر، تفيد بأنّ بقرة غاضبة تسببت في اندلاع أعظم حريق في تاريخ أمريكا

  • ما هي العوامل المحفزة؟

كالعادة: الخشب! إذ ساهم انتشار الأبنية الخشبية في سرعة تمدد النيران، وما زاد الطين بلّة، الأجواء الحارة شديدة الجفاف، إذ لم تشهد شيكاغو آنذاك أمطارًا منذ وقت طويل، وبالإضافة إلى ذلك، كان القطران المستخدم في عمليات بناء المنازل، محفزًا ممتازًا لسرعة اشتعال النيران. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فكما هو معلوم، العامل البشري حاضر دائمًا!

رغم رد الفعل السريع من رجال الإطفاء، إلا أنه كان في الوجهة الخطأ، حيث تسبب بلاغ غير دقيق، في انتقال قوة رجال الإطفاء إلى مكان آخر غير الذي اندلعت فيه النيران أولًا، ما سمح لألسنة اللهب أن تنتشر وتتمدد عبر المنازل دون ردع، بل الأدهى أن الأمر تكرر، لتجد قوة الإطفاء نفسها مشتتة ومنهكة، بعد أن استطاعت النيران توليد حرائق صغرى، انشغل فيها رجال الإطفاء.

ومن سوء حظ أبناء المدينة، أن الطبيعة لم تقف في صفهم، فعلى الرغم من تحرك النيران عبر المنازل التي أفحمتها إلى نهر شيكاغو، إلا أن اشتداد الرياح الجنوبية الغربية، الضاربة من جهة النهر زادت لهيب النيران، بالإضافة إلى مخازن ومستودعات الخشب والفحم على أرصفة بجوار النهر؛ كل ذلك ساهم في تحفيز قوة النيران وسرعة انتشارها.

  • كم خسرت شيكاغو من أبنائها وأبنيتها؟

“كان من المستحيل إجراء إحصاء دقيق لأعداد القتلى، فبعض الضحايا حرقوا تمامًا دون ترك أي أثر”.

على الرغم من هذا التكهن للطبيب الشرعي لشيكاغو آنذاك، إلا أن بعض التقديرات تفيد بمقتل 300 شخص على الأقل، في الحريق الذي سجله المؤرخون كحدث فارق في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، على الأقل في القرن التاسع عشر، إذ تدمرت المدينة الصناعية الأكبر في أمريكا في حريق مفاجئ، لم يكن مخططًا له. أما أكثر المناطق دمارًا فكانت بمساحة 9 كيلومترات مربعة، حول منطقة ديكوفين –Dekoven، تلك المساحة تحولت – تقريبًا – إلى رماد. كذلك شُرّد أكثر من 100 ألف آخرين ولفترة طويلة، فيما قدّرت خسائر الحريق بأكثر من 200 مليون دولار بقيمة آنذاك، أي ما يزيد عن 4 مليارات دولار بالقيمة الحالية.

  • كيف أضحت شيكاغو ما بعد الحريق؟

في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء (العاشر من أكتوبر)، أمطرت السماء أخيرًا، لتساهم بشكل كبير في إخماد النيران التي خلفت دمارًا هائلًا، دفع الولاية إلى إطلاق حملة تبرعات واسعة في أرجاء البلاد وخارجها، شاركت فيها ولايات أمريكية، فضلًا عن دول كبريطانيا وكندا. واستطاعت الولاية أن تحصد مبالغ طائلة ساهمت في إعادة تخطيطها وبنائها على نحو أفضل، بالإضافة إلى أنها باتت سوقًا مفتوحة للعمالة، فمع الدمار الذي حلّ بها وبوجود أموال طائلة، كانت الولاية في حاجة إلى أكبر قدر ممكن من العمالة المختلفة لإعادة بنائها، الأمر الذي أسس لها من جديد صرحًا عملاقًا في تاريخ الصناعة الأمريكية.

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.





تعليقات الفيسبوك