موسم الكفر بالوطن .. هل انتهى عصر الدولة الوطنية ؟

موسم الكفر بالوطن .. هل انتهى عصر الدولة الوطنية ؟ – بقلم: أحمد فتحي سليمان

اللهم هجرة. هل هذه دولة تستحق التضحية من أجلها؟ الحمد لله على نعمة الغربة. خير البلاد ما حملك. جمل تكررت على مسامعي في الآونة الأخيرة، وأراهن أنك سمعت نظائرها من أشخاص في دائرة معارفك ليس فقط في إطار تنفيسي لضيق عارض وإنما تعبيرًا عن أزمة هوية حقيقية.

فهل نشهد إرهاصات نهاية الدولة الوطنية؟

نشأت الدول الوطنية في إطار صراع طبقي وأيدولوجي وعرقي وديني محتدم، لتكون سندًا لسكان المستعمرات الأصليين في المطالبة بالاستقلال والحرية في مواجهة الإمبريالية، وكسند للطبقات الأضعف في المجتمع؛ التي تلجأ لقيم المواطنة للحصول على الحقوق والحريات المدنية والاقتصادية في مواجهة التسلط الطبقي والثقافي والطائفي، داعمين إقامة دولة القانون الضامنة لهذه الحقوق والحريات للكافة دون تمييز.

وسوقت الدولة الوطنية في إطار عاطفي لتكتسب زخمًا وكرست الانتماء الوطني كدافع ومبرر للكفاح والتضحيات، وكوسيلة لإشباع الحاجات العاطفية للإنسان في الانتماء لما هو أكبر من ذاته. وإن كان الانتماء الطبيعي للإنسان لأهله وموطنه (بالمعنى اللغوي للوطن) يعتبر أساسًا نسبيًا للانتماء الوطني، إلا أنه لا يحتمل تعدي دائرةٍ ضيقةٍ لا مساحةً جغرافيةً عملاقةً للدولة الحديثة، ولا ملايين البشر الذين يحملون جنسيتها.

ولهذا لا يعتبر القياس الطفولي في مقارنة وطنك وباقي الدول بأمك وباقي الأمهات كافيًا، وسقطت منذ زمن سخافات الدولة الفاشية التي طالب حكامها الشعوب ليس فقط بتقديم الولاء المطلق غير المشروع للدولة وجحد أي ولاء أو انتماء آخر تمامًا، بل وكراهية واحتقار الشعوب الأخرى على أسس عرقية وعنصرية متوهمة أثبت العلم سريعا زيفها.

أما حدود الدولة ذاتها والتي تعد تعبيرًا عن كيانها وإعلانا لوجودها فغالبًا ما تكون نتيجة ظروف غير طبيعية؛ كفرضها من المستعمر أو بمعاهدات تسوية الحروب. وفي مثال محلي رسمت الحدود بين مصر والسودان بموجب اتفاقية 1899 التي فرضها الاحتلال الإنجليزي. وتنازلت مصر عن واحة جغبوب في ليبيا الآن 1925 في مؤامرة مع الإيطاليين لضرب المقاومة الليبية.

بينما حدود مصر الشرقية شهدت نزاعًا مع تركيا على شبة جزيرة سيناء 1906 ثم مع إسرائيل منذ الهدنة الأولى رودس 1949 إلى مفاوضات الحدود التي انتهت 1988. وتشهد المناطق الحدودية في العالم بأسره عائلات شطرت الحدود أفرادها بين جنسيتين أو أكثر.

وفي النهاية لا يسعنا إلا التسليم بأن الجماعة الوطنية هي بدرجة كبيرة جماعة متوهمة. فالخطوط الوهمية التي ترسم حدود الدولة والرابطة بين أبناء الوطن، في ظل التنوع الإثني والثقافي والديني الكبير في الدولة الحديثة، رابطة مفتعلة غالبًا تُستدعى لدرء الصراعات الداخلية ويستدعى الولاء الوطني مختلطًا بقيم الشهامة والتضحية لتحدي الصعاب وخوض الحروب والصراعات الدولية.

والدولة الوطنية والتي أنتجها التطور القانوني والسياسي والثقافي كحلقة في التطور الإنساني، أو مواكبة لمقتضيات العصر لتصبح مؤسسة المؤسسات المهيمنة على السلطة، وتمارسها منفردة في نطاق اختصاصها الجغرافي والشخصي؛ تطلب من مواطنيها أن يعلوا ولائهم لها على انتماءاتهم الدينية والعرقية والثقافية إلخ.

ويتم هذا في نسق الدولة الديمقراطية بالاحتواء والتعايش السلمي وقبول الاختلاف في إطار عقد وعهد اجتماعي يسمح للجميع بقسطٍ متساوٍ من الحقوق والحريات وتشارك الثروة والفرص. فيكون الانتماء للدولة والدفاع عنها دفاعًا عن المكتسبات والقيم والمبادىء التي تستقر في المجتمع على تنوعه، لتحدد سمات شخصية الجماعة الوطنية وتحولها من كيان متوهم لحقيقي بناء على إرادة العيش المشترك التي تجمع أفرادها رغم خلافاتهم.

أما في النسق الشمولي فتتم محاولة ذلك بالقمع والإقصاء والخطاب الشوفيني التحريضي القائم على المزايدات في أروقة السياسة والإعلام، ولكن الأجهزة السيادية التي تحوز سلطات فائقة تمكنها من قمع الجماهير؛ سرعان ما تكتسب سلوكًا طائفيًا وتخلط بين المصلحة العامة وبين مصالحها الوظيفية والحفاظ على مكتسباتها ومميزاتها، وتتصارع مع بعضها البعض حول نصيبها من الثروة القومية والسلطة، ويعزز سلوكها العصاباتي الروح الانفصالية للجماعات المختلفة في الدولة، التي يصبح الولاء لها موضع شك، وإن لم تتفكك ماديًا تكون قد دخلت في طور الانحلال والانحطاط في كافة المجالات حتمًا. وبمجرد ظهور بوادر ضعف السلطة الحاكمة يتشظى المجتمع وتنفجر انقساماته الطائفية والعرقية والثقافية بعنف.

والدولة الوطنية لم تكن يومًا محل إجماع وإنما تعرضت للنقد العنيف من اتجاهات شتى، فقد واجهت تحديات من ثلاث أيدلوجيات متناقضة: الإسلاميون الحالمون بنموذج فوق وطني وفوق قومي لدولة دينية (متجاهلين من الحقائق السياسية والاجتماعية والأدلة الشرعية الكثير وإن لم يكن هنا محل هذا النقاش)، والماركسيون الذين أسسوا فكرهم على طبقيةٍ، وسَعَوا لتسود البروليتاريا العالم وإسقاط الدولة التي رأوها مجرد أداة قمع طبقي ابتكرتها البرجوازية، وأخيرًا تيار العولمة حيث يأكل العالم كله البرجر ويلبس الجينز وينضوي تحت لواء عالمي ذي طريقة تفكير واحدة ومبادئ قانونية ونظام اقتصادي واحد وقيم مشتركة تقدس الرأسمالية وحرية السوق. ويرى منظرو العولمة التمسك بسيادة الدولة الوطنية عائقًا أمام التقدم القائم على حرية انتقال الأشخاص والأفكار ورؤوس الأموال.

وتنازع القومية الدولة الوطنية بدورها في حالة الدولة متعددة القوميات فتنشأ الحركات الانفصالية، أو حال توزع القومية على عدة دول والذي قد يدفعها للاندماج، فتحت اسم القومية العربية تحولت مصر لإقليم في الجمهورية العربية المتحدة بموجب استفتاء 58 الذي وافق عليه بحسب الأرقام الرسمية (وإن لم أحضر الفرز) 95.9% من المصريين ثم عادت مصر دولة مستقلة لما تغيرت السياسات.

فالخلاصة أن الانتماء الوطني وإن كان شيئًا إيجابيًا في مجمله؛ إلا أنه ليس أمرًا قطعيًا أو جامدًا؛ فالدولة الوطنية الحديثة اختراع تم إنتاجه لأداء وظائف بعينها، ولا يمكن بحال أن نتوقع من شخص يشعر بالاضطهاد والغبن في بلدة، ولا يجد فيها سبيلًا للعيش الكريم أن تكون درجة ولائه لها مماثلة لآخر يعيش في وطن حقيقي وظروف طبيعية.

وإن كانت الدولة كشخص قانوني يحق لها أن تدافع عن بقائها ومصالحها ضد أي اعتداء خارجي أو من أحد أفرادها بالقوة، ويقع على الفرد التزام أخلاقي مؤكد بعدم الإضرار بالمجتمع الذي يعيش فيه، وتقديم النفع له بقدر المستطاع؛ إلا أنه لا شيء يمكن أن يغير من شعور الشخص نحو دولته ومدى ولائه الحقيقي لها، والذي هو في النهاية أمر شخصي له خصوصيته ولا يجب أن يكون محلًا لمزايدات رخيصة.

وإن كان الشعور الوطني يعلوا في حالة التهديد الخارجي أو الداخلي العنيف، وتُستدعى قيم التضحية والفداء دفاعًا عن الوطن؛ فمن الطبيعي أن هذا الشعور ينخفض في الأوقات المظلمة وعند هؤلاء الذين لا يجدون في بلادهم إحساس الوطن.

أما بقاء الدولة الوطنية ذاتها ولزوم الدفاع عنها؛ فبعيدا عن الشعارات والأغنيات فأسباب ابتداعها لا زالت موجودة بقوة ونحتاج إليها كحصن ضد فرض الإرادات الأجنبية، وسندًا لانتزاع حقوق المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص في البلد التي قُدِّر لنا أن نولد فيها، خاصة وأن ليس لها بديل متاح إلا قبح الطائفية.
وبدون مصادرة على المستقبل الذي قد يحمل بين طياته تطورًا أو بديلًا أفضل من الدولة الوطنية لا نعلمه؛ ففي حاضرنا تبدو عواقب التخلي عن حلم الوطن وخيمة بينما نستحق أن يكون لنا جميعًا وطن نحيا فيه بحرية وكرامة.

أحمد فتحى سليمان
https://www.facebook.com/ahmed.fathie.7

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك