وهم المعرفة .. كيف يخدع العرب أنفسهم ؟!

وهم المعرفة .. كيف يخدع العرب أنفسهم ؟! – بقلم: حمودة إسماعيلي

في القرون الوسطى، عندما اشتد عود الديانة المسيحية تحت سلطة الإيكليروس، لم تدّعي أنها الحقيقة، بل الخلاص : لقد اعترفت المسيحية ـ رغم حقارة ممارساتها المشينة ـ بوجود الحقائق والعلوم، ولم تنكر نفعها الدنيوي، غير أنها استبعدتها باعتبار أنها علوم شيطانية أي وسائل يغوي بها (الشيطان) أتباعه حتى لا يحققوا الخلاص. بذلك فمطارداتهم للعلماء ـ من ضمن ذلك الساحرات ـ إلا خوفا من تأثير العلوم الشيطانية بالحكمة الإلهية التي تُحقِّق الخلاص : متمثلة في أناجيل بولس وأصدقائه، وأتباعهم من القديسين، الذين تم تحويل أروبا باسمهم لمجمّع كنسي كبير ـ شبيه بمجمعات السكن الاقتصادي حالياً.

اليهودية إذا أردنا أن نشير لها كذلك بالنسبة لهذا الوضوع، فهي لم تعترف فقط بأنها تمتلك الحقيقة، بل اعتبرت أن علاقة الرب بالإنسان محصورة فقط بينهم ـ شعب يختنون (قضيب) أطفالهم ـ وبين يهوه : إله غاضب يرغب بتأسيس دولة (روحية) بأي طريقة، وذلك سبب غضبه (أتباعه فسّروها بدولة جغرافية!). لذلك فكل ما هو غير يهودي، هو شيطاني، وهمي ـ طبعا اختلف الأمر بالنسبة لليهود المنفتحين عولميا، غير أن الأمر لايزال كذلك بجوهر العقيدة، وبالنسبة لمهووسي أساطير بني إسرائيل.

في الإسلام، نجد ديانة حصرية ترى في ما عداها لا أساس له من الصحة. من جهة أخرى، أن الحقيقة هي الإسلام والإسلام هو الحق : الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال ـ حسب المفهوم اللغوي العربي ـ إلى أن ما عداه هو باطل. حتى الأحاديث (الملتبسة وغير الصحيحة) عن طلب العلم ولو في الصين، واطلبو الحكمة ولو من أفواه المجانين، والعلم من المهد إلى اللحد : كل ذلك ليس بغرض زيادة المعارف، إنما بالأساس حتى يتم التأكيد على أن القرآن أو الحقيقة الإسلامية أفضل من تلك المقارنات جميعا. ماذا حدث نتيجة مثل هذه لأفكار ؟

ظهرت مجموعة من التخاريف الصبيانية، والتي يخجل الإنسان بسببها ليس فقط بالانتساب للإسلام، بل للعروبة، وهم تلك المجموعة المعاقة والتي تسعى للتجابه مع فيزيائيي نوبل ب”إعجازهم العلمي” : طبعا تفنيد نظرية كوانتمية بآية من سورة البقرة، لا تختلف عن محاولة شفاء ورم سرطاني بالحبة السوداء أو إنعاش اقتصاد مؤسسة مفلسة بدعاء جلب الرزق!

بالنسبة لجيل المثقفين من القرن الماضي، مرورا بحماس الجامعيين بالستينات والسبعينات، حتى اليوم : معرفتنا لا تستطيع الخروج عن كلام لا ينتهي عن الماضي : توظيف التراث العاطل عن العمل، لكن السؤال الجوهري هو “أين ؟”. أين يجب توظيف التراث ؟ طبعا لأن المثقفين يخجلون من اعتبار أن التراث لا يصلح لشيء (ما يعني أنهم لا يصلحون لشيء) فيستمرون بذلك التهريج الاستعراضي السخيف على الصحفيين الأغبياء. نأتي للجيل الحالي، والذين يعتبرون الثقافة هي قراءة روايات باولو كويلو وأحلام مستغانمي أو واسيني الأعرج ـ كنصيحة مني (رغم أني أكره إعطاء النصائح) حينما تذكر هاته الأسماء على اعتبار أنك مثقف وتحب المطالعة : فأنت تبدو جد سخيف، اذكر أسماء أخرى ولو بالكذب (حتى ولو لم تقرأ لها) كيوربيديس وأمبرتو إيكو وغارسيا ماركيز.. أو تحدث (كقلب للموضوع) عن الموسيقى، فكلام عن الأغاني يجعلك تبدو أفضل من تفاخرك بقراءتك لتلك الروايات المتعددة الأسماء والقصة واحدة.

لو اعتمدنا أفكار الإسلام كحقيقة، فإننا كأفضل صورة سنظهر بها لن تكون أكثر من “قريش تمتلك أنترنيت”! وداعش أكبر دليل كجماعة من قريش عجزت عن تصنيع لعبة شبيهة بكونتر سترايك Counter-Strike فقامت بلعبها بشكل جدّي (Xbox صنع إسلامي واقعي). بالنسبة لمن سيتشدق بالإمبراطوريات الإسلامية وما توصلت إليه : ذلك كان نتيجة الاستيلاء والاستفادة السياسية من مختلف المعارف المشرقية والفارسية والرومانية ونسبها لنبوة الجزيرة العربية!

يفتح العربي حسابا بموقع زوكربرغ، فيبدأ بتحميل صور الهولنديات والبرازيليات العاريات وهو يسب زوكربرغ (اعتقادا منه أن الموقع وسيلة للقضاء على الإسلام)، يستمني على تلك الصور، ثم ينام شبه راضياً وهو لا يعرف حتى كيف يمحي تلك الصور من هاتفه (إذا أراد)، أو من حاسوبه الذي لا يعرف اسمه بالضبط ـ أما عن تعليقاته الحقيرة المكبوتة، فلا تعليق! لا يزال الواحد منهم عاجزا عن وضع تعليق يتبث أن كاتبه إنسان وليس راكون !

تبدأ المعرفة، بمعرفة الأوهام، من ضمنها وهم المعرفة. أن تعرف، هو أن تدرك إلى أي درجة أنت واهم !

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك