5 حكايات مدهشة عن الشاعر المصري “أحمد فؤاد نجم”

5 حكايات مدهشة عن الشاعر المصري “أحمد فؤاد نجم” 

احتل الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم خلال عقود مكانة كبيرة في وعي العرب، وخاصة اليساريين منهم. خمس حكايات عن نجم من ذاكرة ابنته نوّارة وأصدقائه يتضمّنها هذا الموضوع وتكشف عن جوانب كثيرة من شخصية “الفاجومي” الذي كان أكثر من شاعر.

نوّارة الانتصار

نجم أبو البنات. رزقه الله بثلاث بنات هنّ عفاف، نوارة وزينب، كلّ منهنّ من أم مختلفة. وقد توفيت عفاف منذ عام تقريباً وكانت مصابة بمرض السرطان. أما زينب، ابنته من زوجته الأخيرة أميمة، فهي بعيدة تماماً عن الكتابة والسياسية. وبقيت ابنته نوّارة التي انجبها من الكاتبة صافي ناز كاظم الأقرب إلى شخصيته واهتماماته، وكان ميلادها في 8 أكتوبر 1973، أي بعد نصر أكتوبر بيومين فقط، لذا فقد أطلق عليها اسم نوارة الانتصار.

وفي المقطع التالي تروي نوّارة لرصيف22 ذكرياتها مع أبيها: “كانت الملاحقات الأمنية لأبي وأمي أول ما وعيت عليه. بعد ولادتي مباشرة دخل أبي السجن، وظلت أمي لمدة عام كامل ممنوعة من الكتابة في مصر ومن الخروج من البيت. ثم ألقوا القبض عليها، وكنتُ في عامي الأول، ولذلك فُطمت قهراً.

بعد ذلك، خرجت أمي من السجن وأخذتني وسافرت إلى العراق ولم أرَ أبي. وحين ألحّيت على أمي لكي أزوره، أخذت إجازة وعدنا إلى القاهرة. كان وقتها في سجن القلعة، وكنت أراه لأول مرة في حياتي. كان عمري بضعة أعوام. أذكر أنني ظللت طوال الزيارة أتأمّل فيه، أدقق في تفاصيل وجهه وذقنه والشامة الموجودة بوضوح على وجهه. يومها أعطاني وردة كان قد قطفها من حديقة السجن، وعقد صنعه بيديه هنالك.

بعد انتهاء الزيارة قلت لأمي: “لا أريد أن أذهب”، وفجأة لم أشعر بقدميّ فسقطت على الأرض وأنا أبكي. تلك اللحظة ظلت محفورة في ذاكرتي حتى اليوم.

ثم عدنا إلى العراق مرة أخرى، وفي عام 1980 رجعنا إلى مصر، وسألت عن أبي فقالوا إنه هربان، وإنه يختبئ في شقة بمصر الجديدة، وهنالك رأيته للمرة الثانية وكان عمري لم يتجاوز السبع سنوات، وكان قد أطال شعره وأطال شاربه بنيّة التخفي. وقد سمّى نفسه “مجدي” ولكن الجميع بمَن فيهم البواب كان يعرف أن مجدي هو نجم.

بعد شهر تقريباً أُلقي القبض عليه من جديد، ونزل كمعتقل في سجن طرة، وذهبت مع أمي لزيارته، وكنت حزينة وأتعامل مع العساكر بعنف. وأذكر أن الضابط سألني عن حالي، فقلت بضيق “مالكش دعوة”. ولكني فوجئت بأبي، وقد حلقوا له شعره تماماً، يمازح العساكر ويسأل عن أحوالهم وكأنهم أصدقاؤه. وحين سألته عن سبب تعامله معهم بلطف، قال إنهم مساكين وإنهم أسرى مثله تماماً.

كان والدي يحب الناس جميعاً حتى أعدائه. في أحداث سبتمبر الشهيرة حدثت مفارقة عجيبة: أُلقي القبض على أمي وأُخلي سبيل أبي، وذهبت للعيش معه في الغورية.

كان يعيش في غرفة صغيرة بابها دائماً مفتوح، وكانت الناس تدخل وتخرج، تستخدم الحمام أو تفتح الثلاجة بدون إذنه لتبحث عن الطعام. ومرة دخل شخص وفتح الدرج وأخذ خمسة جنيهات هي كل ما كنّا نملكه وقتها ورحل، وسألت أبي: هل تعرفه؟ فقال بهدوء: لا. فصرخت: حرامي. فقال لي: لا تحرجي الرجل، فلا بد أن يكون قد “ضربه السلك” (كناية عن شدة حاجته) حتى يسرق نجم. هكذا كان يعيش والدي حياته”.

هاشم: عين جواهرجي

بين محمد هاشم، مدير دار ميريت للنشر، والشاعر أحمد فؤاد نجم صداقة طويلة امتدت لعشرات السنوات وتأصلت بين الأسرتين، وقد جمعهما النضال والفن والانجذاب إلى اليسار المصري.

ودار ميريت في حد ذاتها كانت المشروع الذي تبناه نجم وإبراهيم منصور المناضل اليساري الكبير، وكان الهدف من هذا المشروع أن يكون معبراً لأجيال جديدة خاصة وأن سوق النشر وقتها كان يقتصر على مكتبة مصر التي اكتفت بإعادة طباعه كتب كوّنت أمجادها، ودار الشروق التي انشغلت بنشر كتب السياسة والتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة، والنشر الحكومي الذي اتسم بالروتين والبطء.

وفي ظل تلك الظروف جاءت فكرة تأسيس دار ميريت للنشر. وبالفعل تمكنت الدار من تقديم كُتاب شباب كان لهم صدى في الساحة الأدبية، وكان لنجم دور كبير في ذلك.

وروىهاشم لرصيف22 أن “عم نجم الله يرحمه كان يمتلك عيناً قادرة على التقاط الموهبة، وهو مَن قدّم العديد من الشعراء الشباب مثل مصطفى إبراهيم ومايكل عادل ورامي يحيى. وكان دائماً يكتب عنهم في الجرائد، ويصطحبهم معه إلى ندوات، وقد اعتبرهم أبناءً له فظلوا تحت رعايته واهتمامه إلى أن مات”.

رامي… إله الجوع عند قدماء المصريين

من جانب آخر، قال الشاعر رامي يحيى لرصيف22: “بداية معرفتي بعم نجم كانت في أواخر التسعينيات، وقد كتبت وقتها مسرحية، وتمنيت أن يكتب أشعارها الشاعر الفاجومي، وبحثت عن رقم هاتفه حتى وجدت من أعطاني إيّاه. وعلى الفور اتصلت به، وشرحت له الأمر فرحّب بشدة، وقال لي: “سوف انتظرك يوم الجمعة في منزلي”، وكان في ذلك الوقت يسكن في بلوكات الزلزال، وهي الشقة التي حصل عليها من المحافظة بعد عناء.

وفي الموعد المحدد كنت أقف أمام باب الشقة. طرقت الباب ففتحت زوجته “أم زينب” وكان عم نجم يجلس على كنبة قبالة الباب. قلت لها: “أريد أن أقابل عم نجم”، فأجابت بهدوء: “ليس موجوداً”. أصابتني الحيرة. كيف يكون ليس موجوداً وأنا أراه أمام عيني؟ قلت لها: “ولكني أراه”، وأشرت ناحيته، وكان هو يسمعنا ويرانا ولا يُعلّق! وأصرّت هي: “قلت ليس موجوداً” وأغلقت الباب.

مشيتُ في الشارع والحيرة تغمرني، حتى أنني شككت في نفسي. بعدها بأعوام صدر ديواني الأول تحت عنوان “صعلوك” وكان نجم دائم الإقامة في ميريت. في الحقيقة كانت ميريت بيته الثاني. تشجعت وجلست إلى جواره، وذكّرته بنفسي وبالواقعة، وسألته عن سبب زجرها لي، وعن عدم تدخله، فقال إن يوم الجمعة هو اليوم المخصص لأم زينب وزينب، وإن بينه وبين زوجته اتفاق على أن يكون هذا اليوم خاص جداً بالأسرة، ولا يجوز أن يخرج أو يزوره أحد.

بعدها طلب مني أن أقرأ فقرأت قصيدة بعنوان “وطني حذائي” وإذ به ينهال عليّ بالسب والشتائم. لم أكن أعرف إذا كان يمدحني أم يوبخني، بعد ذلك عرفت أنها طريقته في الإشادة، وقد كتب عني مقالاً لقّبني فيه بـ”إله الجوع عند قدماء المصريين” فصار هذا اللقب هو الاسم الذي لم ينادني بغيره حتى وفاته”.

أبو جُليّل: عدمي بلا شك

يعتقد الروائي حمدي أبو جُليل، رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة أن أحمد فؤاد نجم من شعراء القاع، فهو عاش حياته الطويلة بين المهمشين والفقراء والمعدومين، وهو ما أكسبه قاموسه الخاص، وقد أطلق عليه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات لقب الشاعر البذيء.

وروى أبو جُليّل لرصيف22:”في الحقيقة، كانت تلك اللغة هي طريقته للتعبير عن رؤيته للعالم، وهو يذكرني بالشاعر الكبير بيرم التونسي. كان فيلسوفاً بجانب كونه شاعراً. هنالك من يرى أن أشعار نجم السياسية أقل فنياً من أشعاره الأخرى، وهذا غير صحيح بالمرة. فإذا نظرنا إلى الموضوعات التي اختارها لشعره السياسي، وخفة دمها، وتأثيرها على جموع الشعب المصري لأدركنا على الفور أننا أمام شاعر سياسي من طراز مميز استطاع من خلال شعره أن يوثق لمراحل سياسية هامة مرّت على هذه البلاد، مع صديقه الملحن والمطرب الشيخ إمام.

نجم لم يخلص لقضية في حياته سوى لقضية الوطن، أما عدا ذلك فهو عدمي تماماً، وعبثي أيضاً، لا يريد شيئاً من الحياة سوى أن يعيش بالطريقة التي يفضّلها ويحبها. ولعل أبرز مثال على ذلك زيجاته المتعددة، فهو تزوج من الممثلة الجزائرية الجميلة صونيا ميكيو، والمطربة المصرية عزة بلبع، والكاتبة صافيناز كاظم، وأخيراً السيدة أميمة أم زينب، وقد طلقهن جميعاً وبقي مع أم زينب. فلماذا؟ لأنها كانت تشبهه، بسيطة وتنتمي إلى القاع، تنتمي إلى الطبقة التي يكتب من أجلها.

لم تكن له أية مطامع في الحياة ولم يكن يصبو إلى شهرة أو يطمع في مال. وكان بينه وبين الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي صداقة، وكان القذافي يحبه جداً ويعتبره من المقربين ومع ذلك لم يكتب عنه حرفاً في أشعاره. فنجم كان يؤمن أن شعره من أجل الناس ولا يمكن أن يستغله لصالح حاكم حتى وإن ربطت بينهما صداقة.

إبراهيم داود: وقائع يوم الوفاة

حكى الشاعر إبراهيم داود، مدير تحرير الأهرام، لرصيف22 إنه “في صبيحة يوم 3 ديسمبر من عام 2013، اتصل أحمد فؤاد نجم بصديقه رشدي جاد، وطلب منه أن يمر عليه بالمقطم حيث كان يعيش. وبالفعل جاءه الصديق فطلب منه الشاعر الكبير أن يأخذه إلى البنك، وهنالك استعلم عن رصيده الذي تجاوز، بعد حصول نجم على جائزة الأمير كالاوس، وهي جائزة هولندية لم يحصل عليها من العرب غير محمود درويش ونجم، وتبلغ قيمتها 100 ألف يورو، المليون جنيه وعشرات الآلاف من الجنيهات، فطلب من الموظف أن يضع المليون كاملاً في حساب مستشفى سرطان الأطفال، وقال له: “حط الفلوس دي في المستشفى اللي بتعالج العيال الغلابة من السرطان”، ثم طلب منه أن يوزع المبلغ الصغير المتبقي على نوارة وزينب وأميمة. وبعدها سحب مبلغ خمسة آلاف جنيه ووضعهم في جيبه”.

وقال الشاهد على الواقعة إنه حين وصل إلى باب البنك أعطى موظف الأمن خمسمئة جنيه بلا مبرر. وعلى الطريق كان “يكبش” دون حساب أو تقدير ويناول المال لكل مَن يقابله وهو يردد: “خد دول، هات حاجة لولادك” ثم استوقف سيارة أجرة وعاد بها إلى البيت، وكانت أجرة التاكسي لا تتجاوز بأي حال الخمسين جنيهاً غير أنه أعطى السائق ما تبقى في جيبه من مال، وهو مبلغ قد يتجاوز الألف جنيه، وقد اندهش سائق التاكسي وسأل: ما هذا؟ فقال نجم له إنه رزق العيال”.

وتابع: “في ذلك اليوم تحديداً توفي أحمد فؤاد نجم بعد أن وزّع كامل ثروته على الناس الغلابة الذين عاش بينهم ومعهم ودافع عنهم وعن قضاياهم فسُجن بسبب انحيازه إلى تلك الطبقة، طبقة القاع والفقراء والمهمشين. هذا هو نجم المناضل والشاعر والإنسان العظيم”.

المصدر: رصيف 22

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك