الإيمان .. غريزة أم تلقين متوارث ؟

الإيمان .. غريزة أم تلقين متوارث ؟ – بقلم: حمودة إسماعيلي

البحار لا يصلي للحصول على الرياح المناسبة، هو ببساطة يتعلم الإبحار.. يقول غوستاف لندنبرغ.

عندما يتم إنجاب طفل فإنه تلقائيا سيتلقن ثقافة أهله ومجتمعه، وذلك حتى يتمكن من التعامل مع ظروف الحياة التي تنتظره، فالثقافة هنا طبعا تتضمن تجارب من عاشوا قبله، ورؤاهم كذلك وتفاسيرهم للعالم والوجود والحياة. هذه النقط الأخيرة هي التي تشكل مفهوم الدين، وبه فإن الطفل يتلقن دين أهله ـ ليس من المعقول أن تجد طفلا ولد ب”وهران” لأسرة مسلمة ويدين هو بديانة الزولو (قبائل إفريقية يعني اسمها شعب السماء).

بالنسبة للطفل والإنسان عموما فما يهمه أكثر هو إشباع حاجاته الضرورية والعيش بجو من التسلية والرفاهية، يأتي الدين كتفسير للعالم بعد ذلك. قد يصطدم الشخص بثقافة أخرى يجدها أرقى فيختار أن يستمد المفاهيم منها بعدما يرى أن مفاهيم ثقافته أو ديانته لا تحقق له إفادة ومنفعة، أو ربما يتعرض لمشاكل بحياته بسبب اعتناقه للأفكار الخاصة بمجتمعه، فيجد أنها تضره أكثر من أنها تنفعه، فطبيعي أن يتخلى عنها هنا. كذلك قد يعيش الإنسان حياته بشكل طبيعي محافظا على طقوسه الدينية مثله مثل كثير من أفراد مجتمعه، لكن الدين لا يصبح ضمن أولوياته الحياتية إلا عند تعرضه لظروف يتضح له أن الدين هو الملجأ أو المنقذ منها، لذلك يصبح الدين ـ بهذه الحالة ـ من أهم الأهداف والاهتمامات بالحياة.

لكن هناك فئة لا يشعرون ربما بحاجة لدين أو انجذاب نحو إله كتفسير لوجود العالم رغم أنهم يعيشون داخل بيئة دينية، مرد ذلك إلى أنهم إما يتربون داخل عائلة لا تحث أبناءها كثيرا على الدين، فينشأ الطفل مركزا تفكيره نحو اهتمامات أخرى فلا يجد حاجة للبحث عن أجوبة دينية أو يجدها ربما في نطاق آخر خارج الدين.. وإما أنه لم يتعرض لأحداث معينة تهز نفسيته والتي بإمكانها أن تدفعه للاحتماء بالدين، أي أنه ومنذ صغره (كان متدينا) لكن الدين لم يلعب دورا بارزا في مراحل حياته لذلك بدأ يخفت شعاعه داخل وعي الشخص تدريجيا حتى وجد أن الدين ومفاهيمه لم تؤثر في تشكيل وعيه.

لذا بالنسبة للسؤال : هل للإيمان دافع غريزي أم احتياج أيديولوجي نتيجة التلقين؟ طبعا احتياج أيديولوجي نتيجة التلقين، قد يأخذ شكل دافع غريزي نظرا (كما يبدو) لكثرة الأديان وسعة انتشارها بالعالم ـ نتيجة ما يعرف بالعدوى الثقافية الاجتماعية. رغم ذلك يظل الإيمان مجرد احتياج أيديولوجي : فهناك من يعيشون دون حاجة لإيمان بإله. فالدين مهارة فكرية اجتماعية مكتسبة، وليس غريزة. فهذه الأخيرة هي دافع للحث عن إشباع بيولوجي للكائن الحي، أما الدين فيعتبر رفاهية فكرية، إنسان جائع لن يهتم إن كان المسيح ابن “مريم” أو ابن “بينيلوبي”. لكن إنسانا شبعانا قد يُجوِّعُ نفسه بشدة إن أدرك أن ذلك يحقق له رؤية أو لقاء المسيح !

أما عن الأطفال وهل يولدون مؤمنين أم ملحدين؟ إن الأطفال يولدون محايدين، بمعنى أنه لديهم القابلية لتلقي وتصديق أي شيء يمنح لهم.

وبالعودة للاقتباس الذي افتتحنا به الموضوع، وبتعبير على نفس المنوال : “فنحن ببساطة نتعلم الدين”. مع ذلك يوضح كارل ساغان أنك : “لا تستطيع أن تقنع المؤمن بأي شيء، فإيمانه لا يستند على أدلة وإنما على حاجة ماسة للإيمان”، يرد عليه الفيلسوف فرانسيس بايكون بقوله : “”جزء قليل من العلم يجعل الإنسان ملحد، ولكن دراسة متعمقة في العلم تجعل الإنسان يؤمن بالله“.

الإشكال هنا هو في “الله”، فهو نقطة الاختلاف بين الأديان فيما بينها ـ سواء أساطير قبلية أو فلسفات اجتماعية ـ وبين

المتدينين والملحدين، هل هو “كائن” أو “مادة” أو “قوة” أو “معادلة” أو “قانون” أو “مفهوم” أو هو الكون نفسه؟ فمن جهة أينشتاين وضّح أنه في معرض كلامه حينما يذكر كلمة “الله” فهو يشير بذلك للقوى الفيزيائية وليس للإله يهوه (وهو ما أثار سخطا لدى الكثير من معجبيه اليهود ومن المتدينين عامة). فمن خلال هذه الزاوية فالجميع يؤمن بالله : فمن ينفيه ككائن، فهو لا ينفيه كقانون فيزيائي (كما كان يشير له إنشتاين في تعابيره).

لكن يظل “الله” مع ذلك إيمان لدى الشخص بأن قوة ما أوجدت العالم وهي سبب حركته ـ بالتحليل النفسي هو رغبة لاواعية للتشبت بالمعتني (تضخيم الأم/الأب). لكن أكانت هذه القوة “يهوه” أو القوى الطبيعية الأولية لما قبل الانفجار العظيم : الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة والقوية. ف”الله” يُعتبر ترفاً فكرياً (بالأحرى تشويهاً كما في حالات العدوان باسمه) يخدم نزعة تطورية لدى الإنسان : فهو(الإنسان) المخلوق الوحيد الذي يمتلك همّ البحث عن سبب الوجود ومعناه ـ أو القادر على ذلك ـ دون باقي الكائنات، التي يكفيها الأكل والنوم والتناسل.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك