هل تعرف كيف بدأت الحياة على كوكب الأرض ؟

هل تعرف كيف بدأت الحياة على كوكب الأرض ؟ – ترجمة: محمد عدنان

كيف بدأت الحياة؟ بالكاد ستجدون سؤالاً أكبر منه. لجزءٍ كبير من التاريخ البشري، والجميع تقريباً يؤمن بنسخة “الآلهة فعلت ذلك”. أي تفسيرٍ آخر كان غير قابلٍ للتصور.

 هذا لم يعد صحيحاً. على مدى القرن الماضي، حاول قلة من العلماء إكتشاف كيفية ظهور الحياة الأولى. لقد حاولوا حتى إعادة خلق لحظة التكوين في مختبراتهم.

 حتى الآن، لا أحد قد تمكن من تحقيق ذلك، ولكننا قطعنا شوطاً طويلاً. اليوم، العديد من العلماء الذين يدرسون أصل الحياة واثقون بأنهم على الطريق الصحيح – وهم يمتلكون التجارب التي تدعم ثقتهم هذه.

 هذه هي قصة سعينا لاكتشاف أصلنا. إنها قصةٌ رائعة من الهوس والنضال، والتي تشمل بعضاً من أعظم الإكتشافات العلمية الحديثة. فهي محاولة لفهم بدايات الحياة التي أرسلت الرجال والنساء إلى أبعد زوايا كوكبنا. فقد كان بعض العلماء يسعون لاكتشافها كوحوش، بينما البعض الآخر كان عليهم تأدية عملهم تحت كعب الحكومات الإستبدادية الوحشية.

 هذه هي قصة ولادة الحياة على الأرض.

p04dbtkn

عاشت الديناصورات في الواقع منذ وقتٍ قريبٍ جداً (حقوق الصورة: Oleksiy Maksymenko/Alamy)

الحياة قديمة، وربما تكون الديناصورات هي أكثر الكائنات المنقرضة شهرة، فقد كانت بداياتهم منذ 250 مليون سنة. لكن تاريخ بداية الحياة أكبر من ذلك بكثير.

 أقدم الحفريات المعروفة ترجع لحوالي 3.5 مليار سنة، أكبر بـ14 ضعفاً من تاريخ أقدم الديناصورات. لكن السجل الأحفوري قد يكون أقدم من ذلك. على سبيل المثال، وجد الباحثون في آب/أغسطس من عام 2016 ما يبدو وكأنه متحجرة ميكروبية يعود تاريخها لـ3.7 مليار سنة.

p04ddzqq

هذه الأنماط المتموجة قد تكون حفرية عمرها 3.7 مليار سنة (حقوق الصورة: Nutman et al, Nature)

 الأرض نفسها ليست أقدم سناً من ذلك بكثير، فقد تكوَنت منذ 4.5 مليار سنة.

 إن إفترضنا أن الحياة تكوَنت على الأرض – وهو ما يبدو معقولاً، نظراً لأننا لم نجد أي حياة أخرى حتى الآن – فلا بدّ أن تظهر في مليار سنة بين قدوم الأرض لحيّز الوجود والحفاظ على أقدم الأحافير المعروفة.

 بالإضافة الى تحديد وقت بداية الحياة، يمكننا أن نصنع تخميناً قائماً على المعرفة والخبرة حول ما كانت عليه.

p04cl3wf

شجرة الحياة:توجد البكتيريا في معظم الفروع (حقوق الصورة: Hug, Banfield et al, Nature Microbiology)

 عرف علماء الأحياء منذ القرن التاسع عشر، أن جميع الكائنات الحية مصنوعة من “خلايا”: وهي أكياسٌ صغيرة من المادة الحية تأتي بمختلف الأشكال والأحجام. تم إكتشاف الخلايا لأول مرة في القرن السابع عشر، عندما تم إختراع المجاهر الحديثة الأولى، ولكن الأمر إستغرق أكثر من قرن من الزمن لكي يدرك أي احد أنها كانت أساس الحياة.

 وباستخدام المواد والظروف الموجودة على الأرض منذ 3.5 مليار سنة، يجب أن يتم صنع خلية.

 قد لا تعتقدون أنكم تشبهون سمك السلور أو الديناصور ريكس كثيراً، لكن المجهر سوف يكشف أنكم مصنوعون من أنواعٍ متشابهة جداً من الخلايا. وكذلك بالنسبة للنباتات والفطريات.

 لكن أكثر أشكال الحياة وفرةً حتى الآن هي الكائنات المجهرية، كلٌ منها يتكون من خليةٍ واحدةٍ فقط. والبكتيريا هي أكثر المجموعات شهرة، فهي موجودة في كل مكان على الأرض.

 في نيسان/أبريل من عام 2016، قدّم العلماء نسخةً محدثة من “شجرة الحياة”: وهي نوعاً ما كشجرة العائلة لكل نوع من أنواع الكائنات الحية. معظم الفروع عبارة عن بكتيريا. ما هو أكثر من ذلك، فإن شكل الشجرة يشير إلى أن البكتيريا كانت السلف المشترك لجميع أشكال الحياة. وبعبارةٍ أخرى، كل شيءٍ حي – بما فيهم أنت – منحدر في النهاية من البكتيريا.

 هذا يعني أنه يمكننا تحديد مشكلة أصل الحياة بدقةٍ أكبر. وباستخدام المواد والظروف الموجودة على الأرض منذ 3.5 مليار سنة، يجب علينا أن نصنع خلية.

 حسناً، ما مدى صعوبة هذا الأمر؟

p04clbmb

صورة كاملة لخلية حية (حقوق الصورة: Equinox Graphics Ltd)

 الفصل الأول: التجارب الأولى

 لمعظم التاريخ، لم يكن من الضروري حقاً أن نسأل كيف بدأت الحياة، بسبب أن الإجابة كانت تبدو واضحة.

 كان معظم الناس قبل القرن التاسع عشر يؤمنون بـ”المذهب الحيوي” “vitalism”. وهي الفكرة البديهية التي تقول بأنه تم إعطاء الكائنات الحية ميزة سحرية خاصة جعلتهم مختلفين عن الأشياء غير الحية.

 يمكن أن تكون جميع المواد الكيميائية التي توّلد الحياة مصنوعة من مواد كيميائية بسيطة ليس لها علاقة بالحياة.

 غالباً ما كان المذهب الحيوي ملازماً للمعتقدات الدينية الغالية. يقول الكتاب المقدس إن الله إستخدم “نسمة الحياة (الروح)” لبعث الحياة في أول البشر، والروح الخالدة هي شكل من أشكال المذهب الحيوي.

 هنالك مشكلة واحدة فقط، وهو أن المذهب الحيوي خاطئ كلياً.

 إكتشف العلماء بحلول أوائل القرن التاسع عشر العديد من المواد التي تبدو فريدةً من نوعها بالنسبة للحياة. إحدى هذه المواد كانت اليوريا، وهي موجودة في البول، وقد تم عزلها في عام 1799.

 كان هذا لا يزال متوافقاً مع المذهب الحيوي. حيث يبدو وأن الكائنات الحية وحدها هي من تستطيع صناعة هذه المواد الكيميائية، للك ربما تم غرسها مع طاقة الحياة، وهذا ما جعلها أمراً إستثنائياً.

 لكن، وفي عام 1828، وجد الكيميائي الألماني فريدريش فولر “Friedrich Wöhler” وسيلةً لصنع اليوريا من مادة كيميائية شائعة تدعى سيانات الأمونيوم، والتي لا تمتلك صلةً واضحة مع الكائنات الحية. تبع الآخرون خطاه، وقد إتضح بشكلٍ سريع أن المواد الكيميائية المرتبطة بالحياة يمكن أن تكون مصنوعة من مواد كيميائية بسيطة والتي لا تمتلك أي صلةٍ بالحياة.p04d7cft

الكيميائي الألماني فريدريش فولر بطباعةٍ تمت بواسطة رودولف هوفمان من العام 1856.

 كانت هذه هي نهاية المذهب الحيوي كمفهومٍ علمي. لكن الناس وجدوا أنه من الصعب جداً التخلي عن هذه الفكرة. فقد قال الكثير من الناس أنه لا يوجد شيء مميز حول المواد الكيميائية المرتبطة بالحياة والتي تسلب سحر الحياة، حيث تقلل منّا لتجعلنا مجرد آلات. وهي أيضاً، بالطبع، تتناقض مع الكتاب المقدس.

 لم يكن الناس وحدهم من يسعى للتمسك بالمذهب الحيوي، بل وحتى العلماء قد ناضلوا لإسقاطه. ففي وقتٍ متأخرٍ كالعام 1913، كان الكيمحيوي (الكيميائي الحيوي) الإنجليزي بنيامين مور”Benjamin Moore” يشجع بشدة نظرية “الطاقة الحيوية”، والتي كانت هي نفسها المذهب الحيوي لكن تحت إسمٍ مختلف. لقد كانت فكرةً قوية ومسيطرة.

 اليوم، يتم التشبث بالفكرة بأماكن غير متوقعة. على سبيل المثال، هنالك العديد من قصص الخيال العلمي حيث يمكن فيها إنعاش أو إستنزاف “طاقة الحياة” لشخصٍ ما. فكِروا بـ”طاقة البعث” المستخدمة بواسطة الشخصية المسماة تايم لورد”Time Lord” في مسلسل دكتور هو “Doctor Who”، فهي من الممكن أن تصعد للقمة بإحيائها مجدداً إن كانت قديمة. يعطي هذا شعوراً بما سيحدث مستقبلاً، لكنها فكرة قديمة للغاية.

 بعد عام 1828، لازال العلماء يملكون أسباباً مشروعة للبحث عن تفسيرٍ خالٍ من الإلوهية حول كيفية تشكّل الحياة الأولى. لكنهم لم يفعلوا ذلك. يبدو وكأنه موضوع من الواضح إكتشافه، ولكن لغز أصل الحياة في الواقع تم تجاهله على مدى عقود. ربما لأن الجميع كان عاطفياً جداً من ناحية التعلق بالمذهب الحيوي لكي يتخذوا الخطوة التالية. p04d7hrq

أظهر تشارلز داروين أن كل أشكال الحياة قد تطورت من سلفٍ مشتركٍ بسيط.

 بدلاً من ذلك، كانت نظرية التطور تمثل التقدم الكبير والمفاجئ في البيولوجيا في القرن التاسع عشر، حيث تم تطويرها بواسطة تشارلز داروين وآخرون.

 أوضحت نظرية داروين، المبيّنة في كتاب أصل الأنواع “Origin of Species” الذي صدر في العام 1859، كيف أن التنوع الهائل للحياة يمكن أن ينشأ من سلفٍ مشتركٍ واحد، بدلاً من أن كل نوعٍ من الأنواع المختلفة قد تم خلقها بشكلٍ منفصل بواسطة الإله، فقد كان الجميع منحدراً من كائناتٍ بدائية عاشت قبل ملايين السنين: آخر سلفٍ مشتركٍ للجميع.

 أثارت هذه الفكرة الجدل بشكلٍ كبير، مرةً أخرى، لأنها تتعارض مع الكتاب المقدس. فقد كان داروين وأفكاره تحت هجومٍ شرس، لا سيما من المسيحيين الغاضبين.

 إن نظرية التطور لم تقل شيئاً عن كيفية مجيء الكائن الأول للوجود. p04cl2qn

تساءل داروين عما إذا كانت الحياة قد بدأت في “بركة صغيرة دافئة” (حقوق الصورة: Linda Reinink-Smith/Alamy)

 عَلِمَ داروين أنه كان سؤالاً عويصاً، ولكن – ربما شَعَر بالقلق من بدء معركةٍ أخرى مع الكنيسة – يبدو أنه فقط ناقش المسألة في رسالةٍ كُتَبَت في عام 1871. لكن لغته المنفعلة تكشف أنه عرف معنىً عميقاً للسؤال.

 “لكن إذا (ويالها من “إذا” كبيرة) كان لنا أن نتصور بركةً صغيرةً دافئة مع كل أنواع الأمونيا والأملاح الفسفورية، -الضوء، والحرارة، والكهرباء، والكاربون المتواجد حالياً، حيث يتم تكوين مركب البروتين كيميائياً، ويكون جاهزاً للخضوع لتغيراتٍ أكثر تعقيداً…”

 بعبارةٍ اخرى، ماذا لو كان هنالك في إحدى المرات مساحةً صغيرة من الماء، مليئةً بالمركبات العضوية البسيطة التي تسبح في ضوء الشمس. يمكن لبعض هذه المركبات أن تندمج لتشكيل مادة تساهم في تكوين الحياة كالبروتين، والتي بإمكانها أن تبدأ بعد ذلك بالتطور وتصبح أكثر تعقيداً.

 لقد كانت فكرةً غير مفصّلة. لكنها من الممكن أن تصبح أساساً للفرضية الأولى لكيفية بدء الحياة.

 ظهرت هذه الفكرة من مكانٍ غير متوقع. قد تعتقدون أن هذا النموذج الجريء من التفكير الحر قد تم وضعه في بلدٍ ديمقراطي: ربما مثل الولايات المتحدة. ولكن في الواقع، تم إختراع الفرضية الأولى لأصل الحياة في بلدٍ إستبداديٍ وحشي، حيث يتم قمع التفكير الحر فيه: الإتحاد السوفيتي أو ما يعرف باتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية (USSR). p04cl29f

عاش ألكسندر أوبارين “Alexander Oparin” في الإتحاد السوفيتي (حقوق الصورة:Sputnik/Science Photo Library)

 كان كل شيءٍ في روسيا في عهد ستالين تحت سيطرة الدولة. شَمِل هذا أفكار الناس، وحتى حول المواد – مثل علم الأحياء – والتي لا تبدو أن لها صلة بالسياسة الشيوعية.

 أشهر ما قام ستالين بحظره عن الدراسة من قبل العلماء هو علم الوراثة التقليدي. وبدلاً من ذلك قام بفرض أفكار عامل مزرعة يدعى تروفيم ليسينكو “Trofim Lysenko”، والذي كان يُعتقد أنه أكثر إنسجاماً مع أيديولوجية الشيوعية. فاضطر العلماء الذين يعملون على علم الوراثة أن يدعموا أفكار ليسينكو علناً، أو المخاطرة التي تنتهي بهم في معسكر إعتقال.

 قام ألكسندر أوبارين في هذه البيئة القمعية بإنجاز أبحاثه في الكيمياء الحيوية. لقد كان قادراً على الإستمرار بالعمل لأنه كان شيوعي الولاء: لقد دعم أفكار ليسينكو، وحصل حتى على وسام لينين، وهو أعلى وسام يمكن أن يناله شخص يعيش في الإتحاد السوفيتي.

 نشر أوبارين في عام 1924 كتابه أصل الحياة “The Origin of Life”، وقد ذكر فيه تصوراً عن ولادة الحياة، والذي كان يشبه بشكلٍ مذهل بركة داروين الصغيرة والدافئة.

 p04cl221

تكونت المحيطات بمجرد إنخفاض درجة حرارة الأرض (حقوق الصورة:Richard Bizley/Science Photo Library)

 تخيل أوبارين ما كان عليه كوكب الأرض عندما كان حديث التكون. السطح كان ساخناً جداً، وقد هبطت الصخور من الفضاء على السطح واصطدمت به. لقد كان عبارة عن فوضى من الصخور المنصهرة، التي تحتوي على مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية – من ضمنها العديد يرتكز على الكاربون.

 بردت الأرض في نهاية المطاف بما يكفي لتكثيف بخار الماء إلى ماءٍ سائل، وسقط المطر لأول مرة. قبل فترةٍ طويلة من إحتواء الأرض على المحيطات، حيث كانت ساخنة وغنية بالمواد الكيميائية المرتكزة على الكاربون. الآن هذين الشيئين من الممكن حدوثهما.

 أولاً، يمكن للمواد الكيميائية المختلفة أن تتفاعل مع بعضها البعض لتكوين الكثير من المركبات الجديدة، بعضها سيكون أكثر تعقيداً. إفترض أوبارين أن الجزيئات الرئيسية للحياة، مثل السكريات والأحماض الأمينية، من الممكن تكونهم في مياه الأرض.

 ثانياً، بدأت بعض المواد الكيميائية بتشكيل بنىً مجهرية. العديد من المواد الكيميائية لا تذوب في الماء: على سبيل المثال، يُشكّل النفط طبقةً على قمة المياه. لكن عندما تتلامس بعض هذه المواد الكيميائية مع الماء تقوم بتكوين كريات تسمى coacervates، والتي من الممكن أن تمتد لـ 0.01 سم (0.004 إنش).

 إن شاهدتم هذه الكريات تحت المجهر، ستجدون أنها تتصرف كخلايا حية. حيث أنها تنمو وتغيّر شكلها، وفي بعض الأحيان تنقسم إلى قسمين. كما يمكنها أيضاً أن تسحب المواد الكيميائية من المياه المحيطة، لذلك من الممكن أن تصبح المواد الكيميائية اللازمة للحياة مرتكزةً داخلها. إفترض أوبارين أن هذه الكريات كانت أسلاف الخلايا الحديثة.

 وبعد خمس سنوات في العام 1929، إقترح عالم الأحياء الإنجليزي جون هالدين “J. B. S. Haldane” بشكلٍ مستقل بعض الأفكار المشابهة جداً في مقالٍ قصير نُشِر في الـ Rationalist Annual.

 قام هالدين بالفعل بتقديم مساهماتٍ كبيرة لنظرية التطور، مساعداً بتكامل أفكار داروين بتنشئة علم الوراثة.

 لقد كان شخصيةً غير عادية أيضاً. ففي إحدى المرات، قال أنه تعرض لثقبٍ في طبلة الأذن وذلك بسبب بعض التجارب مع غرف خفض الضغط، ولكن فيما بعد، كتب ما يلي: “عادةً ما تُشفى الطبلة؛ وإن بقي فيها ثقباً، وعلى الرغم من أن الشخص سيصبح أصماً بعض الشيء، سيمكنه نفخ دخان التبغ من الأذن عند حاجته، وهو ما يعتبر إنجازاً إجتماعياً”.

تماماً مثل أوبارين، أوجز هالدين كيف أن للمواد الكيميائية العضوية أن تتراكم في المياه، “[حتى] قدوم المحيطات البدائية نتيجة تماسك الحساء الخفيف الساخن”. مهّد هذا الطريق لـ”اول أو نصف الكائنات الحية” كي تتكون، وأن كلاهما يصبح محاطاً بطبقة رقيقة من النفط.

 p04clbq0

عالِم الوراثة الإنجليزي جون هالدين (حقوق الصورة: Science Photo Library)

 من بين كل علماء الأحياء في العالم، كان أوبارين وهالدين هما من إفترضا ذلك. فكرة أن الكائنات الحية قد تم تكوينها بواسطة وسائل كيميائية بحتة، بدون الإله أو حتى “الروح”، كان أمراً متطرفاً. فمثل نظرية التطور قبلها، فقد تحولت لمواجهة المسيحية.

 لقد ناسب هذا الأمر الإتحاد السوفيتي. فقد كان الإتحاد السوفيتي ملحداً بشكلٍ رسمي، وكان قادته حريصين على دعم التفسيرات المادية للظواهر العميقة مثل الحياة. كان هالدين أيضاً ملحد، وكان شيوعياً مخلصاً أيضاً.

 “يقول الخبير في أصل الحياة من جامعة أوسنابروك في ألمانيا، آرمن مولكيجانيان “Armen Mulkidjanian”، “في ذلك الوقت، يعتمد قبول أو عدم قبول فكرةٍ ما على الشخصيات: سواءً كانوا متدينين أو كانوا مؤيدين لليسار أو الأفكار الشيوعية”. ويضيف، “لقد تم قبول أفكارهما بسعادة بسبب أنها لم تكن بحاجة لإله. إن نظرتم للناس الذين يفكرون بهذا الإتجاه في العالم الغربي، فستجدون أنهم كانوا جميعاً يساريين وشيوعيين وهلم جراً.”

 فكرة أن الحياة تشكلت في الحساء البدائي من المواد الكيميائية العضوية أصبح معروفاً باسم فرضية أوبارين-هالدين. كانت فرضيةً أنيقة وجذابة، ولكن كان هناك مشكلة واحدة. لم يكن هناك أي دليلٍ تجريبي يدعم هذا الأمر. وهذا لن يحدث لحوالي ربع قرن. p04cl39t

هارولد يوري “Harold Urey” (حقوق الصورة: Emilio Segre Visual Archives/American Institute of Physics/Science Photo Library)

 في الوقت الذي أصبح فيه هارولد يوري مهتماً بأصل الحياة، كان قد فاز بالفعل بجائزة نوبل للكيمياء لعام 1934، وساعد في بناء القنبلة النووية. عمل يوري خلال الحرب العالمية الثانية على مشروع مانهاتن، جامعاً اليورانيوم -235 غير المستقر اللازم لنواة القنبلة، بعد الحرب التي خاضها للحفاظ على التكنولوجيا النووية في السيطرة المدنية.

 لقد أصبح مهتماً أيضاً في كيمياء الفضاء الخارجي، لا سيما ما حدث عند تشكّل النظام الشمسي في البداية. لقد أعطى في يومٍ من الأيام محاضرةً أشار فيها إلى أن الأوكسجين لم يكن موجوداً عند تشكّل الغلاف الجوي للأض في بادئ الأمر. هذا من شأنه أن يعرّض الظروف المثالية للحساء البدائي لأوبارين وهالدين لنموذج قد يتم فيه تدمير المواد الكيميائية الهشة من خلال الإتصال مع الأوكسجين.

 كان طالب الدكتوراه المسمى ستانلي ميلر من ضمن الجماهير، وفيما بعد قام بسؤال يوري بالإقتراح: هل من الممكن أن يتم إختبار هذه الفكرة؟ كان يوري متشككاً، لكن ميلر تحدث معه في ذلك.

 ولذلك، بدأ ميلر في عام 1952 محاولته في التجربة الأكثر شهرة حول أصل الحياة على الإطلاق.

p04clc2m

تجربة ميلر-يوري (حقوق الصورة: Francis Leroy, Biocosmos/Science Photo Library)

 كان إنشاء التجربة أمراً بسيط. قام ميلر بتوصيل سلسلة من قوارير الزجاج وقام بتوزيع أربع مواد كيميائية يُشتبه في أنها كانت موجودة في الأرض المبكرة: الماء المغلي والهيدروجين والأمونيا والميثان. وقد قام بإخضاع الغازات للصدمات الكهربائية بشكلٍ متكرر، لمحاكاة الصواعق التي كانت شائعة الحدوث على الأرض في ذلك الوقت.

 وجد ميلر أن “لون المياه في القارورة قد أصبح وردياً بشكلٍ ملحوظ بعد اليوم الأول، وبحلول نهاية الإسبوع كان المحلول عكراً ولونه أحمر قاتم”. فقد كان بشكلٍ واضح، عبارة عن تكوّن خليطٍ من المواد الكيميائية.

 عندما قام ميلر بتحليل الخليط وجد أنه يحتوي على إثنين من الأحماض الأمينية: الجلايسين وألانين. وتوصف الأحماض الأمينية غالباً بأنها لبنات بناء الحياة. فهي تُستخدم لتكوين البروتينات التي تتحكم بمعظم العمليات الحيوية في أجسامنا. وقد صنع ميلر إثنين من أهم مكونات الحياة، من نقطة الصفر.

 وقد تم نشر النتائح في مجلة prestigious journal Science في عام 1953. وقد قام يوري بعملٍ أناني غير معتادٍ بين كبار العلماء، فقد قام بوضع إسمه في بداية الورقة، معطياً ميلر الحقوق في الأسفل. على الرغم من هذا، عُرفِت هذه الدراسة غالباً بأنها “تجرية ميلر-يوري”.

 p04cl1r3

ستانلي ميلر في مختبره (حقوق الصورة: Science Photo Library)

 يقول جون ساذرلاند “John Sutherland” من مختبر الأحياء الجزيئية في كامبريدج، الولايات المتحدة، “إن قوة تجربة ميلر-يوري هي في إظهارها أنه يمكنكم الإنتقال من غلافٍ جويٍ بسيط وإنتاج الكثير من الجزيئات البيولوجية”.

 إتضح إن التفاصيل كانت خاطئة، منذ أن أظهرت الدراسات اللاحقة أن الغلاف الجوي المبكر للأرض كان مزيجاً مختلفاً من الغازات. وقد قال ساذرلاند، “لقد كانت التجربة شهيرة على نطاقٍ واسع، حيث حفزت مخيلة الجمهور ولا يزال يُستشهد بها”.

 في أعقاب تجربة ميلر، بدأ علماءٌ آخرون في إيجاد طرقٍ لصنع جزيئاتٍ بيولوجية بسيطة من الصفر. حل لغز أصل الحياة بدا قريباً.

 لكن فيما بعد، إتضح أن الحياة كانت أكثر تعقيداً من إعتقاد أي شخص. لقد إتضح أن الخلايا الحية ليست مجرد أكياس من المواد الكيميائية: لقد كانت آلات صغيرة معقدة. وبشكلٍ مفاجئ، تبيّن أن صنع أحدها من الصفر بدأ يصبح تحدياً أكبر بكثير مما كان يترقبه العلماء.

 p04clbxg

الآليات داخل الخلايا معقدة بشكلٍ لا يصدق (حقوق الصورة: Equinox

Graphics Ltd

 المصدر: المشروع العراقي للترجمة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





-->

تعليقات الفيسبوك