اختيار القضاة في عصر عمر بن الخطاب.. هل كان طبقياً ؟

اختيار القضاة في عصر عمر بن الخطاب.. هل كان طبقياً ؟ – بقلم: سامح عبد الله

عمر بن الخطاب للولاة ” لا تستقضين (أى لا تول القضاء) إلا ذا مال وذا حسب.. “

ولاية القضاء..

هل كانت طبقية يا عمر؟

(السادسة والثلاثون )

في الحلقة الماضية قلنا أن الخليفة عمر بن الخطاب قد وضع صفات شخصية لمن يتول منصب القضاء وأجملناها في اللين في غير ضعف.. والشدة في غير عنف.. والإمساك في غير بخل.. والسماحة في غير سرف.

والحقيقة أنها كانت توجهات عامة أخذا بالمصطلح المعاصر أكثر من أنها جاءت في شكل قرار أو مرسوم
لكننا يمكننا أيضا أن نقول إن أي قول كان يصدر عن خليفة عادل مثل عمر كان بمقام قرار أو مرسوم.

لكن ما لفت نظري وإستوثقت منه قبل أن أطرحه للحديث هو ما جاء في توجيه عمر للولاة بشأن إختيار القضاة
فمنذ فترة خلافته لم يعد الولي هو القاضي كما قلنا من قبل، بل كان الفصل بينهما تحريا لأقصي درجات العدالة والحيدة وهو ما توصل إليه العصر الحديث فيما سمي بالفصل بين السلطات.
عمر هنا يضيف سمات أخري تضاف إلي ما سبق طرحه من سمات..
فقد قال للولاة تحديدا ” لا تستقضين (أي لا تول القضاء)
إلا ذا مال وذا حسب، فإن ذا المال لا يرغب في أموال الناس، وإن ذا الحسب لايخشي العواقب بين الناس”

هذا ما جاء تحديدا في أصدق الروايات وربما هذا الأمر دونه عمر في كتاب إلي عماله بعدما إتسعت رقعة الدولة في عهده.
عمر هنا يتكلم عن المال والحسب !
فهل كانت طبقية ؟

بالطبع ظاهر النص واضح.. ” ذا مال.. وذا حسب ”
وبالطبع فإن الكلمات تشير إلي طبقتين من الناس..
طبقة الأغنياء.. وطبقة النبلاء ( إذا جاز التعبير )
للوهلة الأولي يمكننا أن نستنتج من العبارات السابقة أن عمر بن الخطاب قد أظهر استثناءا ربما هو الوحيد في فترة خلافته التى قاربت عشر سنوات..
ويمكننا أيضا أن نستنتج أن هذا الاستثناء قد إنصب فقط علي هؤلاء الذين يتقلدون ولاية القضاء..
لكن إذا كنا قد إستنتجنا ذلك بما يشير إلي أن الطبقية لم تكن غائبة عن هذا الأمر، فلا بد أيضا أن نضع نصب أعيننا أننا نتكلم عن رجل كان عدو لدودا للطائفية والعنصرية والطبقية..
هل علمتم أنه إتخاذ لنفسه ميزة أو لأحد أبنائه أو لأحد من قبيلته لا يأخذها أحد من صفار الناس وضعاف الناس!
علي العكس تماما فقد شد عمر علي نفسه وعلي أهله أكثر مما فعله مع أحد من الرعية..
لم يستأثر لنفسه بحصانة الرؤساء وقصور الرؤساء وحراس الرؤساء..
ولم يول إبنه في حياته وليا للعهد كي يصبح خليفة من بعده، بل علي العكس أبعده تماما عن هذا الطريق.
بل أكثر من ذلك فقد حظر عليه أن يبيع بضعة إبل في سوق المدينة يبتغي منها كما يبتغي الناس..
ولم تكن زوجته سوي إمرأة من نساء المدينة لم تتحرج من أن تساعد إمرأة غريبة عن المدينة جاءت تلتمس عدل عمر ففاجأها المخاض فولدت طفلا علي يديها..

هذا الرجل الذي إستدعي حاكم مصر عمرو إبن العاص يحقق معه ومع إبنه بتهمة سوء المعاملة في شكوي قدمها له أحد أقباط مصر كما سوف نري لاحقا ثم يقول للقبطي إضراب إبن الأكرمين كما ضربك إستنادا إلي سلطان أبيه ثم أضرب أيضا أباه الذي لولا سلطانه ماضربك إبنه..

هل هذا رجل يمكن أن ينحاز إلي طبقية تستند إلي حسب أو مال حتي عند إختيار قاض يحكم بين الناس ؟
في الحقيقة سيكون الجواب بكل حزم… لا !

عمر كان خصما لايتهاون أبدا مع طبقية أيا كان مصدرها..
والحقيقة أيضا أن مبررات إختيار القاضي من ذي المال وذي الحسب لم تكن كافية فيما أراه لعصمة القضاة مع ملاحظة دائما أنني منذ بداية الحديث عن عمر وأنا لا أكتب عن نبي يأتيه وحيا ولا عن قديس لايخطئ، يل أكتب عن رجل دولة يصدر عنه مواقف فتوزن بميذان عقلي لا أكثر.

صحيح أن المنطق يقول أن صاحب المال لا يرغب في أموال الناس وإن ذا الحسب لايخشي العواقب بين الناس
لكن ذلك يمثل القاعدة ووجه المنطق لكن أيضا لكل قاعدة إستثناء وأحيانا يتوارى المنطق ويظهر علي السطح اللامعقول..
إن الشرف والأمانة والضمير أشياء لها منطقها الخاص الذي تحتار معه العقول وقت ما..
فكل الأنبياء كانوا فقراء يتكسبون من أعمال يدوية خشنة.. لكنهم لم يحكموا فقط بين الناس، بل كان موكول إلبهم أن يبلغون رسالات السماء..

وكل الأنبياء كانوا من أواسط الناس ولم يكن لأحدهم سطوة من عشيرة أو قبيلة وقد لاحقهم الإضطهاد أينما ذهبوا لكنهم صبروا علي البلاد وأبلغوا رسالات السماء..

إذن ليس هذا هو المعيار المطلق الذي لايقابله أي إستثناء..
نعلم في حياتنا اليومية من يمتلك المال ويسرق ومن يمتلك الحسب ويهبط إلي القاع..
فما الذي حمل عمر بن الخطاب علي أن يوجه عماله بوضع هذين الأساسين في الإعتبار عند إختيار القاضي..
المال.. والحسب.

ليست طبقية.. وليست القاعدة المطلقة..
ربما كان يعلم هذا الرجل الفذ طبيعة النفس البشرية.. ربما كان يتعامل بمفهوم عقلي ينزل إلي مصاف البشر.. ربما أراد أن تصل رسالته إلي عصور لاحقة حتي تأتي إلي عصرنا هذا..
ربما أراد أن يقول لنا.. لاتضعوا القاضي تحت سيف إختبار..أيا كان هذا الإختبار وسواء كان مالا أو سلطانا.
لاتضعوا القاضي في مصاف القديسين الذين لايخطئون..

ربما كان الرجل يردد في نفسه وهو يملي علي عماله هذا قول نبي الله يوسف في سورة يوسف..”وَمَا أَبَرِئَ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غفور رَحِيمٌ ” صدق الله العظيم.
ربما كان هذا..
وللحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.


تعليقات الفيسبوك