من هو المسلم الحقيقي ؟

من هو المسلم الحقيقي – بقلم: طاهر يونس حسين

نعاني في هذه الأيام من أزمةٍ حقيقية على مستوى الإسلام كَكُل، و الغالبية الساحقة من المسلمين لا تعرف من هو المسلم الحقيقي، فالكثير منا حالفَهُ الحظ بأَنْ وُلِدَ مُسلماً.. فهل هذا كافي لكي نطلق عليه لقب المسلم الحقيقي.. فقط لأنَّه ولد من أبوين مسلمين .. الإسلام هو الاستسلام لله ، بمعنى أن تُسلِمَ وجهك لله و تنقاد له بصفته حاكماً مطلقاً مسيطراً على الكون كلِّه و أنْ تقومَ بتوحيده كما ينبغي ، و من ثمَّ تعبده بإخلاص حق العبادة .. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” إنَّ جوهر الدين الإسلامي بعد توحيد الله يتمحور حول هذه النقطة بالذات، فلقد رفع سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من شأن الأخلاق في حياة الإنسان، فلقد دعا إلى الأخلاق الكريمة و رغب فيها و حثَّ عليها؛ و قد يتصور بعض النَّاس أنَّ حسن الخلق محصور فقط في الكلمة الطيبة و المعاملة الحسنة مع الناس، و الحقيقة أنَّ حسن الخلق أوسع من ذلك بكثير فمكارم الأخلاق تشتمل على التواضع و تجنب الكبر و الغرور و التفاخر والتعالي على الآخرين ، كما تشتمل على رحمة الصغير و احترام الكبير ، و تشمل أيضاً طلاقة و بشاشة الوجه ، و تشمل الصبر و الحِلِم و الصدق و الوفاء بالعهد و الأمانة و العفو عند المقدرة و العدل و الإحسان و الإصلاح بين الناس و بذل المال، و الابتعاد عن الرياء وعد ما شئت من مكارم الأخلاق التي لا تنتهي لكثرتها، فلا تكاد تخلو مناسبة سواء في القرآن أو في السنة النبوية إلا وحثَّت على مكارم الأخلاق و رغَّبت بالأفعال الحميدة .. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ” إنَّ الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار “، و قال رسول الله ” مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَ إنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ “، و قال ” إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَ أقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أحَاسِنَكُم أخْلاَقا “، و قال رسول الله عليه الصلاة و السَّلام ” ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ على النَّارِ و بِمَنْ تَحْرُمُ عليهِ النّارُ.. على كُلِّ قَريبٍ هَيِّنٍ سَهْل “.. أمَّا القرآن الكريم فقد دعا في الكثير من الآيات إلى مكارم الاخلاق و الأفعال الصالحة و الترغيب فيها و التذكير بأجرها العظيم عند الله يقول ربنا : ” وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا ” و قال: ” وَ سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ” و قال : ” و آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَ لاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ و َكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورا ” و قال : ” وَ لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً * وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلا ” ..
و قال : ” وَ لاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَ لَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوها ” .. إنَّ للدين الإسلامي ثلاث مراتب هي الإسلام و الإيمان و الإحسان أدنى هذه المراتب الإسلام و أعلاها الإحسان.. و الإسلام يعرف من ظاهر الشخص أما الإيمان فمركزه في القلب و هو ماوقر في القلب و صدَّقه العمل.. بالتالي كل مؤمن هو مسلم و لكن ليس كل مسلم هو مؤمن لأنَّه قد يكون مسلم في الظاهر و منافق في قلبه ” قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا و َلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم “، و أعلى هذه المراتب على الإطلاق هو الإحسان، و الإحسان أعلى من الإيمان و أعلى من الإسلام، و الإحسان معناه أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك..

أمَّا الإحسان إلى الناس فمعناه أن تتعامل مع الناس بالإحسان عليهم و التفضل عليهم و أن تقضي حوائجهم الدنيوية قدر المستطاع و أن تكون لهم الناصح الأمين.. خلاصة الأمر أنَّ جوهر المسلم يتلخص بقدر ما يتميز الإنسان بأخلاقٍ عالية بقدر ما كان أقرب أن يكون مسلماً حقيقيا، و كلَّما ارتفع الإنسان بدرجة إيمانه من الإسلام إلى الإيمان وصولاً إلى الإحسان كلَّما اقترب من أن يكون عبداً ربانياً، و هل تعلم ما معنى أن يكون الإنسان من المحسنين؟.. معناه أنَّ الله سيفيض على المُحسن من كل أبواب الخير من حيث يحتسب و من حيث لا يحتسب.. سيفيض عليه من رحمته ” إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين “، و سيفيضُ عليه من العلم و الحكمة ” و َلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين “، و المحسنين لهم البشرى في الحياة الدنيا و الآخرة ” كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِين “،و المحسنين ترافقهم معية الله أينما حلوا “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإ ِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين “، و أهم شيء على الإطلاق محبة الله لهم ” وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ” ، و إذا أحب الله عبداً كان سَمْعَهُ الذي يسمعُ به و بصره الذي يُبصر به و إذا سأله لأعطاه و إذا استغفره لغفر له و إذا استعاذ به لأعاذه .. و هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.

في عصرنا هذا تجد هناك فهم سطحي جداً للإسلام و فهم سطحي للسنة النبوية لذلك نجد الكثير من الشباب.. عندما يلتزم بالدين الإسلامي أول شيء يفعله يقوم بإطلاق اللحية و تقصير الثوب و حمل السواك و يطلق على نفسه مثلاً اسم أبا القعقاع ثمَّ تراه عابس الوجه لا يضحك للرغيف السخن و تراه سيء الخلق رافضاً للمجتمع حاقداً عليه، و كأنَّ الله لم يهدِ سواه و هو يظن بذلك أنَّه يطبق سنة النبي عليه الصلاة و السلام، و هذا فهم سطحي جداً للسنة النبوية و فهم سطحي لدين الله، فالسنة النبوية أعظم بكثير من هذه الشكليات فعلى سبيل المثال هناك جماعة الآن في أمريكا اسمها جماعة البلاليين هؤلاء يقضون الحاجة في الخلاء و يركبون البغلة و لماذا يفعلون ذلك ..

على حد زعمهم اقتداء بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، و هم نموذج تافه وسخيف يسيء للإسلام و يشوه صورة الإسلام، و هل الاقتداء بسنة النبي أن تركب البغلة و تقضي الحاجة في الخلاء.. و يمكننا تعميم جماعة البلاليين على جميع عالمنا الإسلامي لأن العالم الإسلامي الآن غارق في الشكليات، و للأسف الشديد ابتلينا بتدين سطحي و فارغ و أجوف يهتم بالشكليات و القشور و الابتعاد عن جوهر الدين الأصلي فهل تميز محمد صلى الله عليه وسلم على أبناء عصره بركوب البغلة أو حمل السواك أو إطلاق اللحية أم تميز عليهم بالصدق و الصبر و الأمانة و الشجاعة و الوفاء بالعهد و طلاقة و بشاشة الوجه و حسن المصاحبة و الرحمة و العفو عند المقدرة و العدل و الإحسان و الإصلاح بين الناس و بذل المال وعد ماشئت من صفات النبي عليه الصلاة والسلام العظيمة، و الله عندما أنزل قرآنًا يمدح به محمد صلى الله عليه وسلم : ماذا قال له .. قال له ” و إنَّك لَعَلَى خلق عظيم “.. هناك فئة من الناس تريد أن تعكس الحالة الاجتماعية التي كانت على عهد الرسول عليه الصلاة كما هي و تطبقها في عصرنا و هذا فهم سخيف للدين ..

فالرسول عليه الصلاة والسلام ركب البغلة لعدم وجود السيارة و استعمل السواك لعدم وجود معجون الأسنان.. هذه الشكليات ليست من الدين في شيء .. أقولها و للأسف أننا أمة منحدرة على كافة المستويات العلمية و الأخلاقية و إذا كنا متخلفين علمياً فما هو المبرر لأن نكون منحدرين أخلاقياً .. و سأذكر قصة حصلت معنا شخصياً..عندما توفيت والدتي رحمها الله هنا في المانيا منذ فترة، و أثناء عملية الدفن قال لنا الشخص المسؤول عن إجراءات الدفن قصة حصلت معه ..قال جاءت امرأة فلسطينية تملك إقامة سعودية إلى ألمانيا للعلاج و حصل أنها توفيت هنا في ألمانيا ثم طلب زوجها إعداتها من ألمانيا و دفنها في بلاد الحرمين السعودية، فرفضت بلاد الحرمين دفنها مع أنها تملك إقامة في السعودية و قالوا له بعد وفاتها سقطت الإقامة عنها .. في النهاية قام الرجل المسؤول عن إجراءات الدفن بتقديم طلب إلى السلطات الألمانية لدفنها في الأراضي الألمانية، فرحبوا على الفور و قالوا لا مانع من دفنها في الأراضي الالمانية، و كل فترة يقوم الرجل بتصوير قبر المرأة و إرسال الصور إلى زوجها في السعودية..

قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ ، وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ ، وَ لا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ يُحِبُّ ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ ، لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَ لِسَانُهُ ، و َلا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ” . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا بَوَائِقُهُ ؟ قَالَ : ” غَشْمُهُ وَ ظُلْمُهُ ، وَ لا يَكْسِبُ مَالا مِنْ حَرَامٍ فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيُتَقَبَّلُ مِنْهُ ، وَ لا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ ، وَلا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ إِنَّ الْخَبِيثَ لا يَمْحُو الْخَبِيث “

” لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون ” [ألبقرة: 177]
صدق الله العظيم

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك