هل عطر المرأة من الزنا ؟

هل عطر المرأة من الزنا ؟ – بقلم: سامح عبد الله

ما هو سند الحديث.. وما المقصود منه

وهل قال الرسول فعلا لفظ “زانية”؟
ولماذا إقتصر هذا الوصف علي النساء دون الرجال..وما هو حكم خروج المرأة المتعطرة إلي المسجد وما رأي العلم الحديث في هذا الشأن..؟
وهل يستدل علي صدق الحديث بالعقل والمنطق و البيئة التى قيل فيها وفترته الزمنية؟
==========
عن أبى موسي الأشعري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صل الله عليه وسلم :أينما امرأة إستعطرت فمرت علي قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية ”
أخرجه أحمد.

أولا: سند الحديث..
===========
هذا الحديث من الأحاديث الآحاد وهى التى نقلها عن الرسول صل الله عليه وسلم فرد عن فرد وليس جماعة عن جماعة كما هي الأحاديث المتواترة وقد قال فيه الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الحاكم واقره الذهبى وصححه الألباني ورواه أحمد والترمذي وأبو داود بلفظ “فهي كذا وكذا”
ورواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان والطحاوي والبيهقي والحاكم بلفظ “فهي زانية” وزادوا كلهم عدا النسائى “وكل عين زانية”
وقال عنه البعض أنه حديث غير صحيح..!

واضح إذن أنه كما قلنا أنه من أحاديث الآحاد التى لايؤخذ منها حكما شرعيا كما هو الحال بالنسبة للأحاديث المتواترة التى تأتي في المرتبة الثانية من حيث مصادر الشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم.

===========

ثانيا: ما هو المقصود بمفردات الحديث..
“إستعطرت” استعملت العطر.
“فمرت علي قوم ” مجلس الرجال.
“زانية” لأنها آثارت الشهوة بعطرها وحملتهم علي النظر إليها.

هذا هو المعني اللفظي لكن ما هو المقصود بالزنا هذا..؟

يبدو أن الذين يقولون بصحة الحديث قد أدركوا مدي خطورة المعني الذي يحمله وسارعوا جميعا إلي القول أن لفظ الزنا هنا لا يحمل معنا حقيقيا بل فقط معنا مجازي، فليس هو الزنا الذي يستوجب تطبيق الحد وإلا كان جزاء المرأة التى تخرج متعطرة هو الجلد كما قالت الآية الكريمة.
وأن المقصود بلفظ الزنا هنا فقط هو الإثم.

وهنا يأخذنا الأمر إلي سؤال هام..
هل أراد الرسول الكريم أن يعبر عن لفظ الإثم باستخدام لفظ الزنا هذا (مع قسوة معناه ) وهل فعلها الرسول من قبل في الأحاديث الصحيحة التى رويت عنه..
يستند الفريق الذين يدافعون عن صحة الحديث ومعناه المجازي بحديث أبو هريره
أن النبى قال “إن الله كتب علي ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لامحاله فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق.. ”
وواضح أيضا أن هذا الحديث من أحاديث الآحاد.
أما الذين ينازعون في صحة الحديث فيستندون إلي قول أحمد بن حنبل بأن الحديث ليس به بأس فلم يقر أنه ورد عن الرسول الكريم وأيضا يستندون إلي قول كثير من الفقهاء بأنه مختلف عليه.
بل وزاد البعض في إنكارهم لهذا الحديث بالقول أنه لا يجوز أن تقول للمرأة المتعطرة أنها زانية وألا وجب عليك أن تأتي بأربعة شهداء عدول أو ثمانين جلدة علي ظهرك.
==========

ثالثا : ماذا عن المرأة المتعطرة التى تخرج الي المسجد ؟

روي النسائى في هذا عن أبو هريرة قال رسول الله صل الله عليه وسلم “إذا خرجت المرأة إلي المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة “

هنا نلاحظ أن الرسول في هذا الحديث (وهو من أحاديث الآحاد ) لم يستخدم لفظ الزنا بما يحمله من معنى مجازي لكنه أتي بتشبيه مجازي أيضا بين التطهر من العطر و التطهر من الجنابة .
=========
رابعا : ما هو حكم العطر بالنسبة للرجال.. هل يعد أيضا من الزنا..
بالتأكيد لم يأت به ثمة تحريم أو نهي بل علي العكس يقول الفقهاء أنه مستحب خاصة عند الذهاب للصلاة بالمساجد وهناك ما ورد عن الرسول يؤيد ذلك.
========
خامسا : وما هو رأي العلم الحديث بشأن حاسة الشم..

منذ فترة غير وجيزة توصل علماء البيلوجيا أن بالأنف غدة جنسية تثير الشهوة وأن هناك تجارب حول تأثير بعض العطور علي هذه الغدة ثبت منها أن هناك ارتباط بين حاسة الشم وإثارة الشهوة.
==========

سادسا :هل يجوز أن يستدل علي صحة الحديث أو عدم صحته بالعقل أخذا في الاعتبار البيئة التى قيل فيها وفترتها الزمنية؟
هنا يقع الخلاف حتما بين من يرون جواز ذلك وبين الذين يرفضون رفضا قاطعا
وهنا تحدث الفجوة وتزداد اتساعا بين الفريقين بل والأمر يزداد سوءا عندما يطرح الأمر خارج نطاق الخلاف بينهما إلي مجال أوسع رحابه كما هو كل شيء اليوم ويكون لإدخال العلم في حالات كثيرة محاذيره التى تصطدم أحيانا مع النص وقد قلنا من قبل أن النص الشرعى يختلف عن التجربة العلمية
========
سابعا : نقاط فوق الحروف..

كل أمر يأخذ نصيبه من الدقة عند طرحه
هذا مؤكد لكن التطرق إلي شأن يدخل في الشريعة بكل تأكيد يزيد الأمر دقة بل وحساسية وهذا مفهوم وليس به مايزعج
وأريد هنا أن أضع في خاتمة كلامي عن هذا الأمر بعض نقاط أوجزها في الآتي..

أننى حاولت بقدر ما أستطيع أن أقف بمنطقة وسطي بين فريقين أحدهما يقر والآخر ينكر علي الرغم من أن هذا ليس منطقي أو أسلوبي عند التعرض لموضوع فكري أيا كان هذا الأمر لكن الأمر يدق هنا كما قلت وهذا لن يمنعني بطبيعة الحال أن أقول رأيي الذي هو في النهاية يعبر عني في المقام الأول ثم لمن يري فيه شيء يستحق أن يأخذه.

الحديث المميز للرسول استخدم لفظا له حدا معلوما في القرآن وهو حد الزنا وكان من اللافت أنه أمر ليس مشاعا فيما ورد حقا عن رسولنا الكريم.

إن اللفظ يشكل إحدي الكبائر في الشريعة بما يحمله من إثم عظيم جعل بعض الفقهاء يضعوه في مقدمة الكبائر بما له من عواقب في الدنيا والآخرة وكان قاسيا للغاية حتى ولو كان التعبير مجازيا أن يقع هذا التشبيه بين امرأة تضع عطرا فوق جسدها وبين أخري تبيع جسدها.

إن الحكم الشرعي فرق بين المرأة والرجل بخصوص هذا الشأن فإذا كانت المرأة تثير الرجل بعطرها فالرجل أيضا يمكنه أن يفعل ذلك بعطره وقد قلنا سابقا أن العلم الحديث قد اكتشف أن بالأنف غدة جنسية يمكنها أن تثير الرجل والأنثي علي السواء.

إن الحديث الذي ورد بشأن المرأة المتعطرة التى تخرج إلي المسجد لم يرد به لفظ الزنا وورد به تشبيها مجازيا فقط بين التطهر من العطر والتطهر من الجنابة لكن لم يرد به هذا اللفظ وكان من الأولى أن المرأة التى تذهب إلي المسجد بعطرها ترتكب إثما أشد من تلك التى فقط مرت بعطرها بمجلس الرجال وهي تفرقة تستحق الوقوف عندها والتدقيق.

إن الأمر من وجهة نظرنا ليس به سوي وجوب مراعاة الذوق العام والأخلاق التى هي جوهر الدين والشريعة..
أنا أفهم أن المرأة يجب ألا تبالغ في وضع عطرها خاصة إذا كان من هذا النوع الآخاذ الذي تنتجه شركات العطور والذي فعلا له قدرة علي إثارة الغريزة للرجل والمرأة علي السواء لكن هذا لا يمنع (في رأينا الشخصي ) ولا يشكل خروجا علي جوهر الدين أن تضع المرأة عطرا خفيفا لا يكون مفعوله علي نحو يثير خاصة إذا كان المكان الذي تتواجد به أو تمر به له بعض الخصوصية..
فليس مناسب مثلا أن تخرج المرأة إلي عملها بعطر مثير..او تقف بين طلابها في معهد علم بهذا العطر او تتفقد مرضاها بهذا العطر وهكذا..
وبعيدا عن وصف الزنا في حقيقية معناه أو حتى في مجازية هذا المعني الأمر لا يخرج عن سلوك بين دائرة الإباحة والإثم بحسب الغاية والمقصد.

إن النظر الي البيئة التى خرج فيها هذا الحديث وفترته الزمنية يمكن أن يكونا عونا لنا لتدارك الحقيقة..
فهل كانت النساء في هذا العصر يملكن هذا النوع من العطر الآخاذ الذي حمل الرسول الكريم علي أن يستخدم لفظ الزنا من أجل تحريمه..؟!
وهل كانت هذه البيئة الحارة الجافة
لتحول دون التطيب والتعطر بما يتناسب مع الفطرة الإنسانية الصحيحة التى جاءت بها أحاديث عديدة عن الرسول الكريم..؟!

هذه بعض نقاط أضعها فوق حروف كلماتي لعلها تكون قد ألقت فوقها بصيص من ضياء..
هذه هي فقط غايتي.. بصيص من ضياء..!
والله تعالي أعز وأجل و أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك