هل مانراه هو الشكل الحقيقي للكون و الوجود ؟

هل مانراه هو الشكل الحقيقي للكون و الوجود ؟ – بقلم: طاهر يونس حسين

إنَّ آلية عمل الرُّؤية باختصار هي سقوط الضوء على جسم ثم انعكاس ضوء الجسم إلى العين لكي تقوم قرنية العين بتجميع هذه الأشعة المنعكسة، و من ثمَّ تتجمّع هذه الأشعة من القرنية إلى شبكية العين.. ثمَّ يتم تمريرها باستخدام العصب البصري إلى الجزء المتخصّص بالإبصار في الدماغ الذي يقوم بتفسير الأشياء على شكل صور و أشكال، و كذلك مبدأ عمل الكاميرا باختصار هي أنَّ عدسة الكاميرا تقوم بتجميع الضوء المنعكس من الجسم ثمَّ يتم تمرير هذا الضوء إلى الفيلم ليتم تخزين صورة الجسم ثم طباعتها.. أي أنَّ الضوء باختصار هو حامل لصورنا و عن طريق آلات بشرية كالعين يمكن التقاط هذا الضوء و تحويله الى صور بالدماغ.. أو عن طريق الكاميرات التي تحول هذا الضوء إلى صور، و لكن ليس هذا هو موضوعنا.. بما أنَّ الضوء هو حامل للصور بالتالي كل شيء نراه في الوجود لا نراه في الحاضر وإنَّما في الماضي لأنَّ الضوء حتى يسقط على الجسم ثم ينعكس إلى أعيُنِنَا يحتاج إلى فترة من الزَّمن و لكن هذا الزمن مع الأجسام القريبة هو زمن صغير جداً لا يَكاد يُذكر أي أنَّنا نرى ماضي الأشياء، و لكن ماضي بسيط جدًا جدا، و لكن مع الأجسام البعيدة الأمر يختلف رأسًا على عقب.. إنَّ المسافة بين الأرض والقمر تقريباً 380 ألف كم والثانية الضَّوئية تساوي مسافة 300 ألف كم.. أي خلال ثانية يقطع الضوء مسافة 300 ألف كم ..

بالتالي نحن نرى صورة القمر بالزَّمن الماضي و لكن ماضي بسيط بمقدار ثانية واحدة، و الشَّمس تبعد عنا 149 مليون كم أي تبعد بمقدار 8 دقائق ضوئية أي أنَّنا نرى الآن صورة الشمس بماضي قدره 8 دقائق، و لكي نرى صورتها بالوقت الحاضر سوف نراها بعد 8 دقائق، و لكن هناك مجرات تبعد عنا مليارات السِّنين الضوئية بالتالي صورتها الحالية التي نراها هي صورتها قبل مليارات السنين، و ليس في الوقت الحاضر، و لكي نرى صورتها الآن نحتاج إلى أن ننتظرَ مليارات السنين.. بالتالي كل صفحة الكون التي نراها هي عبارة عن صورة له في الماضي بِحَسب بُعد كل نجم أو مجرة عنَّا، فلو كان نجم يبعد عنا 1000 سنة ضوئية سنشاهد صورته قبل ألف سنة.. أما صورته الحالية لا أحد يعرفها رُبما يكون قد انفجر و تلاشى.. بالتالي لو كان هناك شخص يعيش في مجرة تبعد عنا 800 سنة ضوئية، و بما أنَّ الضوء يحمل صور الأشياء، فهذا لن يشاهد صورة الأرض الآن و إنَّما سيشاهد صورة الأرض قبل 800 عام أي سيشاهد أقوام ماتت منذ 800 عام، و لكي يشاهد صورة الأرض الآن عليه أن ينتظرَ 800 عام، و من هنا فإنَّ الله هو الوحيد العارف بالماضي والحاضر، و من هنا نجد تعقيد مفهوم ما يُسمى الزَّمن، فحاضِرُنا هو مستقبل غيرنا، و ماضي غيرنا هو حاضر بالنسبة لنا.. نحن نعيش صراحة في كون مليء بالطلاسم .
كما قلت إنَّ آلية عمل الرُّؤية باختصار هي سقوط الضوء على جسم ثم انعكاس ضوء الجسم إلى العين و عملية الإبصار تتم في الدماغ … إنَّ ضوء الشَّمس الأبيض إذا مررناه على موشور زجاجي يتحلل إلى سبعة موجات مختلفة الأطوال تتميز كألوان الطيف الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي.. يعني باختصار اللون هو عبارة عن موجة طاقة كهرطيسية لها طول معين..هناك ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية في شبكية العين ” حساسة للأطوال الموجية الأخضر و الأحمر و الأزرق ” إنَّ الأجسام بعد تحليلها نجدها تتكون من الذرات و هذه الذرات تتفاعل مع الضوء (الطاقة) الذي يقع عليها، فإمَّا تمتصه كل موجات الضوء أو تعكس جزء منها أو تعكسها كلها ..

كيف تتم رؤية الألوان إذاً.. إنَّ عملية رُؤية اللون تعتمد على الموجة التي انعكست عن الجسم، و حسب طول هذه الموجة تتلقاها الخلية المخروطية المناسبة و يفسرها الدماغ على أنَّها اللون الفلاني، فعلى سبيل المثال اللون الأخضر للنباتات نراه كذلك لأنَّ النبات يحتوي مادة الكلوروفيل التي تمتص جميع موجات الضوء و تعكس موجة الأخضر فقط، فتتلقاها المخاريط الحساسة لطول موجة الأخضر فيفسرها الدماغ أنَّها خضراء، أما هي في الحقيقة ليست لون أخضر و إنما موجة ذات طول معين انعكست عن النبات و فسرها الدماغ على أنها لون أخضر، و التفاحة الحمراء تمتص جميع موجات الضوء ما عدا موجة اللون الأحمر فيفسرها الدماغ على أنَّها لون أحمر، و الجسم الأبيض يبدو أبيض لأنه يعكس جميع موجات الضوء و يكون بارد لأنه يعكس الضوء كله و لا يمتص شيء، و الأسود يبدو أسود لأنَّه يمتص جميع موجات الضوء و يكون حار أيضاً لأنه يمتص طاقة الضوء كلِّها.. كذلك الأمر للبقية.. باختصار شديد اللون هو شيء خاص بالدماغ و ليس خاص بالأجسام حقيقته موجة ذات طول معين انعكست عن الجسم ففَسَرها الدِّماغ على أنَّها اللون الفلاني.. أمَّا حقيقةً.. التفاحة ليست حمراء أي أنَّ جوهَرَها حمراء، و إنَّما دماغنا رآها كذلك، و كل هذا لأنَّ نظام الرؤية يعتمد على الضوء الساقط من الشَّمس أو المصباح.. أما لو كانَتْ أعيُنُنا ترى بأشعة اكس و ليس الضوء فإنَّنا سنرى بعضنا هياكل عظمية لقدرة هذه الأشعة على اختراق الأجسام.. هناك أمواج أقصر مِنْ أن تُدركِها العين تُسمى الفوق بنفسجية وهناك أمواج أطول من أن تدركها العين هي تحت الحمراء.. يا ترى ماذا كنا سنرى لو استطاعت العين إدراك هذه الأمواج .. الخلاصة أنَّ كُل ما نراه من حولنا عبارة رؤية قاصرة جداً مرتبطة بشيء اسمه دماغنا .. والحيوانات والحشرات لها أدمغة مختلفة عن أدمغتنا بالتالي هي سترى شيء مُختَلف عنَّا بالكلية ..

بالتالي ما هو الشكل الحقيقي المطلق لهذه الدنيا إذا كان كل دماغ يراها بشكل مختلف.. صدق الله عندما وصف نفسه بأنَّه الوحيد ” عالم الغيب و الشَّهادة ” فلا يوجد شكل حقيقي مطلق إلا بعلم الله..” هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم ” .. من المعلوم أنَّ برنامج الكمبيوتر هو عبارة عن مجموعة من التعليمات البرمجية التي ينتج عنها في النهاية برنامج يقوم بوظائف معينة.. لو فرضنا أنَّ لهذا البرنامج لسانٌ ناطق سيقول لنا أنَّ عقلي لا يمكن أن يتصور أنَّ خارج هذا الصندوق ” الكمبيوتر”.. يوجد شيء، كما أنني لا أعرف شيء خارج الكون الخاص فيني و الذي هو الكمبيوتر، و عقلي غير قادر على إدراك ماهية و شكل الإنسان الذي قام ببرمجتي، و لله المثل الأعلى.. كذلك الإنسان عبارة عن آلة حية مبرمجة.. قام رب العالمين ببرمجتها لأداء مهام معينة في الدُّنيا، و للتعامل مع هذا العالم بالتالي عندما يحاول الإنسان البحث عن استفسارات خارج التعليمات البرمجية المُبرمج عليها لن يجد لها جواب.. لو بقي ملايين السنين يفكر، و مثال بسيط عندما نطلب من برنامج التعرف على بصمة الإصبع أن يتعرف على قزحية العين.. لن يتعرف عليها لأنَّه مبرمج لمعرفة البصمة، و لن يستطيع معرفة القزحية، و كذلك الإنسان هذه الآلة المبرمجة للتعامل مع الزمان والمكان و كل ما يتعلق ضمنهما…

و لا يوجد أحد يرى الدنيا على حقيقتها كما قلنا حيث إنَّ آلية الرؤية عبارة عن مجموعة من الأطوال الموجية تتلقاها الخلاية العصبية في العين و التي تفسرها مراكز البصر في المخ على أنَّها شجرة و سماء و تربة و إنسان و بناء إلخ.. بالتالي الشكل الذي تراه يعتمد على طريقة برمجة دماغك، و هناك آلات أخرى مبرمجة كالحيوانات و الحشرات إلخ ترى الدنيا بشكل مختلف عما نراه لاختلاف آلية برمجة دماغها، فهي ترى الموجودات بشكل مغاير لما نراه نحن.. بالتالي نحن ضمن عالم الحقيقة و الشهادة لا نرى الأشياء على حقيقتها، و نحن نفسرها بناءً على التعليمات البرمجية التي بُرمج دماغنا عليها، و لو غَير الله هذه التعليمات لرأينا الشَّجرة و السماء و بقية الموجودات بأشكال مغايرة تماماً، فكما قلت لو كنا نرى بأشعة إكس لا عن طريق النور العادي .. لرأينا الإنسان كهيكل عظمي و لا نراه كإنسان.. حتى مسائل إدراك الزمان و المكان هي مسائل مرتبطة بدماغ الإنسان، و حقيقة الزمان و المكان لانعرفها أيضًا، و إنَّ كُل ما نُشَاهِدُه على الكمبيوتر أو الموبايل من برامج و ما تحتويه من معلومات سواء نصوص أو صور أو فيديو أو غيرها أصلُها تعليمات برمجية مكتوبة بلغة برمجة معينة.. كُل زر تضغَطْ عليه يُحَفِز تعليمات برمجية تُنفِذ هذا الأمر من وراء الكواليس، و إذا ما عدنا إلى الوراء أيضاً نجد أنَّ هذه التعليمات البرمجية يتم ترميزها على شكل تتابع من الرقمين 0 و 1 .. كل المعلومات التي تشاهدونها في الحاسوب هي عبارة عن تتالي من الرقمين 0 و 1 نُسمِي هذا التتالي لغة الآلة، و لكن الإنسان العادي لا يستطيع فهم هذه اللغة لذلك تم تصميم واجهات استخدام و أزرار حتى يستطيع الإنسان التفاعل مع المعلومات.. أمَّا وراء الكواليس هناك شيء آخر يعمل و ليس هذه الأزرار أو الواجهات .. كذلك التلفاز لدينا شاشة نتفاعل معها و نُشاهد ما تعرضه علينا.. أمَّا وراء الكواليس هناك أمواج كهرطيسية تطير من جهاز الإرسال إلى جهاز الاستقبال على شكل الكترونات تضرب شاشة التلفاز.. لترسم لنا هذه الالكترونات صور متحركة بسرعة هائلة واردة من المرسل .. فيُخَيَل لنا من فرط سرعتها أنَّها فيديو مُتحرك لفلم أو مسلسل.. أما هي حقيقةً عبارة عن صور ساكنة.. كلَّما تعمقنا في حقيقةِ الأشياء كلَّمَا زاد مستوى التعقيد و أصبحت شيئاً غير مألوف و غير مفهوم، حتَّى تقتصر المعرفة على فئة قليلة، و كلَّما تعَّمقنا أكثر و أكثر كلَّما قلَّ عدد العارفين حتى نصل إلى الله العارف الوحيد و المحيط بكنه الأشياء و حقيقتِهَا.. أما نحن كأشخاص لا يُمكِنُنا إلا التعامل مع واجهات و أزرار و صور محسوسة فأنت تضغط على زر أيقونة الانترنت لتفتح لك صفحة الانترنت أما وراء الكواليس هناك تعليمات برمجية معقدة تجري و هي خارج نطاق معرفتك و لا يمكنك التعامل مع المعلومات الأصلية لصعوبتها..

بالتالي محاولة الإنسان الإجابة على استفسارات مثل .. رب العالمين.. خارج الكون ماذا يوجد ..ما معنى شيء خالد و ليس له نهاية، و ماذا وراء الكون و ماذا ما بعد هذا الوراء .. هي استفسارات أنتَ غير مبرمج لكي تدركها أو تجيب عليها بالتالي حقيقة الدنيا و شكلها الحقيقي لا يعرفه إلا الله .. حتى النجوم التى نراها في السماء يبعد بعضها عنا بمقدار 500 مليون سنة ضوئية.. أي أنَّ الضوء المنبعث منها حتى يصل إلينا يحتاج 500 مليون سنة ليصل إلى عيوننا.. بالتالي نحن نرى ماضيها السحيق الموغل في القدم.. أما ماهيتها الآن لا أحد يعلم رُبما انفجرت و ماتت منذ زمن بعيد، بالتالي حتى أكثر الأشياء يقيناً منا هي مجاهيل لا نعرف عنها شيء
﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَ مَا تَزْدَادُ وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ *عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال ﴾ صدق الله العظيم

ــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك