حقوق الإنسان بين الإسلام والحضارة الغربية – د. محمد عجلان

لا توجد حضارة قدمت للبشرية كل شيء بمفردها، ولم نعرف ديناً جاء بكل القيم بينما كانت الأديان الأخرى تحض على الرذيلة، هذا لم يحدث على مدار التاريخ، ولا يمكن له أن يحدث، الإنسان البدائي نفسه قدّم للبشرية الكثير من خلال اختراعاته البسيطة، ولولا هذه الاختراعات لما استطاعت الإنسانية أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، فكل خطوة مترتبة على الخطوة التي تسبقها، وما قدمه القدماء كان هو الأساس الذي أقام عليه اللاحقون اكتشافاتهم ومخترعاتهم. ولولا ما تم تقديمه قديماً ما كنا لنحيا ثورة الاتصالات التي نعيشها الآن.

وإذا كان هذه الكلام ينطبق على كل ما تم تقديمه على مدار التاريخ، فإن الأمر نفسه ينطبق على مجال حقوق الإنسان، فلم تُقدّم حضارة بعينها كل قائمة الحقوق الإنسانية، بدءاً من الحفاظ على الحياة مرورا بالأمن والحرية وكافة الحقوق التي نعرفها جميعا. لكن رغم ذلك نجد أن كثيرين في هذا العالم يريدون أن يختزلوا كل القيم النبيلة وكل المنظومة الحقوقية في دينهم أو حضارتهم دون غيرهم، وكأنهم أوجدوا الحقوق من العدم، أو كما يقال اخترعوا العجلة، وهذا كلام إن دل على شيء، فإنما يدل على تعصب وضيق أفق؛ لأن الجميع ساهم في بناء قلعة حقوق الإنسان، ربما أسهم البعض أكثر من غيره وفقاً لظروف الزمان والمكان، ولكن لا يمكن أن نعتبر أن طرفاً واحداً قام بالمهمة كلها دون سواه.

ولو حاولنا أن نطبق هذه الكلام على ما قدمه الإسلام والغرب في مجال حقوق الإنسان، سوف تجد أن المسلمين بصفة عامة، ما عدا قلة قليلة تحاول أن تفكر، يؤكدون على أن كل شيء موجود في الإسلام، وأنه صالح لكل زمان ومكان، ولم يضف من جاءوا بعد ذلك أي شيء لأي ملف، بل يرفض البعض ما وصل إليه العلم وأصبح من البديهيات، فتجد بعض رجال الدين يرفضون حتى هذه اللحظة فكرة دوران الأرض حول الشمس، ويتدخلون في أمور كثيرة لا يفهمون منها شيئاً، ورغم ذلك يتحدثون عن كون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان. ثم تجد على الطرف الآخر كثيراً من الغربيين لا يرون في الإسلام سوى الرجعية والتخلف، ولا يعترف سوى قلة قليلة من المحايدين أن الحضارة الإسلامية قدمت للبشرية الكثير أيام عزها، وأنه لا يجب أن نُسقط الحالة الحالية على التاريخ؛ لأننا بذلك لن نكون موضوعيين، وتعرّض لذلك الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب” ومونتجمري وات في كتابه “فضل الإسلام على الحضارة الغربية” وغيرهما من المنصفين. إذن التعصب قائم لدى الطرفين، أياً كان شكله وأياً كانت طريقته.

لكن هل قدم الإسلام فعلاً كل شيء ولا حاجة لمزيد؟ وهل الحضارة الغربية أقامت بنيان الحقوق من العدم ولم يسبقها أحد؟ سنحاول الإجابة سريعاً على هذين السؤالين. فالإسلام حين جاء كان ثورة في مجال الحقوق دون مبالغة، فقد اعترف بحقوق الناس، ودافع عنها، وأغلظ في عقوبة من يتعرض لتلك الحقوق، رفع من شأن المرأة، واعترف بالعبيد كبشر لهم حقوقهم وطالب بحسن معاملتهم، في الوقت الذي كان بعض فلاسفة اليونان يرى أن العبودية جزء من النظام الطبيعي. منح الناس حق الاعتقاد، ولم يطالب بفرض الدين على أحد، فالآية واضحة “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. لكن رجال الدين أفسدوا كل شيء تقريباً، واخترعوا ما يناسبهم لا ما يتسق مع روح الدين، فتم اختراع حد الردة وحد الرجم، لتحقيق أغراض سياسية.

ومن أبرز الحقوق التي دافع عنها الإسلام “حق الحياة“، ولهذا أسباب منطقية؛ لأن حياة الإنسان يجب أن تكون في مقدمة قائمة الحقوق؛ لأنه بانعدام الحياة لن تكون هناك فائدة لأي حقوق تالية عليها، فعندما تموت لن تبحث عن حرية تفكير أو اعتقاد أو غير ذلك، ولذا نهى الإسلام عن قتل النفس البشرية، كما ورد في كثير من الآيات: “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”. “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق”. “ولا تقتلوا أنفسكم”. وغيرها من الآيات والأحاديث النبوية التي تؤكد على ذات المعنى. وكذلك أكد على الحق في الحرية؛ لأن الحرية هي التي تميز الإنسان عن غيره، وبدونها تكون إنسانيته منقوصة. كما أن فكرة الثواب والعقاب في الدين تأكيد صريح على مبدأ الحرية؛ لأن الإنسان الذي لا يملك حريته لا يمكن أن يكون مسئولاً عن أفعاله، لأنه سيكون مسيّرا ولا إرادة له، وبالتالي يسقط عنه التكليف، فطالما أن التكليف قائم والحساب موجود، فهذا تأكيد على فكرة الحرية. وكذلك أكد الإسلام في نفس السياق الحقوقي على حرية الاعتقاد، وكانت الآيات صريحة وواضحة في هذا الشأن، فقال مخاطباً النبي: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟، “لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغي”، “فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر”.

لكن هل الإسلام قدم كل شيء بناء على ما ذكرناه؟ هذا الأمر غير حقيقي، فرغم تأكيد الإسلام على هذه القائمة الحقوقية، إلا أن تاريخ المسلمين لا يؤكد أنها كانت حاضرة دائماً، بل العكس هو الصحيح، فقد اخترع الفقهاء أشياء تناسب هواهم أو فهمهم أو مصالح الحكام، فتم اختراع حد الردة والذي يقيد بالطبع حرية الاعتقاد بشكل كبير، وكذلك تلك الفتاوى التي ترى أنه لا تجوز الثورة على الحاكم أيا كانت تصرفاته، وغيرها من الأمور التي لا يمكن أن تكون أساساً نبني عليه منظومة حقوقية صالحة للقرن الحادي والعشرين، وربما يقول البعض يجب التفريق بين الإسلام وفتاوى رجال الدين، إلا أن الواقع يؤكد أن هذه الفتاوى والاجتهادات البشرية أصبحت جزءاً أصيلاً من الدين، والقتل والتكفير والسجن في انتظار كل من يمس قداسة هذه الأفكار.

وعلى من مطالبة الإسلام بحسن معاملة العبيد، وترغيب الناس في تحريرهم، إلا أنه في النهاية لم يعلن تحريرهم، بل ترك الأمر خاضعاً لطبائع الناس. وحتى نكون منصفين فإن أمر تحريرهم لم يكن سهلاً في هذا الزمن؛ لأن العقل الجمعي لم يكن قادراً على قبول الفكرة من ناحية، واقتصاد المجتمع كان قائماً على ظهور هؤلاء العبيد من ناحية أخرى، وبالتالي لم يكن في مقدور الإسلام أن يطالب بتحريرهم بأمر صريح. ويجب أن نلتفت لنقطة مهمة جداً وهي أن الغرب حين حاول تحرير العبيد قامت حرب أهلية في الولايات المتحدة، وكان هذا الأمر بعد ظهور الإسلام بـ 12 قرناً، فما حدث بعد كل هذه القرون لم يكن ممكناً وقت ظهور الإسلام منذ 15 قرناً تقريباً. وبناء على ما سبق يمكن القول إن الإسلام بدأ التحرك نحو تحرير العبيد، لكنه لم يحررهم بالفعل، حتى وإن رفع شأنهم باعتبارهم بشراً لهم حقوق، وتمت الخطوة الحاسمة في الغرب لا في الشرق.

وباستقراء التاريخ نجد أن الأنظمة الاستبدادية على مدار التاريخ لم تعترف بالمواطنة ولا المواطنين، ورغم كل شيء لم تكن ثمة حقوق مؤكدة ومعترف بها بشكل دستوري في الحضارات القديمة والوسيطة، وكان الغرب بالفعل هو من أصّل للحقوق في وسائق دستورية واضحة، بل وأجاز حق الثورة على الحاكم المستبد كما قرر ذلك الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، حيث تحدث عن حق الشعب في الثورة على الحاكم حين لا يلتزم بما تم الاتفاق عليه في العقد الاجتماعي، في الوقت الذي اعتبر فيه رجال الدين الإسلامي أن الخروج على الحاكم حرام، حتى مصطلح الثورة لم يصل عقولهم، ومازالوا يستخدمون لفظ الخروج، متجاهلين التغيرات الكثيرة التي حدثت، وأن الدول الحديثة وضعها يختلف عن دول القرون الوسطى. ولم يعرف العالم الفصل بين السلطات إلا عبر الحضارة الغربية. ويمكن للبعض أن يقول إنك تخلط ما بين المسلمين والإسلام، لكن هذه الكلام مردود عليه، كما هو واضح في موضوع تحرير العبيد، فليس هناك نص قرآني يجبر الناس على تحرير العبيد، وبالتالي لابد أن نعتبر ما أقدم عليه الغربيون إضافة لهذه الجزئية. وكذلك في علاقة الحاكم بالمحكومين، فلم يضع الإسلام نظاماً سياسياً واضحاً، بل الفترة الراشدة التي يعتبرها المسلمون فترتهم الذهبية لم يتفق الخلفاء الأربعة على آلية موحدة لاختيار الحاكم، فكل منهم جاء بطريقة مختلفة. وبالتالي لابد أن نعترف أن هذا الضبط تم بعد ظهور الإسلام بقرون عديدة على الضفة الأخرى للمتوسط والأطلنطي.

هذا عن الإسلام، لكن هل الحضارة الغربية قدمت كل شيء؟ هل بدأت من الصفر؟ ألم يكن للسابقين عليها سواء كانوا حضارات أو ديانات أي إسهام في رحلة حقوق الإنسان؟ هل تم تصنيع قطار حقوق الإنسان في الغرب وأقلع ودار في الغرب فقط؟ هذا الكلام غير صحيح، وغير موضوعي لو دققنا قليلاً في التطور التاريخي للحقوق البشرية، سنجد أن كل حضارة قد أسهمت بنصيب، سواء قلّ هذا النصيب أو كثر، لكنها خطوات كانت ضرورية حتى تكمل من خلالها الحضارة الغربية رحلتها الحقوقية، وإن لم يبدأ الآخرون، ما كان للحضارة الغربية أن تكمل المسيرة، بل كان عليها ساعتها أن تخترع العجلة، خاصة إذا اعترفنا أن تاريخ أوروبا الحضاري نفسه لا يتجاوز عدة قرون، قبلها كانت جزءاً من العالم المتخلف، بل كانت أكثر بقاع العالم تخلفاً، فإذا كانت الحضارة الغربية بدءاً من القرن الثامن عشر بالذات قد أضافت إسهامات بارزة في مجال حقوق الإنسان والتكريس للديمقراطية وقيم المواطنة، فإنها قد استفادت من تجارب السابقين، كما حدث في مجالات أخرى كثيرة علمية وسياسية وأخلاقية.

ولذا يجب أن نؤكد على فكرة التكامل، وأنه لا وجود لدين أو حضارة يمكن أن تكون قد قدمت للبشرية كل شيء، إن لم نع كمسلمين هذه الحقيقة سنبقى ندور في فلك ماض ولّى ولا أمل في رجوعه، بل لا ضرورة لرجوعه من الأساس؛ لأن ما تم تقديمه قديما جاء متسقاً مع عصره، ولا يصلح لعصرنا، فيجب أن نعيد النظر في كل موروثنا، باعتباره موروثاً ينتمي لعصر مختلف. وحين نقوم بهذه الخطوة، سوف نجبر الآخر، سواء كان غربياً أو شرقياً، أن يضعنا في اعتباره، ويأخذ ما نقوله عن إسهامنا التاريخي على محمل الجد.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

 






تعليقات الفيسبوك